|
باريس ـ |
 |
تقف في الطابور.. والطابور يمتد وراءك ولكنه لا يتحرك بسرعة. ولا أحد يشكو أو يتململ أو يقول للبائعة: من فضلك شدي حيلك لأنني مستعجل. ولن تستمع إليه. ولا ترد عليه. ولا أحد يجرؤ علي أن يقول لها شيئا. فهم يرون أنها تعمل. وأنها تحل مشاكل الزبائن. وأن ماتفعله هو أقصي ماتستطيع. وتندهش كيف ان أحدا لا يتضايق أو أن أحدا لا يخرج عن الصف ليحدثها لعلها تخف يدها. لا أحد يفعل ذلك مهما طال الطابور. فقد اعتاد الناس علي ذلك الأسلوب في العمل وفي الانتظار. قد تقول ان أعصابهم باردة أو أنهم بلا أعصاب في فرنسا. والحقيقة أنهم حساسون جدا. عصبيون. ولكن في مثل هذا الموقف هم واقعيون.. فلا أحد يستطيع أن يلوم أحدا. لأنهم أمام عاملة أو موظف يفعل ماهو ممكن.
قابلت مستشارنا الطبي د. هاني هندي عددا من كبار أطباء فرنسا. ولولا ان أسماءهم لا دلالة لها عند القراء لذكرتها. كل واحد أستاذ الأساتذة في علمه وفنه. ومرضاهم من القارات الخمس. والمرضي كثيرون. وحين نلتقي بالطبيب الأستاذ: فما هذا الهدوء في الصوت والصفاء في الوجه. والحركة الناعمة كأنهم بلا عمل أو بلا زبائن. وليس مستعجلا في قراءة أو فهم أي شيء يدور بيننا. وسوف أذكر أسم طبيب فرنسي مشهور عندنا ـ نحن المصريين ـ هو الأستاذ روشمور: صوته هامس ووجهه مضيء وبشرته حرير وحفاوته بك نادرة. والناس جالسون علي بابه كثيرون. ولكنه في حديثه إلينا كأننا ضيوفه الوحيدون في ذلك اليوم أو في هذا العام. شيء عجيب!
ونتساءل: لماذا نحن عصبيون ؟ لماذا نحن لا نصبر علي طابور أو في قائمة انتظار.. لماذا نتصور ان كل الناس أقل أهمية, وان حالنا أكثر خطورة وأننا نستحق إهتماما خاصا.. ولماذا يقابلنا الأطباء في فرنسا بهذا البرود الشديد ؟! السبب ان اسلوبهم في الحياة: في البيت وخارج البيت. في العيادة والمصنع والمستشفي منضبط. وكل شيء يمشي. وكل شيء له حل. وكل حل يرضي الجميع. فالغضب والقلق والملل لا معني له. ولايد أن تدخل في الخط وأن تنتظر وأن تتعلم الصبر. فلا أحد أحسن من أحد ولا أحد أحق بالرعاية! |
|
|
|
|
|