أعمدة

42301‏السنة 126-العدد2002سبتمبر30‏23 من رجب 1423 هـالأثنين

مواقف‏!‏
بقلم : أنيس منصور

باريس ـ
تقف في الطابور‏..‏ والطابور يمتد وراءك ولكنه لا يتحرك بسرعة‏.‏ ولا أحد يشكو أو يتململ أو يقول للبائعة‏:‏ من فضلك شدي حيلك لأنني مستعجل‏.‏ ولن تستمع إليه‏.‏ ولا ترد عليه‏.‏ ولا أحد يجرؤ علي أن يقول لها شيئا‏.‏ فهم يرون أنها تعمل‏.‏ وأنها تحل مشاكل الزبائن‏.‏ وأن ماتفعله هو أقصي ماتستطيع‏.‏ وتندهش كيف ان أحدا لا يتضايق أو أن أحدا لا يخرج عن الصف ليحدثها لعلها تخف يدها‏.‏ لا أحد يفعل ذلك مهما طال الطابور‏.‏ فقد اعتاد الناس علي ذلك الأسلوب في العمل وفي الانتظار‏.‏
قد تقول ان أعصابهم باردة أو أنهم بلا أعصاب في فرنسا‏.‏ والحقيقة أنهم حساسون جدا‏.‏ عصبيون‏.‏ ولكن في مثل هذا الموقف هم واقعيون‏..‏ فلا أحد يستطيع أن يلوم أحدا‏.‏ لأنهم أمام عاملة أو موظف يفعل ماهو ممكن‏.‏

قابلت مستشارنا الطبي د‏.‏ هاني هندي عددا من كبار أطباء فرنسا‏.‏ ولولا ان أسماءهم لا دلالة لها عند القراء لذكرتها‏.‏ كل واحد أستاذ الأساتذة في علمه وفنه‏.‏ ومرضاهم من القارات الخمس‏.‏ والمرضي كثيرون‏.‏
وحين نلتقي بالطبيب الأستاذ‏:‏ فما هذا الهدوء في الصوت والصفاء في الوجه‏.‏ والحركة الناعمة كأنهم بلا عمل أو بلا زبائن‏.‏ وليس مستعجلا في قراءة أو فهم أي شيء يدور بيننا‏.‏ وسوف أذكر أسم طبيب فرنسي مشهور عندنا ـ نحن المصريين ـ هو الأستاذ روشمور‏:‏ صوته هامس ووجهه مضيء وبشرته حرير وحفاوته بك نادرة‏.‏ والناس جالسون علي بابه كثيرون‏.‏ ولكنه في حديثه إلينا كأننا ضيوفه الوحيدون في ذلك اليوم أو في هذا العام‏.‏ شيء عجيب‏!‏

ونتساءل‏:‏ لماذا نحن عصبيون ؟ لماذا نحن لا نصبر علي طابور أو في قائمة انتظار‏..‏ لماذا نتصور ان كل الناس أقل أهمية‏,‏ وان حالنا أكثر خطورة وأننا نستحق إهتماما خاصا‏..‏ ولماذا يقابلنا الأطباء في فرنسا بهذا البرود الشديد ؟‏!‏
السبب ان اسلوبهم في الحياة‏:‏ في البيت وخارج البيت‏.‏ في العيادة والمصنع والمستشفي منضبط‏.‏ وكل شيء يمشي‏.‏ وكل شيء له حل‏.‏ وكل حل يرضي الجميع‏.‏ فالغضب والقلق والملل لا معني له‏.‏ ولايد أن تدخل في الخط وأن تنتظر وأن تتعلم الصبر‏.‏ فلا أحد أحسن من أحد ولا أحد أحق بالرعاية‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية