الكتاب

42245‏السنة 126-العدد2002اغسطس5‏26 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

فلسفة المركزية
و‏(..‏ضفاف الثقافة‏)‏
بقلم : د‏.‏مصطفي عبدالغني

ليس من شك ان المركزية ـ في مصر تمثل اهم شروط التغيير
والمركزية هنا هي‏(‏ المركزية الحضارية‏)‏ بتعبير د‏.‏جمال حمدان‏,‏ فهي القمة النهائية المجسدة للمركزية في مصر عموما‏,‏ وهي ان كانت تمثل العاصمة‏,‏ فهي تمثل ـ بالتبعية ـ أهم شروط التغيير علي المستوي الفكري والإداري والسياسي والاجتماعي‏.‏
خطر هذا كله بذهني وانا اتأمل هذا المنتدي الدولي الاول للكتاب الذي يعقد بالقلعة‏,‏ ويضم الكثير من الفعاليات التي تسهم كثيرا في تأكيد الدور الثقافي حين يقف وراءه جهد مخلص واع‏,‏ ففي هذا المنتدي الذي يقوم تحت إشراف سيدة مصر الأولي وادارة وتنفيذ د‏.‏سمير سرحان‏(‏ ضمن فعاليات مهرجان القراءة للجميع‏)‏ بالاشتراك مع هيئة الثقافة الجماهيرية وعشرات من دور النشر فضلا عن العديد من الفعاليات الاخري مثل الدورات اليومية والعروض المسرحية والاضافات الادبية والشهادات التي تشي بأن جهدا كبيرا يقوم ـ علي المستوي الثقافي ـ وان هذا الجهد الذي تنتظم فيه كل اشكال الوعي الفكري والتعليم والثقافة ما كان لينجح لولا جهد المركزية ودورها النبيل‏.‏

والحاصل ان المركزية الحضارية اليوم لابد ان توظف كل امكانات الدولة من اجل الوطن‏,‏ فهذه المركزية ـ حضارية ـ بحق ـ فهي توظف اجهزة الدولة ضمن الجمعيات غير الحكومية ثم الشريحة الفعالة الآن من رجال الأعمال وكل الجهود التي تسعي لتأكيد الدور الحضاري في عالم اليوم‏..‏ وهي كثيرة‏,‏ في الريف والمدينة‏,‏ في الشمال والجنوب‏..‏
وهو ما يعني ان أي جهد ـ في مصر بوجه خاص ـ يمكن أن يتطور ويتفاعل بالايجاب لابد أن تحركه هذه المركزية العارمة الطاغية بأمر التاريخ وبحكم الجغرافيا ثم بحكم الواقع الذي نتعرف عليه الآن اكثر خاصة بعد‏11‏ سبتمبر وهو ما سنقترب منه اكثر خلال تناول هذا المثال الذي يقام اليوم‏.‏

وقبل ان نتعرف علي هذا الجهد الكبير والفعاليات الايجابية الدائبة من المهم ان نشير إلي وعي السيدة سوزان التي تمثل ـ في هذا الجانب ـ أهم سمات المركزية الحضارية سواء في القلعة ـ حيث المنتدي ـ أو في المشروع الأم ـ مهرجان الأسرة ـ فضلا عن عديد من المشروعات التي تبذل جهدا هائلا في الداخل أو علي المستوي العالمي‏.‏

‏(2)‏
ان هذا الوعي بالمركزية لدي السيدة الأولي تجسده لنا كتابات كثيرة ربما كان آخرها أحدث كتاب صدر عن نفس المشروع‏(‏ القراءة للجميع‏)‏ وهو كتاب‏(‏ علي ضفاف الثقافة‏)‏ تأليف د‏.‏عمرو عبدالسميع‏,‏ فهي حوارات حول المستقبل تعبر عن‏(‏ الخطاب‏)‏ الذي توجهه السيدة سوزان إلي المحيط العربي الذي نعيش فيه‏.‏
ان قرينة الرئيس تعي هنا تأثير هذه المركزية التي لا تتمثل في القاهرة فقط‏,‏ وانما تمتد بامواجها العالية الي بقية انحاء الوادي‏,‏ بل والي المساحات البعيدة من العالم العربي والمساحات النائية من العالم البعيد‏.‏

وكما يظهر هذا الوعي في الفعاليات الحضارية كذلك يظهر في الحوارات التي تديرها من آن لآخر‏.‏
وأخر ما عبرت فيه قرينة الرئيس عن هذا الوعي بالدور‏,‏ هذا الحوار الذي نجده في أحدث ما صدر بعنوان‏(‏ علي ضفاف الثقافة‏)‏ د‏.‏عمرو عبدالسميع‏,‏ اذ ان اكثر ما يلاحظ هنا ان السيدة سوزان تتحدث دائما عن المشروع‏,‏ وهو مشروع يأتي دائما من المركزية الحضارية التي تتبناها الدولة‏,‏ فتقوم بتحويلها إلي واقع مباشرة‏,‏ وحين يسألها د‏.‏عمرو عن مدي إيمانها بالعمل الاجتماعي تضيف وتؤكد هذه المركزية التي تعني بتوظيف جميع اجهزة الدولة ومؤسساتها للعمل العام‏,‏ تقول‏(‏ ـ لا يوجد ـ اليوم ـ شئ اسمه سياسة بمفردها‏,‏ أو اقتصاد أو اجتماع بمفردهما‏.‏
اليوم توجد تنمية مجتمع‏,‏ وهي تشمل الصحة والتعليم والثقافة والبيئة‏).‏

ماذا يعني ذلك‏,‏ يعني ـ ان مقومات التنمية ـ بمعناها الشامل ـ مرتبط بالسياسة الداخلية والسياسة الخارجية‏,‏ ولو لم نكن استوفينا شروط هذه التنمية الشاملة‏,‏ ما كان احد في العالم قد ساعدنا‏.‏
وهذا يعني في الكثير من ان مفهوم التنمية لايفصل الوعي عن مستجدات الواقع المعاصر‏,‏ والمركزية الحضارية هنا تقوم علي الوعي بالمفردات الأولي التي تصل إلي التطور المعاصر‏.‏

ان بداية الوعي بالتعليم والايمان به يتطور إلي وعي عام بالتطور فيؤخر مراحله المعاصرة‏.‏
ابدايات تنم عن البدايات وتشير اليها دائما

ان البدايات هنا تبدأ من محو الأمية‏..‏ وهذا التعليم يمر ـ بعد محو الأمية ـ إلي محو الأمية الثقافية‏..‏ فاذا جاوزنا الأمية الثقافية نكون مهيئين تماما لاستيعاب لغة العصر وآلياته‏(‏ المعرفة التكنولوجية‏).‏
وهنا نلحظ الوعي لمفردات مفردات المركزية الحضارية التي يصل بنا إلي الكتاب الذي هو مفتاح المعرفة في عالم الشبكات الدولية والدرجات الرقمية‏,‏ فالتعليم لم يعد هو التعليم في المدرسة فقط‏,‏ لنقرأ هنا تطور الوعي المركزي‏,‏ تقول السيدة سوزان‏:(..‏ وبمرور السنين‏,‏ وظهور وسائل المعرفة الحديثة ذات الطابع التكنولوجي المتقدم‏,‏ سألني كثيرون هل مازلت مصممة علي الكتاب؟‏,‏ وكان ردي دائما‏:‏ أن الطفل الذي لايتعلم حب القراءة من مصدرها الأول التقليدي لن يستطيع أن يستعمل اسطوانة سي‏.‏دي‏,‏ أو يستفيد بثروة المعلومات التي مازالت هي الأساس‏,‏ والكتاب ـ في اعتقادي ـ هو المصدر‏,‏ وسيظل هو الأساس للمعلومات وخصوصا للسن الصغيرة‏)‏ ومن يتابع هذه الجهود المركزية من سنوات يلاحظ هذا الاهتمام الحضاري بالمفردات الأولي للعيش في عالم اليوم‏,‏ لقد عاشت مصر فترة ـ كما تلاحظ ـ كاد الكتاب يختفي فيها‏,‏ وسمعنا آراء كثيرة تتكلم عن تخفيض ثمن الكتاب لضمان وصوله إلي الناس‏.‏

وهو ما يشير إلي بداية الجهد الذي قامت به لتوصيل الكتاب ـ بعد أعباء التكاليف ـ الي المستفيد الوحيد ـ وهو القارئ‏,‏ وهو ما يمكن ان نفسر من خلاله عديدا من الفعاليات التي نجدها من آن لاخر إبان مهرجان القراءة للجميع‏,‏ ففضلا عن الجهد الكبير لتوفير الكتاب ـ عبورا فوق الدعم والإسهام في رسوم التصدير والجمارك‏....‏الخ ـ فإن الفكرة التي طرحتها للخروج من ازمة الكتاب‏,‏ الفكرة الوحيدة ـ علي حد قول قرينة الرئيس ـ هي ان نساند وصول الكتاب الي الناس عن طريق المكتبات‏,‏ سواء كانت الكتب المحمولة‏,‏ أو الكتب المتنقلة‏,‏ أو المكتبات العامة‏.‏
وهو ما يمكن ان نفسر به‏(‏ استراتيجية‏)‏ السيدة الأولي في اهتماماتها المتشعبة التي تصدر عن مركزية واحدة ـ كما تردد في هذا الحوار ـ‏:‏ القراءة‏,‏ الأمية‏,‏ الطفل‏,‏ الكتاب‏,‏ المعرفة‏,‏ مكتبة الطفل‏,‏ التكنولوجيا المعاصرة‏,‏ المرأة ثم قبل ذلك وبعده اقتحام مجال العمل العام والعمل السياسي في مستوياته المختلفة علي ان يكون الانطلاق من قاعدة المعرفة كما أشرنا‏.‏

وفي هذا الاطار نستطيع العود ثانية لفعاليات المنتدي لنجد في يوم واحد فعاليات متباينة لاتكتفي بالكتاب حده وانما تضيف إليه الكثير من الفعاليات الثقافية الاخري‏..‏ فالي جانب سوق الكتاب الضخم التي يشارك فيه هذا الكم الكبير من دور النشر والمؤسسات الثقافية‏,‏ فإننا لانعدم اشكالا اخري للثقافة والوعي بها‏,‏ وفي برنامج يوم واحد نستطيع ان نري الآتي‏:‏
‏-‏ امسية شعرية‏,‏ وعرض فني من هيئة قصور الثقافة‏,‏ ولقاء مع مفكر كبير من مصر أو خارجها‏,‏ ثم مسرحية عالمية يقوم بها رموز مصرية أو عربية أو اقليمية‏,‏ ثم نلتقي مع ما يجري في المقهي الثقافي‏,‏ ولا نلبث ان نلتقي مع شهادة أو تجربة لمثقف كبير آخر‏,‏ حلقات نقاشية متباينة‏.‏

فضلا عن لقاءات متباينة بين قراءة مخطوط وعرض لشتي الفنون من شتي انحاء العالم‏.‏ مضافا اليها عروض لفرق الفنون الشعبية وعروض حية للفرق البيئية تتضمن الطرق علي النحاس والنحت والغزل علي النول واسكتشات مسرحية كل هذا في مناخ عربي أسر في قاع القلعة‏(‏ قلعة صلاح الدين‏)‏ وما حولها بما يبعث به التاريخ من مبان اثرية وخطوط عربية وأثار مذهلة وتاريخ قائم وجغرافيا تلفت النظر‏.‏
والذي يدقق في الزائرين من الضيوف والزوار الذي يتضاعف عددهم أكثر‏,‏ لا يلاحظ غلبة المثقفين‏,‏ وانما ثمة غلبة للطبقات الشعبية واصحاب الطبقات الوسطي‏,‏ أو بشكل ادق غالبية الشعب المصري صاحب المصلحة الحقيقية في التغيير والإفادة مما يقدم لنا‏.‏

الذين يذهبون إلي‏(‏ المحكي‏)‏ ـ هكذا اطلق عليه ـ ليأخذوا نصيبهم مما يقدم‏,‏ فيمزج بين الثقافي والشعب والفكري والترفيهي‏,‏ وقد لاحظت ـ علي المستوي الشخصي ـ عددا هائلا من الاولاد الصغار مع ذويهم يتجولون اما بين انصاب الكتب أو بين المسارح المقامة بين المناطق التاريخية ـ وكأنها معدة تماما لها‏.‏
إنه التغيير الواعي الذي تحدث المركزية الحضارية بين ابناء الشعب‏.‏

اننا امام هذه الظاهرة التي تكاد تنفرد بها مصر دون الاقطار الاخري‏,‏ خاصة حين تكون هذه المركزية واعية‏,‏ فتسعي إلي توزيع المعرفة من العاصمة إلي اتجاه الوادي في شبكة متكافئة حضارية وبشريا واقتصاديا حتي نتحاشي خطر التخمة وانفجار الشرايين في الرأس‏/‏ العاصمة‏.‏
وهذه هي فلسفة المركزية الحضارية‏..‏ وهو ما نجده في وعي السيدة سوزان علي‏(‏ ضفاف الثقافة‏)‏ أو خارجه الآن‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية