|
|
ليس من شك ان المركزية ـ في مصر تمثل اهم شروط التغيير والمركزية هنا هي( المركزية الحضارية) بتعبير د.جمال حمدان, فهي القمة النهائية المجسدة للمركزية في مصر عموما, وهي ان كانت تمثل العاصمة, فهي تمثل ـ بالتبعية ـ أهم شروط التغيير علي المستوي الفكري والإداري والسياسي والاجتماعي. خطر هذا كله بذهني وانا اتأمل هذا المنتدي الدولي الاول للكتاب الذي يعقد بالقلعة, ويضم الكثير من الفعاليات التي تسهم كثيرا في تأكيد الدور الثقافي حين يقف وراءه جهد مخلص واع, ففي هذا المنتدي الذي يقوم تحت إشراف سيدة مصر الأولي وادارة وتنفيذ د.سمير سرحان( ضمن فعاليات مهرجان القراءة للجميع) بالاشتراك مع هيئة الثقافة الجماهيرية وعشرات من دور النشر فضلا عن العديد من الفعاليات الاخري مثل الدورات اليومية والعروض المسرحية والاضافات الادبية والشهادات التي تشي بأن جهدا كبيرا يقوم ـ علي المستوي الثقافي ـ وان هذا الجهد الذي تنتظم فيه كل اشكال الوعي الفكري والتعليم والثقافة ما كان لينجح لولا جهد المركزية ودورها النبيل.
والحاصل ان المركزية الحضارية اليوم لابد ان توظف كل امكانات الدولة من اجل الوطن, فهذه المركزية ـ حضارية ـ بحق ـ فهي توظف اجهزة الدولة ضمن الجمعيات غير الحكومية ثم الشريحة الفعالة الآن من رجال الأعمال وكل الجهود التي تسعي لتأكيد الدور الحضاري في عالم اليوم.. وهي كثيرة, في الريف والمدينة, في الشمال والجنوب.. وهو ما يعني ان أي جهد ـ في مصر بوجه خاص ـ يمكن أن يتطور ويتفاعل بالايجاب لابد أن تحركه هذه المركزية العارمة الطاغية بأمر التاريخ وبحكم الجغرافيا ثم بحكم الواقع الذي نتعرف عليه الآن اكثر خاصة بعد11 سبتمبر وهو ما سنقترب منه اكثر خلال تناول هذا المثال الذي يقام اليوم.
وقبل ان نتعرف علي هذا الجهد الكبير والفعاليات الايجابية الدائبة من المهم ان نشير إلي وعي السيدة سوزان التي تمثل ـ في هذا الجانب ـ أهم سمات المركزية الحضارية سواء في القلعة ـ حيث المنتدي ـ أو في المشروع الأم ـ مهرجان الأسرة ـ فضلا عن عديد من المشروعات التي تبذل جهدا هائلا في الداخل أو علي المستوي العالمي.
(2) ان هذا الوعي بالمركزية لدي السيدة الأولي تجسده لنا كتابات كثيرة ربما كان آخرها أحدث كتاب صدر عن نفس المشروع( القراءة للجميع) وهو كتاب( علي ضفاف الثقافة) تأليف د.عمرو عبدالسميع, فهي حوارات حول المستقبل تعبر عن( الخطاب) الذي توجهه السيدة سوزان إلي المحيط العربي الذي نعيش فيه. ان قرينة الرئيس تعي هنا تأثير هذه المركزية التي لا تتمثل في القاهرة فقط, وانما تمتد بامواجها العالية الي بقية انحاء الوادي, بل والي المساحات البعيدة من العالم العربي والمساحات النائية من العالم البعيد.
وكما يظهر هذا الوعي في الفعاليات الحضارية كذلك يظهر في الحوارات التي تديرها من آن لآخر. وأخر ما عبرت فيه قرينة الرئيس عن هذا الوعي بالدور, هذا الحوار الذي نجده في أحدث ما صدر بعنوان( علي ضفاف الثقافة) د.عمرو عبدالسميع, اذ ان اكثر ما يلاحظ هنا ان السيدة سوزان تتحدث دائما عن المشروع, وهو مشروع يأتي دائما من المركزية الحضارية التي تتبناها الدولة, فتقوم بتحويلها إلي واقع مباشرة, وحين يسألها د.عمرو عن مدي إيمانها بالعمل الاجتماعي تضيف وتؤكد هذه المركزية التي تعني بتوظيف جميع اجهزة الدولة ومؤسساتها للعمل العام, تقول( ـ لا يوجد ـ اليوم ـ شئ اسمه سياسة بمفردها, أو اقتصاد أو اجتماع بمفردهما. اليوم توجد تنمية مجتمع, وهي تشمل الصحة والتعليم والثقافة والبيئة).
ماذا يعني ذلك, يعني ـ ان مقومات التنمية ـ بمعناها الشامل ـ مرتبط بالسياسة الداخلية والسياسة الخارجية, ولو لم نكن استوفينا شروط هذه التنمية الشاملة, ما كان احد في العالم قد ساعدنا. وهذا يعني في الكثير من ان مفهوم التنمية لايفصل الوعي عن مستجدات الواقع المعاصر, والمركزية الحضارية هنا تقوم علي الوعي بالمفردات الأولي التي تصل إلي التطور المعاصر.
ان بداية الوعي بالتعليم والايمان به يتطور إلي وعي عام بالتطور فيؤخر مراحله المعاصرة. ابدايات تنم عن البدايات وتشير اليها دائما
ان البدايات هنا تبدأ من محو الأمية.. وهذا التعليم يمر ـ بعد محو الأمية ـ إلي محو الأمية الثقافية.. فاذا جاوزنا الأمية الثقافية نكون مهيئين تماما لاستيعاب لغة العصر وآلياته( المعرفة التكنولوجية). وهنا نلحظ الوعي لمفردات مفردات المركزية الحضارية التي يصل بنا إلي الكتاب الذي هو مفتاح المعرفة في عالم الشبكات الدولية والدرجات الرقمية, فالتعليم لم يعد هو التعليم في المدرسة فقط, لنقرأ هنا تطور الوعي المركزي, تقول السيدة سوزان:(.. وبمرور السنين, وظهور وسائل المعرفة الحديثة ذات الطابع التكنولوجي المتقدم, سألني كثيرون هل مازلت مصممة علي الكتاب؟, وكان ردي دائما: أن الطفل الذي لايتعلم حب القراءة من مصدرها الأول التقليدي لن يستطيع أن يستعمل اسطوانة سي.دي, أو يستفيد بثروة المعلومات التي مازالت هي الأساس, والكتاب ـ في اعتقادي ـ هو المصدر, وسيظل هو الأساس للمعلومات وخصوصا للسن الصغيرة) ومن يتابع هذه الجهود المركزية من سنوات يلاحظ هذا الاهتمام الحضاري بالمفردات الأولي للعيش في عالم اليوم, لقد عاشت مصر فترة ـ كما تلاحظ ـ كاد الكتاب يختفي فيها, وسمعنا آراء كثيرة تتكلم عن تخفيض ثمن الكتاب لضمان وصوله إلي الناس.
وهو ما يشير إلي بداية الجهد الذي قامت به لتوصيل الكتاب ـ بعد أعباء التكاليف ـ الي المستفيد الوحيد ـ وهو القارئ, وهو ما يمكن ان نفسر من خلاله عديدا من الفعاليات التي نجدها من آن لاخر إبان مهرجان القراءة للجميع, ففضلا عن الجهد الكبير لتوفير الكتاب ـ عبورا فوق الدعم والإسهام في رسوم التصدير والجمارك....الخ ـ فإن الفكرة التي طرحتها للخروج من ازمة الكتاب, الفكرة الوحيدة ـ علي حد قول قرينة الرئيس ـ هي ان نساند وصول الكتاب الي الناس عن طريق المكتبات, سواء كانت الكتب المحمولة, أو الكتب المتنقلة, أو المكتبات العامة. وهو ما يمكن ان نفسر به( استراتيجية) السيدة الأولي في اهتماماتها المتشعبة التي تصدر عن مركزية واحدة ـ كما تردد في هذا الحوار ـ: القراءة, الأمية, الطفل, الكتاب, المعرفة, مكتبة الطفل, التكنولوجيا المعاصرة, المرأة ثم قبل ذلك وبعده اقتحام مجال العمل العام والعمل السياسي في مستوياته المختلفة علي ان يكون الانطلاق من قاعدة المعرفة كما أشرنا.
وفي هذا الاطار نستطيع العود ثانية لفعاليات المنتدي لنجد في يوم واحد فعاليات متباينة لاتكتفي بالكتاب حده وانما تضيف إليه الكثير من الفعاليات الثقافية الاخري.. فالي جانب سوق الكتاب الضخم التي يشارك فيه هذا الكم الكبير من دور النشر والمؤسسات الثقافية, فإننا لانعدم اشكالا اخري للثقافة والوعي بها, وفي برنامج يوم واحد نستطيع ان نري الآتي: - امسية شعرية, وعرض فني من هيئة قصور الثقافة, ولقاء مع مفكر كبير من مصر أو خارجها, ثم مسرحية عالمية يقوم بها رموز مصرية أو عربية أو اقليمية, ثم نلتقي مع ما يجري في المقهي الثقافي, ولا نلبث ان نلتقي مع شهادة أو تجربة لمثقف كبير آخر, حلقات نقاشية متباينة.
فضلا عن لقاءات متباينة بين قراءة مخطوط وعرض لشتي الفنون من شتي انحاء العالم. مضافا اليها عروض لفرق الفنون الشعبية وعروض حية للفرق البيئية تتضمن الطرق علي النحاس والنحت والغزل علي النول واسكتشات مسرحية كل هذا في مناخ عربي أسر في قاع القلعة( قلعة صلاح الدين) وما حولها بما يبعث به التاريخ من مبان اثرية وخطوط عربية وأثار مذهلة وتاريخ قائم وجغرافيا تلفت النظر. والذي يدقق في الزائرين من الضيوف والزوار الذي يتضاعف عددهم أكثر, لا يلاحظ غلبة المثقفين, وانما ثمة غلبة للطبقات الشعبية واصحاب الطبقات الوسطي, أو بشكل ادق غالبية الشعب المصري صاحب المصلحة الحقيقية في التغيير والإفادة مما يقدم لنا.
الذين يذهبون إلي( المحكي) ـ هكذا اطلق عليه ـ ليأخذوا نصيبهم مما يقدم, فيمزج بين الثقافي والشعب والفكري والترفيهي, وقد لاحظت ـ علي المستوي الشخصي ـ عددا هائلا من الاولاد الصغار مع ذويهم يتجولون اما بين انصاب الكتب أو بين المسارح المقامة بين المناطق التاريخية ـ وكأنها معدة تماما لها. إنه التغيير الواعي الذي تحدث المركزية الحضارية بين ابناء الشعب.
اننا امام هذه الظاهرة التي تكاد تنفرد بها مصر دون الاقطار الاخري, خاصة حين تكون هذه المركزية واعية, فتسعي إلي توزيع المعرفة من العاصمة إلي اتجاه الوادي في شبكة متكافئة حضارية وبشريا واقتصاديا حتي نتحاشي خطر التخمة وانفجار الشرايين في الرأس/ العاصمة. وهذه هي فلسفة المركزية الحضارية.. وهو ما نجده في وعي السيدة سوزان علي( ضفاف الثقافة) أو خارجه الآن. |
|
|
|
|
|