|
|
 |
اقتحم قاعة طعام الملك فارس عملاق أخضر يمتطي حصانا عظيما أخضر, وصاح قائلا: انا أتحدي أي واحد هنا أن يأخذ فأس المعركة العظيمة التي أحملها, ويقطع رأسي, وبعد سنة من هذا اليوم يقابلني عند الكنيسة الخضراء, حيث سأحز رأسه. وأمام هذا التحدي المفاجيء لجميع الفرسان, كان جاوين هو الفارس الوحيد في القاعة من بين الحاضرين, الذي نهض معلنا قبول التحدي. عندئذ ترجل الفارس الأخضر عن حصانه, وناول جاوين الفأس, في قوة إصرار, ثم مد عنقه أمامه فما كان من جاوين إلا أن هوي بضربة واحدة حزت ـ علي الفور ـ رأس العملاق الأخضر, فإذ بالفارس المقطوع الرأس ينهض ويلتقط رأسه, ويحمل فأسه, ثم يمتطي حصانه, ويلتفت قبل أن ينطلق, مخاطبا, جاوين قائلا: سوف أراك بعد سنة عند الكنيسة الخضراء. ولعل الدهشة التي خلخلت واقع جلسة الحاضرين في قاعة طعام الملك, قد دفعت جاوين, ومن معه, الي رؤية الممكن المنتظر في الموعد الذي حدده الفارس العملاق الأخضر, من أنه ـ حتما ـ سوف يحز رأس جاوين انطلاقا من أن جاوين ـ بوصفه فارسا ـ لابد أن يفي بوعده, بأن يسعي الي الكنيسة الخضراء في موعده, وسوف يتحمل نتيجة فعله, ويتقبل موته
مر العام, وقبل موعد اللقاء المنتظر بأسبوع, ركب جاوين حصانه بحثا عن الكنيسة الخضراء. وبعد مرور أربعة أيام من بدء رحلته, سأل وهو في طريقه صيادا يجلس قبالة كوخه عن مبتغاه الذي لابد أن يصل اليه في مدة أقصاها ثلاثة أيام, ليقابل الفارس الأخضر في موعده الذي حدده قبل عام, فأجابه الصياد الودود بأن الكنيسة الخضراء تقع علي بعد بضع ياردات من نهاية الطريق, وعرض عليه أن يبقي ضيفا عليه خلال الأيام الثلاثة المتبقية حتي يحين موعده مع الفارس الأخضر الذي سيجده علي مقربة. تقبل جاوين دعوة الصياد وفي المساء ـ وهما يتسامران ـ اقترح الصياد أن يتفقا علي شرط مسل ينفذانه خلال فترة استضافته, وشرح الشرط المقترح والمحمول علي النفاذ قائلا: غدا صباحا سأخرج الي الصيد, وسوف أعود في المساء حيث نتبادل ما غنمناه في اليوم كله, أنا أعطيك كل ما أحصل عليه في رحلة صيدي, وأنت تعطيني كل ما يصل الي يدك, فتضاحكا وتصافحا اتفاقا, وخلدا الي النوم. انطلق الصياد في الصباح الباكر, وترك جاوين نائما, فما انفكت أن أيقظته مداعبات امرأة جميلة فاتنة, فإذ بها زوجة الصياد التي راحت بكل تراث الاغواء الأنثوي تدعوه الي فراشها, لكن لأن جاوين فارس من فرسان بلاط الملك الذين تقود سلوكهم مرجعيات حاكمة لا تنحل ولا تتضع فلا تسمح له بأن يخون مضيفه, لذا فقد تصدي مقاوما اغواءها بذات مضاءة دائما بمنظومة قيمها التي تحقن سلوكه بالائتمار التزاما بمرجعياتها, فصرع جاوين هجمة التدني ليدرأ عنه الخذلان أمام ذاته, مع أنه علي يقين من أن امتداد حياته معلق بما تبقي من الأيام الثلاثة دون غيرها. ولما أدركت الزوجة فشل محاولاتها في الفوز به, قالت له حسنا, اذن دعني أقبلك وبالفعل قبلته, وانصرفت عنه خاسرة جولتها الأولي معه. وفي المساء عاد الصياد ومعه غنائمه الكثيرة, وفور أن ألقي بها علي الأرض سارع جاوين فأعطاه قبلة, وهي ما أعطته الزوجة له, وذلك تنفيذا لاتفاقهما المسبق, فضحك الاثنان وانتهي الأمر هكذا. وفي الصباح التالي, وبعد تجربة الفشل عادت الزوجة تفتح دوائر المراودة لاقتناص جاوين بأن تضخ في شرايينه جموع الرغبة بالاغراء الملتهب بكل ألوان التأثيرات اللافحة, ل تستولد ما يستتبعها من تداعيات تقود ـ حتما ـ الي المأمول منها, لكنها ايضا لم تنل منه سوي أن قبلته مرتين, وانصرفت مخذولة في مرادها خاسرة جولتها الثانية, وعاد الصياد مساء ومعه غنائمه التي نقصت بقدر النصف عن غنائم الأمس, فاقترب منه جاوين وقبله مرتين فضحكا وخلدا الي النوم. وفي اليوم الثالث عادوت الزوجة محاولتها, وقد عززت جمالها بشحنات متعاظمة من الفتنة, أكثر ضغطا وتأثيرا في محور استهواء جاوين لكسر السياج الذي يفرضه بالامتناع عنها, فإذا بالفارس مازال في سلوكه تجاهها علي ما هو خليق به, مهما يكن تكرار المحاولات. ادركت الزوجة ـ عندئذ ـ عجزها عن الايقاع به, فراحت تقبله ثلاث مرات, ثم رجته أن يتقبل منها حزامها كتذكار, تعبيرا عن حبها, لكنها عندما قدمته اليه قالت له: إنه تعويذة, ولسوف تحميك من الخطر, تقبل جاوين تلك التعويذة بسرور, اذ ربما تقيه من ذلك الخطر المقبل حين يحين لقاؤه بالفارس الأخضر العملاق الذي ينتظره ليحز رأسه, لذا نراه عند عودة الصياد في المساء خالي الوفاض سوي من ثعلب هزيل وكريه الرائحة, علي الفور أسرع جاوين يقبله ثلاث مرات, لكنه أبدا لم يعطه التعويذة فلقد احتفظ بها لنفسه عسي أن تستطيع تلك التعويذة أن تمتلك إمكانات تتيح تغيير علاقات الواقع, وتبدل المحتوم, فتبعد عنه الأخطار.
رحل جاوين عن ضيافة الصياد متجها الي الكنيسة الخضراء, ولحظة دخوله إياها سمع الفارس الأخضر العملاق يشحذ الفأس الكبيرة, فتضوع الجو حوله برائحة الخطر المحتوم, وفجرت المواجهة بينهما استدعاء اجراءات التنفيذ للفعل المرصود, بل بداهة وفورية تسليم جاوين لرأسه وفقا للاتفاق الذي تم منذ عام, وعاجله الفارس العملاق بأن قال: مد عنقك هنا علي هذا اللوح الحجري, ففعل جاوين والفارس الأخضر يوالي المطالبة بمد العنق أكثر, وجاوين يمتثل وينجز المطلوب, ثم فجأة تهوي الفأس بكل طاقة الفارس العملاق, لكنها لا تفعل شيئا, فرأس جاوين مازال في مكانه لم يحز, وان مسه خدش بسيط, واستكمل الموقف أطياف الغرابة, وتشابك المفاجآت التي تخالف كل المقتضيات, فإذ بالتميز يتخالط, ويكشف عن تحول صورة الفارس الأخضر العملاق, ليصبح ـ هو ذاته ـ صورة الصياد, فيعلن أن التفسير لما حدث مصدره تأثير تلك التعويذة التي حالت دون حز رأس جاوين فمنعت عنه الخطر والفعل المحتوم. هذه حكاية إنجليزية قديمة عن واحد من فرسان الملك آرثر ـ وهو السير جاوين ومغامرته مع الفارس الأخضر والدرس الأكبر فيها, وفق منطق ذهنية زمن الحكاية القديم, أنه مهما كانت آليات الواقع المحبوكة, والتي تنتج أحداثا محمولة علي الوقوع, اتكاء علي منطق الحتمية والضرورة أو الاتفاق. فإن هناك دائما تلك التعويذة المسحورة التي يمكن أن تتصدي للواقع بعوامل خفية, فتقصي حتميته وتعطل مسيرته وتحقق الانقاذ والانفلات من الأخطار المرسومة بقدرتها علي احداث التحولات المفاجئة التي تبدل الأحوال في الواقع الماثل, مهما كانت الاستحكمات لكن لا شك أنه بحكم المسافات الذهنية التي انصرمت بيننا وبين زمن العقلية المنتجة لهذه الحكاية العتيقة, قد تبدلت في حياتنا المعاصرة, وتغيرت معايير الإحالة الي طرائق تمتلك إمكانات اقصاء المحتوم والمتوقع, فلم تعد التعويذة المسحورة مصدرا مثمرا وفعالا في انتهاك الواقع وتغيير علاقاته, اذ أصبح عصرنا الحديث ـ ولاسيما في مجال السياسة ـ يمتلك ما يشبه التعويذة أو التميمة غير المسحورة والتي أهم ما يميزها تنوع وظائفها ـ مثل التعاويذ القديمة ـ كاتقاء المخاطر الجسيمة الراهنة أو المحتملة, أو احداث الخسائر بالدفع الي العدوان والصدمات العنيفة أو ابتعاث معاكسات واستجلاب اضطرابات تقوض أوضاعا, وغير ذلك من الوظائف التي ترتبط بالحصول علي نتائج منتظرة بالسلب أو الايجاب لمن يتولون مهمة صياغة وصناعة هذه التعويذة أو تلك التميمة والملاحظ أن الصانع لهذه التعاويذ والتمائم الحديثة ليس فردا كالساحر القديم وإنما مؤسسات بحثية ومراكز استطلاع علمية, مهمتها الاشتغال علي المحتوم والممكن والممتنع في معطيات الواقع, استهدافا أن يصير الواقع علي غير ما هو عليه أو ما سوف يكونه, وذلك بالارتكاز علي ضرورة تشخيصه, وتفكيك علاقاته, والعمل علي استباقه واعادة تركيبه, من دون الاعتماد علي قوي غيبية مسحورة, لكن اعتمادا علي سيناريو لصنع حقائق علي أرض الواقع تعيد تشكيله.
إن التعاويذ والتمائم التي تصوغها مؤسسات البحث ومراكز الاستطلاع, تقدم الي مصادر صنع القرار السياسي لذا فإن المؤرخ الاسباني الشهير خوليو كاروباروجا صاحب كتاب الساحرات وعالمهن يري ثمة علاقة بين السحر والسياسة, ويؤكد ـ تحديدا ـ أن هناك توازيا بين السياسي العصري والساحر القدي, من حيث مسئوليتها هما يحدث من شرور, إذ بعض السياسيين ـ كما لسحار ـ خداعون ودجالون, وتنحصر رسالتهم في نشر الشر في المجتمعات, وبالطبع لم يمنع رأي المؤرخ الإسباني الشهير من استمرار صناعة التعاويز السياسية وتقديمها إلي مراكز صنع القرار السياسي. فقد أصدرت مؤسسة معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط تعويذة في شكل تقرير رئاسي تم اعداده عام2001, بواسطة مجموعة من الشخصيات البارزة التي تنتمي الي الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري, بلغ عددهم واحدا وخمسين شخصية فاعلة ومؤثرة ويحمل التقرير عنوان الإبحار في عالم مضطرب: أمريكا والشرق الأوسط في قرن جديد وقد قدم التقرير الي الرئيس الأمريكي بوش مشخصا الواقع الراهن عندما تولي جورج ووكر بوش منصبه كرئيس للولايات المتحدة, في لحظة مشحونة بالخطر في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي لاتزال فيه معظم دول المنطقة تسعي الي إقامة روابط سياسية وعسكرية مع الولايات المتحدة, تمر العلاقات العربية الإسرائيلية بأزمة ويبرز الراديكاليون الإقليميون, ويسود العالم العربي مزاج عام منتقد للسياسة الأمريكية, وبشكل عام فإن الوضع الاستراتيجي الأمريكي في المنطقة يواجه من التحديات أكثر مما يواجه من الفرص لذلك فإن التعويذة السياسية تقدم للرئيس الأمريكي الجديد مجموعة من الأفكار والتوصيات المتعلقة بمواجهة الظروف المقلقة, وتحثه علي اتباع مجموعة من السياسات علي الساحتين العربية والإسرائيلية فالشاغل الرئيسي للتقرير يرتكز ـ كما هي الحال لأية تعويذة علي لي ذراع الواقع, ودحض آلياته علي النحو الذي يجعل الممتنع ممكنا وذلك بالسعي الي تفكيك العقبة الكأداء. اذ في ظل استمرار وجود السلطة الفلسطينية الحالية لن يستقيم استصفاء المقاصد ولابد ـ إذن ـ من تفكيكها بمنهج الحفر تحت معمارها لتحطيم جدار الأساس, وطرح التسويغات لاسقاطها من الحسبان, وذلك بالمجاهرة بضرورة إعادة التأسيس, وتعزيز مشروع تغييرها بممارسة مركزية الاقصاء والاستبعاد, المبطنة بنيات إيجاد مناخ أو بيئة غير مضادة تسمح للمقاصد المرغوبة أن تكون, فيشير التقرير الي تنوع مسوغات الدحض للعقبة الكأداء بأن غياب سلطة فلسطينية منفتحة ومسئولة, تتمتع بالشفافية, وتخضع للمساءلة الشعبية, يؤكد ضعفها الأمر الذي لا يشكل مشكلة علي صعيد تطور الدولة الفلسطينية الوليدة فحسب, بل علي صعيد تطوير العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية أيضا فالسلطة الفلسطينية تتميز بالفساد والتسلط, وعدم احترام القانون, مما ترك آثارا سلبية في مجالين مهمين علي الأقل, هما:
أولا: تقويض ثقة الفلسطينيين بزعمائهم, مما ينجم عنه إضعاف قدرة أولئك الزعماء علي التوصل الي حلول دبلوماسية عن طريق الاقناع. ثانيا: حرمان الفلسطينيين من الوسائل السلمية والنظامية اللازمة لمعالجة المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية سواء تلك القائمة داخل السلطة الفلسطينية, أو بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وبعد أن استلت التعويذة عافية السلطة الفلسطينية الحالية, بنخر وهدم وتدمير مشروعيتها, وراحت تكشف عما تخفيه بأن السلطة الفلسطينية في مرحلة ما بعد ياسر عرفات أو الكيان الذي سيخلفها, يمكن أن تصبح قائدة الديمقراطية في العالم العربي, والولايات المتحدة بتركيزها علي أسلوب الحكم الجيد, والشفافية, ومساءلة الحكام والمسئولين, تستطيع أن تساعد في تطوير شريك إقليمي يكون مواليا للغرب, وتعدديا, وديمقراطيا. إن واشنطن في وضع يمكنها من القول للفلسطينيين إن الديمقراطية والأمن يمكن أن يطورا في وقت واحد, وأن عزل كل منهما عن الآخر يطرح اختيارا زائفا, لذلك ينبغي للولايات المتحدة أن تؤكد بشكل خاص علي الأجندة الديمقراطية داخل السلطة الفلسطينية وأن العلاقات الأمريكية الفلسطينية يجب أن تدفع ثمن التهاون الذي تبديه السلطة الفلسطينية بشأن التزامها بمكافحة الإرهاب, وفي هذا المجال ينبغي للولايات المتحدة أن تتبع سياسة لا تسامح فيها. ثم تطرح التعويذة السياسية طرق الحصار السافرة العارية التي تتوافر بالإعلان عن خصوصية الشراكة الأمريكية الإسرائيلية المطلقة فتطلب التعويذة الي الرئيس الأمريكي ضرورة تأكيد التحالف غير المكتوب مع إسرائيل, بأن يتخذ الخطوات الكفيلة بعدم إفساح المجال أمام الشرق أوسطيين للشك بمدي قوة الشراكة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية, ببناء تفوق إسرائيل في مجالات التقنية المتطورة الضرورية لتطوير الجيوش الحديثة, يوازي ذلك أن يوضح لجيران إسرائيل معارضة أمريكا للجهود الرامية الي تحقيق الندية الاستراتيجية فيما بينهم وبين إسرائيل, والتأكيد علي التخصيصات الاستثنائية للمعونة العسكرية التي تقوي الردع الإسرائيلي ثم تتخطي التعويذة السياسية, وفق وصفتها الإجرائية, وتصفيفها للواقع المدعوم بسلطة القوة كل العقبات لتحقق انجازا يتجلي في تحقيق حلم إسرائيل اذ تطلب المضي قدما في نقل سفارة الولايات المتحدة الي الموقع المقرر لها في القدس, فقضية الوضع السياسي للقدس كعاصمة لإسرائيل لم تعد موضوع خلاف.
فهل يملك العالم العربي كفرض عين علي الجميع إمكانية صياغة تعويذة سياسية مؤثرة تبطل وتواجه تعويذة معهد واشنطن التي تحمي إسرائيل رغم عدوانها؟! |
|
|
|
|
|