الكتاب

42245‏السنة 126-العدد2002اغسطس5‏26 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

العداء للسامية
والتهمة المغلوطة‏!‏
بقلم‏:‏ محمد سلماوي

قال لي السيد عمرو موسي أمين عام جامعة الدول العربية‏,‏ إن الاتهام بالعداء للسامية قد تخطي كل الحدود‏,‏ وأصبح يتم استغلاله من قبل المنظمات اليهودية كسلاح للابتزاز السياسي‏,‏ وهو أمر غير مقبول ولا ينبغي السكوت عليه‏.‏ وقد اقترح الأمين العام أن يتم نقل الموضوع برمته إلي الأمم المتحدة حتي يقوم المجتمع الدولي بوضع تعريف محدد لهذه التهمة‏,‏ وتحديد الجهة المنوط بها توجيه مثل هذا الاتهام‏,‏ وحتي لا نترك لإسرائيل وحدها هي والمنظمات اليهودية الموالية لها في الغرب‏,‏ اتهام من تشاء بالعداء للسامية وفق ما تراه من أهواء ومصالح سياسية‏..‏ علي أن أهم ما قاله أمين عام جامعة الدول العربية في هذا الصدد هو استعداده من موقعه الوظيفي بالجامعة‏,‏ لتولي هذا الموضوع باسم العرب جميعا‏,‏ من أجل أن توضع الأمور في نصابها الصحيح‏.‏
والحقيقة أن تهمة العداء للسامية هذه تهمة غريبة حقا‏..‏ فلماذا يتم استثناء الجنس السامي وحده ـ ونحن منه ـ لكي يجرم العداء له‏,‏ فتسن القوانين التي تعاقب من تثبت عليه هذه التهمة بعقوبات تتراوح ما بين الغرامة والسجن‏,‏ بينما هذا العداء لا يخرج عن كونه أحد أشكال العنصرية التي وجب تجريمها بشكل عام سواء كانت ضد العرق السامي أو الحامي أو أي عرق آخر‏.‏

إنه الإحساس بالذنب الذي نجحت الدوائر اليهودية في أن تغرسه في الضمير الغربي بسبب الاضطهاد الذي تعرض له اليهود علي أيدي الحكم النازي وعملية الإبادة الجماعية التي خضعوا لها‏.‏ والحقيقة أن جريمة النازي علي بشاعتها‏,‏ لا تبرر حملة الابتزاز التي مارستها الصهيونية ضد الدول الغربية من أجل أهداف سياسية بحتة‏,‏ والتي مازالت تمارسها حتي الآن‏,‏ ذلك أن من هزم النازي وقضي علي حكمه كان هو نفسه ذلك المجتمع الغربي الذي تحاول الصهيونية ابتزازه عن طريق إشعاره بالذنب‏,‏ ومع ذلك فقد دفعت الدول الغربية ملايين الملايين من أموال مواطنيها الذين قضوا علي النازي كتعويضات تسلمتها إسرائيل‏,‏ رغم أن هناك من اليهود من لا يرون أن إسرائيل هي بالضرورة المتحدث باسمهم أو المفوض بتمثيلهم‏.‏
ولقد صدر في العام الماضي في الولايات المتحدة كتاب مهم أثار ضجة كبيرة عنوانه‏:‏ صناعة الهولوكوست‏
theuolocausttndustry‏
وهو مجموعة من الدراسات يرصد فيها المؤلف فنكلستين ـ وهو أمريكي يهودي ـ كيف تحول اضطهاد اليهود إلي صناعة تتكسب منها إسرائيل مئات الملايين من الدولارات‏,‏ وبرغم أن والدي فنكلستين هما من الناجين من معسكرات الاعتقال النازية‏,‏ فإنه يعبر عن استيائه الشديد من أن تتحول معاناة شعب من الشعوب إلي صناعة تدر المكسب علي البعض‏.‏

أما عندنا نحن في الوطن العربي‏,‏ فإن محاولة إشهار سلاح المعاداة للسامية التي تحاول الدوائر الصهيونية الآن إرهابنا به‏,‏ ليس في موضعه السليم‏,‏ لأن الإحساس بالذنب تجاه اليهود لا وجود له في هذه المنطقة من العالم‏,‏ التي كان اليهود علي مدي التاريخ يفرون إليها من الاضطهاد في الغرب‏,‏ وقد آن الأوان أن نرد سلاح الابتزاز الذي يوجه لنا إلي صدور أصحابه‏,‏ فنحن ساميون واضطهاد الإسرائيليين للعرب الفلسطينيين هو بعينه العداء للسامية‏,‏ ومحاولة إرهاب المفكرين العرب الذين يتصدون للعنصرية الإسرائيلية ووصمهم بالعداء للسامية هو بعينه العداء للسامية‏,‏ وتلك مهمة يجب أن يضطلع بها المجتمع المدني عندنا‏,‏ فليس من المتصور أن تتعقب الحكومة تصريحات وأفعال الصهاينة والإسرائيليين في العالم لكي توجه لهم اتهاما بالعداء للسامية أو لكي تقدمهم للمحاكمة‏,‏ لكن المجتمع المدني من حقه أن يفعل ذلك‏,‏ وهو ما يحدث بالفعل في الخارج‏,‏ فالحملة التي تعرض لها المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي بسبب نشره كتاب الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية قامت بها الجمعيات والمنظمات الصهيونية في فرنسا ومن قدم للمحاكمة لم تكن الحكومة الفرنسية وإنما هذه الجمعيات الأهلية‏.‏

ولقد بادرت منذ نحو ثلاث سنوات مع مجموعة من الشخصيات بتأسيس أول جمعية أهلية في الوطن العربي معنية بالدفاع عن صورة العرب ضد محاولات تشويهها بوصمها بالإرهاب أو باتهامها بالعداء للسامية أو بغيرها من وسائل الإرهاب السياسي الذي نتعرض له الآن‏,‏ وقد حملت الجمعية التي تشكلت بشكل رسمي عن طريق وزارة الشئون الاجتماعية اسم جمعية الدفاع العربي‏,‏ وكان لمجموعة المؤسسين أمل كبير في إمكان التصدي لهذه الحملات المغرضة ضد العرب وفضح أساليبها ورد سلاح الابتزاز الذي تشهره في وجهنا إلي صدورها‏,‏ فقمنا بتأسيس جمعية مماثلة في فرنسا باسم
‏Association pour la promstion de liunage arabe‏
واختصارها‏
APLA
وكانت أول معركة خضناها هي التصدي للسياسي العنصري الإسرائيلي أوفاديا يوسف زعيم حزب شاس الذي وصف العرب بأنهم أفعاع سامة ينبغي القضاء عليها‏,‏ ثم عاد فوصفهم بأنهم حشرات ويتكاثرون كالنمل‏!.‏
ولقد عرضت الجمعية الفرنسية أن ترفع قضية في المحاكم الفرنسية ضد هذا الرجل البغيض الذي يمثل العنصرية الإسرائيلية أصدق تمثيل‏,‏ أمام القضاء الفرنسي كما فعلت الجماعات الصهيونية مع جارودي‏,‏ لكن الرأي عندنا كان أن تنطلق أول أعمال جمعية الدفاع العربي من القاهرة‏,‏ وإذا كان لأوفاديا يوسف أن يدان فيجب أن يدان هنا في القاهرة‏,‏ وأن تلك ستكون سابقة جديدة لها دلالتها‏.‏

ولقد تم بالفعل رفع الدعوي القضائية في مصر ضد العنصرية الصهيونية في أبشع صورها‏,‏ وتابعنا الدعوي علي مدي نحو سنة كاملة‏,‏ تم خلالها تأجيل الدعوي عدة مرات‏,‏ ثم تم نقلها من دائرة إلي أخري‏,‏ ثم استقر الرأي فيها في النهاية علي حفظ الدعوي علي أساس أنها رفعت من غير جهة الاختصاص‏!!‏ علي أساس أن مثل هذه الأمور العامة تختص بها النيابة العامة وعليها وحدها رفع الدعوي‏!!,‏ وفي الشهر التالي مباشرة تفوه أوفاديا يوسف مرة أخري بأقوال لا تقل صلفا ولا عنصرية عن أقواله السابقة‏,‏ وقررت من جانبي الاعتذار عن رئاسة جمعية الدفاع العربي في الوقت الذي اتهمني اتحاد الجمعيات اليهودية الفرنسية بالعداء للسامية لأنني كتبت مقالا عن روجيه جارودي استعرضت فيه ما تضمنه كتابه الأخير من أفكار وقارنتها بكتابات المؤرخ البريطاني ديفيد أيرفينج الذي يشكك في أن ضحايا الهولوكوست‏(‏ المحرقة‏)‏ اليهودية علي يد النازي كانوا ستة ملايين شخص‏,‏ وذلك علي اعتبار أن أوروبا في أثناء الحرب العالمية الأخيرة لم يكن بها أصلا ستة ملايين يهودي‏.‏
ولقد شرحت في مقالي أن أيرفينج في كتابه نورمبرج‏.‏ المعركة الأخيرة الذي نشره علي نفقته الخاصة بعد أن رفضت دور النشر البريطانية إصداره تحت ضغوط الجماعات الصهيونية‏,‏ يقول إن ضحايا معسكر أوشفيتز الشهير في بولندا والذي يعتبر أكبر معسكرات الاعتقال النازية لا يتعدي مائة ألف شخص علي أكثر تقدير لأن حجم الأفران التي به لايمكن أن تتسع لأكثر من هذا العدد إذا ظلت تعمل ليل نهار طوال سنوات الحرب الأربع‏,‏ كما يقول إنه إطلع علي القوائم الرسمية لأسماء الأسري الذين ماتوا بالمعسكر فلم يجد بها أكثر من‏70‏ ألف اسم‏,‏ وتلك هي القوائم الخاصة التي كان يعدها الألمان لأنفسهم والتي حصل عليها السوفيت عند دخولهم بولندا بعد هزيمة هتلر‏,‏ ويوضح أيرفينج في كتابه أن هذا العدد يضم أيضا من ماتوا لأسباب أخري مثل المرض أو لأسباب طبيعية غير الحرق داخل أفران الغاز‏.‏

ولم يكن من قبيل المصادفة أن مقالي نفسه هذا والذي وجهت إلي علي أساسه المنظمات اليهودية الفرنسية تهمة العداء للسامية‏,‏ كان قد صدر به تقرير من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل ذلك بنحو شهر يتهمني فيه ضمن مجموعة أخري من الكتاب الصحفيين المصريين بالعداء للسامية‏,‏ وقد كان من بين هؤلاء بعض أكبر الصحفيين المصريين مثل الأساتذة جلال دويدار وسلامة أحمد سلامة ود‏.‏ حسن رجب ود‏.‏ محمد السيد سعيد وغيرهم‏.‏
إن العداء للسامية هي فكرة غربية بحتة لا علاقة لها بمجتمعنا الشرقي‏,‏ وإذا كان قد نتج عنها عملية الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود في أثناء الحرب العالمية الثانية‏,‏ فإن فكرة الإبادة العرقية هي غريبة تماما علي حضارتنا العربية الإسلامية‏,‏ وليس لها سابقة في تاريخنا‏,‏ لذلك فإن الأيديولوجية الفاشية علي سبيل المثال والتي انتشرت في أوروبا ووصلت إلي ذروتها في أثناء الحرب العالمية في كل من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وروسيا الشيوعية لم تنتقل إلي أي من الدول العربية أو الإسلامية‏,‏ والتاريخ لم يسجل حتي الآن حالة واحدة لدولة عربية اتجهت إلي الفاشية كأيديولوجية رسمية لها‏,‏ كما حدث في أوروبا‏,‏ كذلك لم تعرف منطقتنا العربية دولة واحدة اتخذت الشيوعية أيديولوجية رسمية لها‏,‏ وقد ينتقد الغرب كما يشاء الأنظمة السياسية العربية من العراق إلي ليبيا‏,‏ لكن يظل هناك فرق بين لجوء نظام سياسي إلي القمع وكبت الحريات وبين تبنيه خطة إبادة جماعية لجنس من الأجناس‏,‏ وما يعرف باسم‏
Genocide‏
ذلك أن الفكر الإسلامي لا يري هذه الفروق بين الأجناس‏,‏ فالأمة الإسلامية تتكون من كل من نطق الشهادة بصرف النظر عن أصله العرقي وهو مفهوم يختلف
تماما عن فكرة شعب الله المختار التي يتخذها اليهود علي سبيل المثال وسيلة لتميزهم عن بقية الأجناس‏.‏
وهكذا فإن تهمة العداء للسامية تكون تهمة مغلوطة إذا وجهت لنا نحن‏..‏ وإني أري أننا قد سكتنا عنها طويلا إهمالا وتخاذلا‏,‏ وأذكر أنني فوجئت منذ بضع سنوات بأن الأكاديمية الفرنسية قد رشحتني بإجماع آراء أعضائها للحصول علي إحدي جوائزها وهي ميدالية الفرانكوفونية الكبري‏,‏ وما إن نشر هذا الخبر في الصحف الفرنسية حتي تحركت المنظمات اليهودية في فرنسا تحتج علي هذا الترشيح علي أساس أنني معاد للسامية‏,‏ ولقد تراجعت الأكاديمية الفرنسية علي الفور ليس إيمانا بالتهمة‏,‏ وإنما كما قال لي أحد أعضائها في ذلك الوقت‏,‏ خوفا من الإرهاب الذي يمكن أن تمارسه عليها هذه المنظمات‏,‏ ولذلك قررت الأكاديمية عدم إعطاء الجائزة لشخص آخر‏,‏ وإنما حجبها تماما في ذلك العام‏.‏

ولقد روي لي عضو الأكاديمية أنهم عقدوا جلسة طارئة لبحث هذا الموضوع‏,‏ وفي تلك الجلسة كانت أمامهم مجموعة لا بأس بها من الاحتجاجات من المنظمات اليهودية دون أن يكون هناك ورقة واحدة من أي جهة عربية تقدم وجهة النظر الأخري‏,‏ وقد صرخ الرجل في وجهي في غضب‏:‏ أين منظماتكم؟‏..‏ أين سفاراتكم؟‏..‏ أين جامعتكم العربية؟‏!..‏ ولم يكن لدي رد أقدمه له‏.‏
ان الإرهاب الفكري والابتزاز السياسي الذي مارسته الدوائر الصهيونية بنجاح ضد الغرب طوال فترة نصف القرن الأخير بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية‏,‏ إنما يوجه إلينا الآن وبالدرجة نفسها من الشراسة‏..‏ ولقد سكتنا عنه إهمالا وتخاذلا حتي وصل إلي محاولة النيل من أحد كبار رموز القلم والإعلام في العالم العربي‏,‏ وهو الأستاذ إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام أكثر الصحف العربية عراقة‏,‏ ونقيب الصحفيين المصريين لأكثر من دورة‏,‏ ورئيس اتحاد الصحفيين العرب‏..‏ فإلي متي يطول انتظارنا؟‏..‏ وهل ننصت أخيرا للصرخة الغاضبة لعضو الأكاديمية الفرنسية ونتفكر معناها؟‏..‏ وهل تكون البداية من جامعتنا العربية وفق ما قاله لي أمينها العام السيد عمرو موسي؟‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية