|
أعدها للنشر: مجدي الحسيني |
 | | جمال عبدالناصر ـ لومبا ـ كازافوبو ـ بن بيلا ـ الجنرال موبوتو |
في هذه الحلقة الثانية من الصفحات المطوية من مذكرات وزير الخارجية الأسبق محمد إبراهيم كامل.. يصف زيارة قام بها إلي مقاطعة كاتانجا بدعوة من رئيس وزراء الكونجو في ذلك الوقت مويس تشومبي, وهذه المقاطعة هي التي كان تشومبي قد أعلن انفصالها عن الكونجو في الأيام الأولي من الاستقلال مما أثار عليه حنق الزعماء الإفريقيين حتي اتهموه بالخيانة. ويشير وزير الخارجية الأسبق إلي أن الجنرال موبوتو الذي كان قائدا للجيش وأصبح رئيسا للدولة فيما بعد, نظر إليه طويلا أثناء الزيارة وتساءل عما اذا كان هذا السفير المصري الأبيض البشرة الأشقر الشعر هو فعلا إفريقي, ويكرر الوزير الأسبق الشكوي من أن البرقيات التي كان يرسلها إلي الإدارة الافريقية بوزارة الخارجية, لم تكن تجد صدي, أو ردا, ويشرح الازمة الأولي التي تعرض لها عندما تلقت السفارة برقية من الرئيس جمال عبد الناصر يطلب فيها أن يتولي كازافوبو كرئيس للكونجو حضور مؤتمر قمة دول عدم الانحياز, دون أن يصحب معه تشومبي, الذي كان يجمع بين رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية, وكيف أن كامل خالف التعليمات ومنح تأشيرات لتشومبي وللوفد المرافق له.. ثم كانت المفاجأة أن تشومبي وأعضاء وفده نسوا تسلم الجوازات التي تحمل تأشيرات الدخول, وصعدوا إلي الطائرة بدون جوازات ثم اضطروا للنزول من الطائرة بعد أن تأهبت للإقلاع, وعندما وصلت الجوازات في النهاية راح تشومبي يسب السفارة المصرية بأفظع الشتائم! شرعت في استكمال زياراتي للسفراء المعتمدين في ليوبولدفيل وتوثقت صلة الصداقة بيني وبين سفير الجزائر عبد الحميد عجالي وكانت العلاقات المصرية ـ الجزائرية في قمتها وقت الرئيس بن بيللا( وقد شغل بعد ذلك منصب سفير الجزائر في القاهرة) وكانت مكاتب السفارة الجزائرية مجاورة لمكاتب سفارتنا ولايفصلها عنها إلا عرض الشارع, وكانت سفارات الولايات المتحدة وسائر الدول الغربية تساند تشومبي بينما الدول الإفريقية منقسمة في هذا الشأن بين تلك التي تنتمي لمجموعة منروفيا والمساندة لتشومبي وتلك التي تنتمي إلي مجموعة الدار البيضاء التي كانت تتخذ منه موقف الحذر والتربص, وكان هذا بدوره حال سفارة الاتحاد السوفيتي وسفارة تشيكوسلوفاكيا, ودعاني أوسوريوتافال ممثل الأمم المتحدة المقيم في الكونجو وحدي إلي العشاء في منزله حيث قابلت زوجته المكسيكية.
وكان أوسوريوتافال من أبرز قوات الجيش الجمهوري أثناء الحرب الأهلية في أسبانيا في أواخر الثلاثينيات وكان يقود فرقة بأكملها من الجيش الجمهوري وبعد انتصار الجنرال فرانكو هرب إلي المكسيك حيث أقام وتجنس بالجنسية المكسيكية وتزوج من سيدة مكسيكية إلي أن التحق بالعمل في الأمم المتحدة, وتناول حديثنا بعد العشاء الموقف في الكونجو بعد تولي تشومبي رئاسة الوزراء وسألني عن موقفنا منه فقلت أنه يتسم بالريبة والحذر وأشرت إلي اتهامه لنا في بداية لقائي به بدعم قوات الثوار في ستانلي فيل وتزويدها بالاسلحة والذخائر, ثم تحول فجأة إلي اتخاذ موقف المجاملة والتودد نحوي والرغبة في تطوير العلاقات مع القاهرة ومحاولة كسب ثقتها فيه ولكني من ناحيتي أشك تماما في صدق نياته فهو في قرارة نفسه يعتقد أن القاهرة هي التي حالت دون مشاركته في مؤتمر القمة الافريقي الماضي, كما أن القاهرة تنظر إليه بوصفه عميلا للاستعمار ويصعب أن تغير هذه النظرة خاصة بعد محاولة انفصال تانجا, كما أنها تحمله مسئولية قتل لومومبا والتصدي للحركة الوطنية لحساب بلجيكا والمصالح الاحتكارية وأنني علي كل حال سأتابع الموقف بقلق إذ أنه من المحتمل للغاية أن تثور معه الأزمة من جديد بمناسبة انعقاد مؤتمر عدم الانحياز القادم في القاهرة, ووافقني تافال علي أنه من الصعب وضع أي قدر من الثقة فيه بالفعل وكل ماعلينا أن نراقب وننتظر. وكان يتردد علي السفارة الكثير من العناصر الوطنية من أتباع لومومبا وجيزنجا المنتشرة في أنحاء الكونجو والتي كانت تتحين الفرص لسقوط تشومبي, كما كان يتردد عليها من وقت لآخر بعض الأفراد الكونجوليين الذين يعرضون علي أعضاء السفارة بيع قطع من الالماس الخام غير المصقول والتي تشبه حباته قطع اللبان الدكر وكانت تعليماتي بعدم التعامل معهم علي الإطلاق أولا لأنه ربما كان وسيلة للإيقاع بالسفارة وإتهامها بالتهريب أو شراء الالماس المهرب من المناجم وثانيا لاحتمال أنها مادة مغشوشة.
رقصات لآلاف الرجال والنساء والأطفال ومر بعض الوقت وإذا بتشومبي يدعوني إلي لقائه في مكتبه وسألني عن المعاملات التجارية بين مصر والكونجو وأخبرته أن فرع شركة النصر للتصدير والاستيراد في ليوبولدفيل يقوم ببعض العمليات مثل استيراد إطارات السيارات المصنوعة في مصر وبعض الأغذية المحفوظة والمعلبات والمصنوعات الجلدية ولكنها لاتزال عمليات محدودة وأننا نأمل في زيادة حجم التجارة بين البلدين فقال إنه سينظر في هذا الأمر بهدف تنشيط التبادل التجاري ثم سألني عما إذا كنت قد زرت أقاليم الكونجو وأجبت أنه لم تتح لي الفرصة بعد فقال إن الكونجو ليس فقط ليوبولدفيل وأن علي زيارة مختلف أنحائه وأنه سيبدأ بدعوتي إلي زيارة تانجا مسقط رأسه وقلت إني أرحب بذلك وأشكره علي هذه الدعوة وقال أن علي أن آخذ معي بعض الملابس الشتوية لأن المناخ هناك يميل إلي البرودة. ثم أردف يقول ولماذا لايقوم السفراء الأفارقة المعتمدون في ليوبولدفيل بذلك مجتمعين فقلت أعتقد أن الجميع سيرحبون بذلك فقال إذن دعني أرتب هذه الزيارة وسأبلغك بترتيباتها, وشكرته وانصرفت. ومرت عدة أسابيع علي هذه المقابلة وإذا بمدير المراسم في الخارجية الكونجولية يوجه الدعوة إلي السفراء الافارقة لزيارة أقليم كاتانجا ويحدد موعد السفر وكنا نحو خمسة وعشرين سفيرا وقائما بالأعمال وخصصت لنا طائرة بوينج كبيرة وكي يدرك القاريء مساحة الكونجو الشاسعة قطعت الطائرة المسافة بين ليوبولدفيل واليزابيث فيل عاصمة إقليم كاتانجا في ساعتين بالكامل.
وقد قدمت لنا في الطائرة المشروبات والأطعمة الفاخرة المستوردة من بلجيكا, وهبطت الطائرة في مطار اليزابيث فيل وكانت المفاجأة برودة الجو إذ كانت درجة الحرارة في حدود من10 إلي12 مئوية والجو خال من الرطوبة القاتلة التي تشيع في ليوبولدفيل, كان جوا منعشا وركبنا السيارة في اتجاه المدينة وكانت الطبيعة مختلفة تماما عن ليوبولدفيل, وعبرنا بعض السهول الخضراء ثم لم نلبث أن وصلنا إلي المدينة ومررنا في الأحياء السكنية الأوروبية وبهرنا من جمال الفيلات الضخمة والقصور الصغيرة والحدائق الغناء. وعن بعد كانت تلوح مداخن مصانع النحاس التابعة لاتحاد مناجم كاتانجا العليا الأخطبوط الرأسمالي العملاق. ثم اتجهت السيارات إلي مقر الحاكم العام البلجيكي السابق الذي كان مقررا نزولنا فيه. وعندما اقتربنا من القصر شاهدنا منظرا عجيبا لن أنساه ما حييت كان الميدان الفسيح المواجه للقصر يعج بالآلاف من رجال ونساء وأطفال القبائل الكاتانجية يتجمعون في حلقات واسعة ويرقصون ويغنون علي دقات الطبول وهم يرتدون ملابسهم الملونة الزاهية وكانت الرقصات متنوعة كل منها يعبر بطريقته البدائية عن مشاعر معينة فهناك رقصات تعبر عن الفرح أو عن الحزن وأخري تعبر عن الحرب أو عن الصيد أو عن العملية الجنسية وهكذا ومنها رقصات يقوم بها الرجال والنساء مجتمعين أو الرجال أو النساء وحدهم وهناك حلقات تضم الأطفال وهم يحاولون محاكاة الكبار في الرقصات المختلفة.
وكان هذا الاستقبال الحافل مقصودا منه في المقام الأول أن ينقل إلينا تشومبي مدي شعبيته في كاتانجا. وظللنا نشاهد هذا المسرح الهائل مدة طويلة ونحن مأخودون بروعته وجلاله واستمر الطبل والرقص إلي مابعد منتصف الليل ثم دخلنا إلي حديقة القصر الحافلة بمختلف النباتات والزهور والأشجار وهناك استقبلنا رجال المراسم حيث قادوا كل منا إلي الحجرة المخصصة له, وسلمونا دعوات لحضور حفل العشاء الذي يقيمه رئيس الوزراء في الساعة الثامنة مساء نفس اليوم وكان قد سبقنا في السفر إلي اليزابيث فيل للإعداد لهذا الاستقبال, ونزلنا إلي وسط البلد حيث المتاجر والمطاعم والبارات وأغلبها أوروبية أنشئت علي غرار النظام البلجيكي, وعندما حان موعد العشاء توجهنا إلي قاعة الطعام بالقصر حيث أعدت مائدة كبيرة مثلثة الأضلاع ودعا تشومبي عددا من وزرائه ومنهم مونوجو( قاتل لومومبا) وعمدة المدينة وبعض الشخصيات الكاتانجية وتوزع السفراء بينهم وألقي تشومبي كلمة رحب فيها بالسفراء الإفريقيين ورد عليه عميد السلك السياسي الإفريقي بكلمة مناسبة وكان يجلس علي الضلع المواجه لي في المائدة الجنرال موبوتو قائد الجيش وعلي مقربة منه القائم بالأعمال الجزائري الذي قال لي بعد العشاء إن موبوتو نظر إلي طويلا ثم قال بالفرنسية لزميله الكونجولي الذي يفصله عن القائم بالاعمال الجزائري انظر إلي السفير المصري بشعره الأشقر وجلده الأبيض ومع ذلك يقول أنه إفريقي وشعرت برجفة تسري في أوصالي.
هل ستعطيني فيزا؟ بعد ظهر اليوم التالي دعاني تشومبي إلي لقائه في صالون ملحق بجناحه في القصر حيث قدم لي قدحا من البيرة والتي كان يحتسيها بكثرة شأن سائر الكونجوليين وسألني عن رأيي في اليزابيث فيل وقلت إنها مدينة جميلة ذات مناخ رائع ونظر إلي طويلا ثم قال بعد فترة أنت تعلم أني لم أثر معك موضوع منع مشاركتي في مؤتمر القمة الإفريقي الذي عقد بالقاهرة في شهر يوليو رغم أني رئيس وزراء الكونجو وهي من أكبر وأهم الدول الافريقية ويحق لي المشاركة الأمر الذي أدي إلي انسحاب الوفد الكونجولي من المؤتمر وقلت: ياسيادة رئيس الوزراء أنت تدرك أن الظروف التي كانت سائدة وقت عقد المؤتمر كانت لا تزال متأثرة بموضوع انفصال كاتانجا والوضع الآن مختلف بعد عودة كاتانجا إلي الكونجو وتوليك رئاسة وزراء الكونجو الموحد. قال: ولكنني كنت رئيس وزراء الكونجو بعد عودة كاتانجا وكان من حقي تمثيله في هذا المؤتمر.
قلت: ربما كان ذلك صحيحا ولكن المشاعر وقتها كانت لاتزال متأثرة بانفصال كاتانجا وقد رأت غالبية المؤتمر وقتئذ أنه من الأفضل دعوة الرئيس كازابوفو لحضور المؤتمر ولكنه رفض الحضور وعندئذ قال: دعني أحدثك بصراحة فأنا يخيل لي أن القاهرة كان لها اليد الطولي في رفض مشاركتي في المؤتمر وأن مجموعة كبيرة من الدول المشاركة في المؤتمر كانت ترحب بحضوري. قلت: اسمح لي ياسيادة رئيس الوزراء ألا أتفق معك في ذلك فمصر كانت الدولة المضيفة للمؤتمر وهذه الصفة لاتخولها بأي حال فرض إرادتها علي رؤساء الدول أعضاء المؤتمر وعلي كل حال مالنا والماضي.. لنفكر في المستقبل.
قال: لعلك تذكر أني بدأت حديثي معك اليوم بأني لم أثر معك هذا الموضوع من قبل وليس معني ذلك أني نسيته. فالمسألة ليست شخصية وإنما كانت تمثل إهانة للكونجو جميعا. ثم سكت طويلا وقال: أنت تعلم أن مؤتمر دول عدم الانحياز سيعقد في القاهرة في الشهر المقبل والكونجو عضو مؤسس في مجموعة دول عدم الانحياز ولدي سؤال محدد أريدك أن تجيب عليه بوضوح وصراحة فهل أنت مستعد لذلك؟ قلت: تفضل بالسؤال قال: هل ستعطيني فيزا للدخول إلي القاهرة لحضور المؤتمر؟ قلت بلا تردد: بالطبع ياسيادة رئيس الوزراء وغني عن البيان أنه لم يكن أمامي بديل لإجابة أخري علي سؤاله المباشر.
وعدنا إلي ليوبولدفيل في اليوم التالي حيث أرسلت برقية بما دار بيني وبين تشومبي من حديث حول مؤتمر عدم الانحياز وكالعادة لم أتلق ردا أو تعليقا أو توجيها, ولازمني من وقتها شعور بالقلق وأحسست مع مرور الأيام بأننا نعيش علي فوهة بركان قد يبدو خامدا ولكنه معرض للانفجار في أي وقت. في تلك الأثناء كانت العلاقات متوترة بين الكونجو ليوبولدفيل والكونجو برازفيل الذي كان يرأسه ماسمباديبا وهو من الزعماء الافارقة الثوريين وكنا نشاهد في الليل أنوار برازفيل علي الشاطي الآخر من النهر الذي كان يتسع مجراه في هذه البقعة إلي خمسة أميال وكان يسمي ببحيرة ستانلي علي اسم مكتشف نهر الكونجو وأول من أبحر فيه حتي مصبه علي المحيط الأطلسي.
والحق إني كنت في حيرة شديدة ولم أفهم موقف القاهرة السلبي العجيب فهذا رئيس وزراء دولة إفريقية مفرطة في الغني والثراء وتحتل موقعا استراتيجيا مهما وسط القارة الإفريقية وها هو يحاول جاهدا وبمبادرة مستمرة منه إصلاح ذات البين مع القاهرة وصحيح أنه موصوم بمحاولة انفصال كاتانجا ولكنها محاولة فشلت وعادت كاتانجا إلي دولة الكونجو ولم يلبث هو نفسه أن أصبح رئيس وزراء الكونجو الموحد وهو مركز أهم بكثير من كونه رئيسا لمقاطعة واحدة منفصلة من ست مقاطعات في الكونجو, وهو يدرك نقطة ضعفه وحاجته إلي التأييد وبالذات من قبل الجمهورية العربية المتحدة التي حالت ـ في تقديره علي الأقل ـ دون مشاركته في مؤتمر القمة الإفريقي في القاهرة التي يدرك تماما أهميتها في العالم الإفريقي, ويذهب في هذا الصدد إلي حد إبداء استعداده لطرد البعثة العسكرية الإسرائيلية من الكونجو.. وسواء كان صادقا أو كاذبا فلماذا لا نجرب ونحاول أن نستثمر حاجته إلينا؟ ومن الناحية الثانية فمن من الزعماء الافارقة الآخرين لم يكن علي شاكلته من ناحية الولاء والاعتماد علي الدول التي كانت تستعمر بلاده والارتباط بها والاعتماد عليها ولو إلي حين؟ فيما عدا قلة مبعثرة مثل نكروما وسيكوتوري وموديبوكيتا وربما كان آخرون يعدون علي أصابع اليد الواحدة. وما الفرق بينه وبين رئيس الدولة كازافوبو نفسه الذي كان يسعي ويتطلع قبل الاستقلال إلي الحصول علي استقلال منطقة الباكونجو حيث تسود القبائل الموالية له دون استقلال باقي ولايات الكونجو فكلاهما وغيرهما نشأوا وتربوا علي التفكير القبلي الذي كان سائدا قبل الاستقلال المفاجيء الذي داهمهم علي غير توقع أو إعداد.
إن السياسة في جميع الدول تقوم علي الأخذ والعطاء لتحقيق نتائج إيجابية تترجم في واجهات عديدة سواء في مجال التبادل التجاري أو التعاون الاقتصادي أو الثقافي أو العسكري. لماذا لانستثمر حاجته الشديدة إلينا في تطوير مفاهيمه وسياسته علي المدي الأطول ومن يدري؟ ومن الناحية الثالثة فكيف تستطيع سفارة تقع علي بعد آلاف الأميال من القاهرة أن تعمل وتنتج وهي تصفق بيد واحدة وهي لا تتلقي توجيها أو إشارة أو لوما أو تقريظا؟ وماهو عمل وزارة الخارجية والإدارة الإفريقية بالذات إذا كانت تعيش في واد والسفارات التابعة لها في واد آخر فيما عدا سفارات محدودة لها أوضاعها المميزة. ألم تكن دوائر الاهتمام الثلاث التي حددها الرئيس جمال عبد الناصر في كتابه فلسفة الثورة هي الدائرة العربية والدائرة الاسلامية والدائرة الافريقية؟ فأين التطبيق العلمي لهذا المنظور؟
أزمة لامناص منها ومع بداية شهر سبتمبر بدأت الصحف المصرية التي كانت تصلنا مرة في الأسبوع عن طريق الحقيبة الدبلوماسية, تنشر بعض الأخبار عن الاعداد الذي يجري في القاهرة لعقد مؤتمر دول عدم الانحياز في القاهرة في المدة من5 إلي10 أكتوبر1964, وكانت السفارة الجزائرية تقع إلي جوار السفارة المصرية ولايفصلها عنها سوي عرض الشارع, وكان السفير الجزائري وقتها عبدالحميد عجالي وكانت تربطنا علاقات صداقة وكان موقف الجزائر من تشومبي في عهد الرئيس الجزائري بين بيللا مطابقا لموقفنا وكنت والسفير عجالي نتبادل المعلومات ونعمل علي تنسيق مواقفنا. كان كل يوم يمضي يقربنا من الازمة التي لامناص منها في ظل موقف القاهرة السلبي من البت في موضوع مشاركة تشومبي في مؤتمر عدم الانحياز, وكان ذلك الموقف يبعث علي القلق فلو أخطرتنا القاهرة بالموقف الذي تعتزم اتخاذه لعرفنا رأسنا من أرجلنا وتصرفنا علي هذا الأساس. وقد تتالت برقيات السفارة إلي القاهرة لمعرفة موقفها من مشاركة تشومبي في المؤتمر دون مجيب كالعادة.
وقبيل موعد مؤتمر الانحياز بنحو عشرة أيام استدعاني رئيس الوزراء تشومبي لمقابلته في مكتبه في الساعة الثامنة صباحا وذهبت في الموعد حيث استقبلني بحرارة وابتسامة عريضة, وقال لي لقد قررت أن أصحب معي وفدا تجاريا اقتصاديا عند ذهابي لمؤتمر عدم الانحياز حيث أنوي البقاء في القاهرة بعض الوقت بعد انتهاء المؤتمر لأني أرغب في تدعيم العلاقات التجارية والاقتصادية معها إلي أقصي الحدود وقال إنه مستعد لإبرام صفقات كبيرة في صالح مصر وفي صالح الكونجو في ذات الوقت. وأنه سيعطيني امتيازات لشركة النصر المصرية للتصدير والاستيراد لم تحصل عليها دولة من قبل ورجاني أن أبرق للقاهرة لتوافيني بقائمة السلع التي تود مصر استيرادها من الكونجو وتلك التي ترغب في تصديرها إليه. وليتصور القاريء موقفي وانفعالاتي وأنا أستمع إليه وأتصور في نفس الوقت رد الفعل المصري وأغلب الظن أني لن أتلقي ردا كالعادة.
وقلت إني أشكره للغاية علي هذا العرض السخي وسأنقله علي الفور لحكومتي ولكن إذا سمح لي بالإدلاء برأيي الشخصي فإني أقترح عليه تأجيل زيارة الوفد الكونجولي التجاري والاقتصادي إلي موعد لاحق لانتهاء مؤتمر عدم الانحياز فسيكون المؤتمر مشحونا بالاعمال حيث تشارك فيه جميع دول عدم الانحياز وأنا أتصور أنه يمكنه مع ذلك إثارة هذا الموضوع مع المسئولين في مصر أثناء انعقاد المؤتمر والاتفاق علي موعد لاحق للمؤتمر لزيارة الوفد التجاري والاقتصادي الكونجولي, والمهم الآن هو إجراء الاتصال الشخصي مع الرئيس جمال عبد الناصر والمسئولين في مصر وإزالة ماقد يكون لايزال عالقا في النفوس من سوء التفاهم السابق من الجانبين وهو من شأنه أن يفتح الباب علي مصراعيه لتدعيم العلاقات بين الكونجو ومصر في مختلف المجالات بإذن الله. قال: هل تعتقد ذلك حقيقة قلت: نعم وهذا ماقلت هو رأيي وتقديري الشخصي وسارعت إلي السفارة لأحيط القاهرة بما جري أملا في تلقي أي رد ولكن لاحياة لمن تنادي.
ومضت أيام والقلق يسيطر علي فأنا ـ بصفتي السفير ـ مسئول عن أعضاء السفارة وموظفيها وعائلاتهم وعلي المدي الأوسع مسئول عن الرعايا المصريين في الكونجو وعددهم كبير في دولة يسودها عدم الاستقرار والاضطراب والفوضي, وأخيرا هداني تفكيري إلي ارسال برقية للخارجية أبلغتها فيها أنه اذا تقدم تشومبي بطلب تأشيرات الدخول لمصر له ولأعضاء وفده فسأعطيها لهم بلا تردد وسواء ردت الوزارة بالنفي أو بالإيجاب لا أستطيع بحال رفض إعطاء هذه التأشيرات لرئيس الحكومة ووزير خارجيتها في نفس الوقت في الدولة التي أنا معتمد لديها. وأوضحت في البرقية أنه بخصوص موضوع اشتراك تشومبي في مؤتمر عدم الانحياز أو عدم اشتراكه فأمر يقرره في رأيي أعضاء المؤتمر نفسه وليس القاهرة وحدها بعد وصوله إليها. وارتاحت نفسي إلي هذا الحل وهدأت أعصابي واعتبرت سكوت القاهرة عن الرد علي هذه البرقية بمثابة موافقة منها وكنت عازما حتي لو وصلني رد برفض إعطاء تأشيرات الدخول ألا أعيره أي اعتبار.
في تلك الأثناء وصلتني برقية من زوجتي بأنها قد قررت الحضور إلي ليوبولدفيل وحجزت بالفعل علي الطائرة التي تصل يوم الثاني من أكتوبر وأصابني هلع شديد وأرسلت لها برقية مطولة عن طريق المحطة. أبلغتها فيها بأنها لامحل لحضورها الآن حيث أنه من المقرر وصولي إلي القاهرة في أوائل شهر أكتوبر لحضور مؤتمر عدم الانحياز الذي سيعقد يوم5 أكتوبر, وأنها يمكن بعد ذلك أن تصحبني في العودة إلي الكونجو بطبيعة الحال لم يكن ذلك صحيحا ولكن أشفقت عليها من أن أصيبها بالقلق اذا أحطتها بالظروف المحيطة والأزمة التي تمر بها السفارة. وكان السكرتير الثالث بالسفارة شوقي مسعود قد عاد إلي القاهرة لقضاء أجازته السنوية وبالمقابل وصل إلي السفارة السكرتير الثاني المرحوم محمد جميل مع زوجته وطفلته وعهدت إليه بتولي الاعمال القنصلية وأقام بشقة في مبني السفارة في الدور الثالث إلي حين أن يتسني له العثور علي مسكن مناسب.
وبدأ العد التنازلي نحو تفاقم الأزمة والوقت يمر بطيئا ثقيلا ففي اليوم الثالث قبل موعد عقد المؤتمر في القاهرة حضر إلي السفارة مدير مكتب رئيس الحكومة وموظف من رئاسة الجمهورية يلبسان ملابس أنيقة حيث قابلهما المستشار مصطفي حنفي وسلماه نحو ستين جواز سفر تخص أعضاء الوفد الكونجولي المقرر سفره إلي مؤتمر عدم الانحياز في القاهرة وعلي رأسهم جواز سفر تشومبي رئيس الوزراء ووزير الخارجية ثم أعضاء الوفد وعدد من موظفي الخارجية والمستشارين والسكرتيرات ومنهن عدد من البلجيكيات وحدثت بين ممثل كازافوبو وممثل تشومبي مشادة حادة أمام مصطفي حنفي وتنبهت إلي أصواتهم من غرفة مكتبي حول أسبقية حصول كل منهما علي الجوازات التي تخصه ولم أتمالك نفسي من الضحك في مكتبي حيث اتهم أحدهما الآخر بأنه كان يعمل خادما قبل الاستقلال لدي البلجيك واتهمه الآخر بأنه كان يعمل في نفس المهنة. وقال المستشار مصطفي حنفي أنه سيكلف القنصل بإعطاء التأشيرات علي الجوازات وأن في وسعهم تسلمها في اليوم التالي وأبلغنا القاهرة بذلك. وفي اليوم التالي حضر أحدهما وقدم مزيدا من جوازات السفر لاعضاء أضيفوا إلي الوفد في اللحظة الأخيرة.
برقية من الرئيس عبدالناصر ومضي اليوم الثاني بدون جديد فيما عدا أن زارني سفير الجزائر عبد الحميد عجالي وتبادلنا الحديث وأحطته بما جري بشأن تأشيرات الدخول وبمضمون برقيتي الأخيرة للوزارة والتي بمقتضاها سأمنح تأشيرات دخول لتشومبي والوفد المرافق له علي أن يتقرر في المؤتمر مبدأ مشاركته فيه من عدمه وأقرني علي هذا التصرف حيث أن أي بديل آخر محفوف بالأخطار في هذا البلد الغريب. ومن الناحية الثانية قام القنصل بمنح تأشيرات علي جوازات سفر الوفد الكونجولي التي قدمت إلي السفارة ولكن لم يتقدم أحد من قبل المسئولين الكونجولين لتسلمها ولم يكن ذلك غريبا في بلد تسوده الفوضي والإهمال.
وفي اليوم الثالث وكان يوم الأحد الموافق يوم4 أكتوبر لسنة1964 وهو عطلة السفارة الاسبوعية دق جرس التليفون في منزلي الساعة الثامنة صباحا وكان المتكلم رئيس الوزراء تشومبي وسألني عما تم بشأن تأشيرات السفر فقلت أن القنصل بسبيل الانتهاء من إعطائها وأنه سهر معظم الليل لإنجاز ذلك نظرا لكثرة عدد جوازات السفر وشكرني وقد بدت في صوته علامات الارتياح والغبطة. وارتديت ملابسي وتوجهت إلي مكتبي في السفارة وطلبت فنجانا من القهوة وكان معي المستشار مصطفي حنفي والملحق حسين الخازندار وأطلعت علي صحف الصباح وكان الخبر الرئيسي فيها أن رئيس الوزراء ووزير الخارجية تشومبي يرأس الوفد الكونجولي في مؤتمر دول عدم الانحياز الذي يبدأ في القاهرة في اليوم التالي ولم أكد أنتهي من قراءته حتي دخل مكتبي أحد موظفي محطة السفارة اللاسلكية وقدم لي برقية عاجلة وصلت لتوها من القاهرة ما أن قرأتها حتي أصابتني الدهشة والقلق من جديد كانت البرقية موجهة من الرئيس جمال عبد الناصر إلي الرئيس كازافوبو يرجوه فيها أن يرأس بنفسه الوفد الكونجولي إلي المؤتمر دون مشاركة تشومبي فيه!!
وكان هذا يمثل إهانة لرئيس الكونجو بكل المعايير حيث يطلب فيه الحضور دون رئيس حكومته ووزير خارجيته وهو التدخل بعينه في الشئون الداخلية لدولة إفريقية. ومن الناحية الثانية فقد فاجأ هذا المطلب السفارة في آخر لحظة قبل افتتاح مؤتمر عدم الانحياز بيوم واحد ولم يتح لها فرصة زمنية لمعالجة الوضع وشل أيديها عن أي مجال للأخذ والعطاء وكان بمثابة قنبلة زمنية علي وشك الانفجار, والأخطر من ذلك أن وصول هذه البرقية كان يوم الأحد وهو العطلة الأسبوعية في الكونجو حيث يتعذر العثور علي أي موظف مسئول لإبلاغه بمضمون الرسالة.
وبينما كنا نبحث الموقف أنا ومصطفي حنفي محاولين العثور علي مخرج من هذا المأزق الخطير وصلتنا برقية ثانية من القاهرة تتضمن نفس المطلب الوارد في البرقية السابقة غير أنها تحمل إلي جانب اسم الرئيس عبد الناصر اسمي الرئيس تيتو رئيس يوجوسلافيا واسم السيدة بندرانايكا رئيسة وزراء سيريلانكا, وكان السفير اليوجوسلافي في الكونجو في إجازة ولم يكن لسيريلانكا تمثيل مقيم في ليوبولدفيل فاتصلت تليفونيا بالقائم بالاعمال اليوجوسلافي فوسكوفيتش ووجدته بالصدفة وطلبت إليه الحضور إلي في السفارة علي عجل. وبعد وصول فوسكوفيتش أطلعته علي البرقية وبعد تبادل الرأي قررنا أن نبدأ بالاتصال بمدير مكتب الرئيس كازافوبو لتحديد موعد عاجل لمقابلة رئيس الجمهورية وكانت الساعة الثانية عشرة ظهرا وطلبت من مصطفي حنفي القيام بهذه المهمة وعاد مصطفي حنفي بعد نحو ثلاثة أرباع الساعة وأخبرنا أنه قابل رئيس المكتب في منزله حيث وجده مع مجموعة من أصدقائه يتناولون البيرة ويلعبون الورق وطلب منه مصطفي حنفي مساعدتنا في تدبير موعد عاجل مع الرئيس كازافوبو للسفير المصري والقائم بالاعمال اليوجوسلافي لتسليمه رسالة مهمة وعاجلة من الرئيسين عبد الناصر وتيتو, ووعده بمحاولة تدبير ذلك وأنه سيخطره تليفونيا في السفارة المصرية بما ينتهي إليه في هذا الشأن.
وجلسنا إلي جانب التليفون في انتظار مكالمته وبعد نحو الساعة دق جرس التليفون ولكن المتكلم لم يكن مدير مكتب كازافوبو وإنما كان رئيس الوزراء تشومبي الذي طلب محادثتي وتناولت سماعة التليفون وسمعت صوته وهو يتسم بالغضب والقلق وقال ماذا يجري, ولماذا تطلب مقابلة الرئيس كازافوبو؟ ووقع الفأس في الرأس وقلت بهدوء: لاشيء سوي أني تلقيت رسالة عاجلة إلي الرئيس كازافوبو وأريد أن أنقلها إليه قال: إن الرئيس كازافوبو خارج ليوبولدفيل ولايستطيع مقابلتنا وأنا رئيس الوزراء المسئول ووزير الخارجية ومن حقي معرفة فحوي هذه الرسالة وأرجو أن تحضر لمقابلتي علي الفور في مكتبي وقلت سأحضر وقررت الذهاب فوقوع البلاء خير من انتظاره. وتركت القائم بالاعمال اليوجوسلافي في السفارة وتوجهت إلي مكتب رئيس الوزراء وأنا أدرك تماما أننا بصدد أزمة طاحنة لايعلم إلا الله مضاعفاتها وإلي ماذا تنتهي.
وبرقية من اللجنة السياسية وكان في استقبالي سكرتير تشومبي ومدير مكتبه اللذان قاداني علي الفور إلي مكتبه وكان يتحدث في التليفون مع شخص بإحدي اللهجات الكونجولية وما أن رآني حتي وضع السماعة وبادرني بالسؤال عن سبب رغبتي في مقابلة رئيس الجمهورية وقلت لقد تلقيت تعليمات من القاهرة بنقل رسالة خاصة وشخصية إليه. قال: لقد أخبرتك من قبل أن الرئيس كازافوبو خارج ليوبولدفيل وتستطيع أن تنقل إلي الرسالة.
وقلت ياسيادة رئيس الوزراء أن تعليماتي صريحة وواضحة وهي نقل هذه الرسالة إلي الرئيس كازافوبو شخصيا. قال والشرر يتطاير من عينيه انني رئيس الوزراء ووزير الخارجية المسئول ومن حقي معرفة هذه الرسالة علي الفور.
وتتابعت في مخيلتي صور متتالية لما جري ويجري في الكونجو منذ حصل علي الاستقلال وإمكانية حدوث أي شيء في أية لحظة وقلت ياسيادة رئيس الوزراء, إن تعليماتي صريحة وواضحة وهي نقل هذه الرسالة إلي الرئيس كازافوبو شخصيا وأرجو أن تساعدني وتسهل لي مقابلته وأضفت: وتستطيع بطبيعة الحال حضور المقابلة مع الرئيس متي تمت فأنا لا أستطيع أن أجادل في حقك في هذا الشأن. وشعرت أنه بدا عليه شيء من الارتياح الطفيف وأنه أدرك من الناحية الثانية أني لن أفصح له عن مضمون الرسالة بحال في غير وجود الرئيس كازافوبو, وسكت برهة ثم سأل هل تلقيت تعليمات بإلغاء تأشيرات الدخول إلي مصر للوفد الكونجولي؟ فقلت إن هذا لم يحدث.
وقال: إن الرئيس كما ذكرت لك خارج ليوبولدفيل ولا أدري موعد عودته وعلي كل حال سأتصل بك ثانية. وعدت إلي السفارة وأنا أشعر بأنه كتب لي عمر جديد وأبلغنا القاهرة بأننا لم يتيسر لنا العثور علي كازافوبو وأبلغت بمضمون مقابلتي مع تشومبي وأننا سنوالي البحث, ولم نلبث أن تلقينا برقية ثالثة من اللجنة السياسية لمؤتمر عدم الانحياز ترجو فيها من الرئيس جمال عبد الناصر إبلاغ قرارها للرئيس كازافوبو بأن يقوم شخصيا بتمثيل الكونجو في المؤتمر دون مشاركة السيد تشومبي.
كان الوقت بطيئا ثقيلا ويحمل نذر الخطر وزاد سخطي علي القاهرة لوضع السفارة بل والجالية المصرية في الكونجو جميعا في مواجهة هذا المأزق القابل للانفجار في أي لحظة في الوقت الذي كانت تستطيع فيه الحيلولة دون ذلك اذا أخذت في الاعتبار برقيتي التي أرسلتها منذ أيام بأن يسمح لتشومبي بالسفر علي أن يترك موضوع مشاركته في مؤتمر عدم الانحياز إلي مايقرره الرؤساء المجتمعون في القاهرة في هذا الشأن دون أن تتحمل مصر وحدها وزر هذا الموقف الغريب. ومن الناحية الثانية ماذا كانت تتوقع القاهرة فيما لو قدر لي ألايحضر الرئيس كازافوبو سواء في حضور تشومبي أو عدم حضوره وإبلاغه بأن القاهرة ترحب بمشاركته في المؤتمر علي ألايحضر مع رئيس وزرائه ووزير خارجيته؟ وهل يستطيع رئيس دولة ذات سيادة أن يتقبل مثل هذه الإهانة ومثل هذا التدخل السافر في الشئون الداخلية لبلاده؟
البحث عن كازافوبو واستقر رأينا في السفارة والقائم بالاعمال اليوجوسلافي علي محاولة مقابلة الرئيس كازافوبو من جديد, وتوجهنا معا في سيارة السفارة وهي تحمل العلم المصري إلي قصر الرئاسة وكان يقع في خارج ليوبولدفيل وعند وصولنا إلي بوابة القصر الخارجية وكانت الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر قابلنا الحرس وسألنا عما نريد فقلنا أن سفير الجمهورية العربية المتحدة وسفير يوجوسلافيا يرغبان في مقابلة الرئيس كازافوبو لأمر عاجل لايحتمل التأخير, وطلب منا الانتظار في السيارة وشرع يتحدث في التليفون من غرفة البوابة مع داخل القصر وكان يتحدث بلغة اللنجالا السائدة في مقاطعة ليوبولدفيل والتي يعرفها القائم بالاعمال اليوجوسلافي حيث أمضي في ليوبولدفيل أكثر من سنتين. وفهم القائم بالاعمال من الحديث أن الرئيس كازافوبو موجود بداخل القصر وعاد الحارس وأخبرنا أنه أبلغ سكرتارية الرئيس بطلبنا المقابلة وظللنا ننتظر.
وفي ليوبولدفيل كانت الشمس تغرب في نحو السادسة مساء ويحل الظلام وهذا ماحدث ونحن في انتظار مقابلة كازافوبو وعاد رئيس الحرس بناء علي إلحاحنا في الاتصال بالقصر تليفونيا وأبلغنا من جديد بأنه ذكر سكرتارية الرئيس بأننا مازلنا ننتظر وخرجنا والقائم بالاعمال اليوجوسلافي من السيارة هربا من الرطوبة القاتلة وبعدها بدقائق فتحت بوابة القصر وبعد وقت قصير خرجت سيارة وأنوارها مضاءة ولم تلبث أن توقفت أمامنا وكان بداخلها تشومبي الذي فتح زجاج السيارة وفاجأنا بالسؤال: ماذا تفعلان هنا الآن؟ |
|
|
|
|
|