قضايا و اراء

42245‏السنة 126-العدد2002اغسطس5‏26 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

قضايا معاصرة‏(1)‏
بدوي المفكر الكبير المظلوم حيا وميتا
بقلم ‏:‏ سامح كريم

لا يكرم نبي في وطنه‏.‏
لو أن هذه الكلمة أطلقت علي أحد في هذا الزمان لكان الدكتور عبد الرحمن بدوي‏,‏ هو أحق الناس بها‏,‏ بالطبع مع الفارق علي اعتبار أنه لا يرقي إلي درجة الأنبياء‏..‏ وهكذا ينضم الدكتور بدوي الي هذه السلسلة الذهبية من عظماء تاريخ الفكر العربي التي بدأت بابن رشد وابن عربي والحلاج وانتهت بطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وغيرهم ممن أعطوا وبذلوا وظلوا طوال حياتهم في قلق دائم بين مواقعهم‏,‏ ومواقع معاصريهم‏,‏ ولم يجدوا لعطائهم وبذلهم مقابلا سوي النكران والتهجم وأحيانا محاولات القتل والتشريد‏.‏

فهذا المفكر الكبير‏,‏ والعالم الجليل‏,‏ قدم لثقافة أمته مايعجز عن تقديمه‏,‏ كوكبة من الرجال‏,‏ لكن علي الرغم من ذلك لا نجد تقديرا واجبا لما قدمه‏,‏ بل علي العكس يظل طوال حياته مستهدفا للإفتراء والهجوم سواء كان ذلك في وطنه مصر‏,‏ أو في واحد من أقطار الأمة العربية أو حتي في واحد من البلدان الأجنبية حيث يختارها مقرا لإقامته‏,‏ واللغة غير العربية لغة لكتابته‏!‏ ؟ حتي يهرب بجلده من أوطان النقد فيها محكوم عليه بالأهواء‏.‏ وعلي الرغم من ذلك يتعقبونه ويهاجمونه حتي في صميم فلسفته التي بسببها وصفه عميد الأدب العربي طه حسين عام‏1944‏ بأنه أول فيلسوف مصري حقيقي بعد مناقشته ساعات للحصول علي درجة الدكتوراه

وعلي الرغم من هذا الانتاج الغزير الذي يزيد علي المائة والخمسين عنوانا‏,‏ كل واحد منها يتضمن مئات الصفحات وعددا من المجلدات في شتي الموضوعات العلمية والفكرية الأصيلة‏,‏ والتي هي مراجع لا غني عنها‏,‏ للباحثين والدارسين‏,‏ والتي بسببها اختارته موسوعة منتصف القرن العشرين الفلسفية‏,‏ مع فيلسوف الهند البنغالي العظيم محمد إقبال ممثلين لفلسفة الشرق كله‏.‏ ولا غرابة في ذلك إذ إن مؤلفات الدكتور بدوي تتفرع الي العديد من الموضوعات العلمية والفكرية الجادة‏.‏ فهذه كتب عن الحضارة العربية الإسلامية رجالا وأفكارا‏,‏ وكتب في الفكر اليوناني القديم وعلاقة فكرنا العربي به‏,‏ وثالثة في التراث الأوروبي الحديث مبتكرات ومفكرين‏,‏ ورابعة في الأدب والنقد كإبداعات متميزة‏,‏ وخامسة في الدراسات الفلسفية منذ بدء عصور الفلسفة القديمة إلي أحدث عصورها‏..‏ كتبا ومراجع‏..‏ مؤلفة ومحققة ومترجمة هي كالمناجم التي ربما يكتشف قيمتها العلمية جيل آخر غير الأجيال المعاصرة‏.‏ جيل يكون أكثر انصافا وأشد عدلا ليدرك قيمتها وجهد صاحبها وكيف أنه نذر نفسه لها حتي آخر أيامه‏.‏

أقول علي الرغم من هذا الانتاج الغزير‏,‏ والاسهامات العظيمة في البناء الفلسفي ليس علي المستوي الإقليمي أو القومي‏,‏ وإنما علي المستوي العالمي حيث يمثل مذهبه الزمان الوجودي بناء جديدا وأصيلا في صرح الفلسفة الوجودية‏..‏ أقول علي الرغم من ذلك فإن أقلامنا لا تجف وألسنتنا لا تكف عن مهاجمته‏,‏ والتنديد بما قدم من إنجازات‏,‏ لا أظن ان واحدا من أهل زماننا يستطيع أن يأتي بمثلها في الشرق العربي أو المغرب العربي‏.‏ وإلا فأرونا من هو هذا المفكر الذي بطول قامته

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية