قضايا و اراء

42245‏السنة 126-العدد2002اغسطس5‏26 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

السياسة ومجتمع المعرفة
بقلم : د‏.‏ محمد السيد سعيد

لايوجد في الحقيقة ما يسمي بمجتمع المعرفة‏.‏ والمصطلح نفسه نتج عن حسرة المثقف الحكيم في مجتمع يحتقر المعرفة ولايعرف قيمتها‏.‏ المعرفة إذن قيمة وليس علاقة‏.‏ ومثلها في ذلك مثل الثروة والقوة‏.‏ كل من تلك القيم تنتج عن نظام بعينه للعلاقات الاجتماعية ولكنها ليست هذه العلاقات نفسها‏.‏ فالثروة تنتج عن أشكال فعالة لتوظيف وإكثار الثروة‏.‏ ولكننا لانعرف سوي القليل عن المجتمع لو وصفناه بصفة الثروة فقلنا إنه مجتمع فقير أو مجتمع غني‏.‏ ويمكننا أن نتحدث عن مجتمع المعرفة بالمعني نفسه‏.‏ فهو هنا المجتمع الذي تكثر فيه المعرفة وتتاح أدوات إنتاجها وتدويرها أو نشرها‏.‏
ولكن إنتاج كثرة من المعارف مثل إنتاج كثرة من الثروات ليس أمرا دالا بالضرورة عن نمط توزيع المعرفة أو طرق انتاجها أو علاقتها بالثروة وبالسلطة‏.‏ ولهذا لايعني مصطلح مجتمع المعرفة الكثير‏.‏ وهناك سبب أهم لنقد مفهوم مجتمع المعرفة فتوفر تدفق جبار من المعارف لايعني الإفادة بها فعلا فيما له دلالة علي قيم هذا المجتمع ومستقبله ودوره في العالم‏,‏ ناهيك عن عدالته أو صواب اختياراته‏.‏ ولكي نحكم علي مجتمع ما بهذه المعايير لابد أن نشخص طبيعة عملية إنتاج المعرفة وتوزيعها‏,‏ والأهم طبيعة عملية إنتاج السلطة وتوزيعها وعلاقتها بالمعرفة ومنتجي المعرفة‏.‏

لنفترض أننا نعرف قانونا علميا ما في مجال المجتمع فهل نتصرف علي أساسه بالضرورة؟ إننا نحتاج للمعرفة لأن ثمة متعة في المعرفة بذاتها‏.‏ ويستحيل في الوفت نفسه أن نكتفي بالمتعة المعرفية الساكنة في الصدور لأنها حتما تنقلب إلي غم وضيق إذا لم نتصرف علي أساسها عندما نحتاجها حقا‏.‏ فللمعرفة غرض جوهري وهو إدراك الاختيارات المتاحة والأخذ بأفضل اختيار ممكن في لحظة بعينها‏.‏ ولكي نعرف أفضل اختيار لابد أن نعي نتائجه السلبية والإيجابية بالمقارنة بغيره‏.‏ وأبسط صور المقارنة السليمة هي مضاهاة تكلفة كل اختيار بعائده ماديا وأخلاقيا‏.‏ فهذه المضاهاة هي المقياس الذي تستعمله المعرفة العقلانية للاختيار بين بدائل‏.‏
لم يعد من الممكن لأي مجتمع يعيش عصر العلم الحديث ولو من بعد أن يتجاهل حصيلة المعرفة الناجمة عن البحث المنظم سواء كان علميا أم إبداعيا‏.‏ ولكن ليس هناك مجتمع موجود بالفعل يؤسس اختياراته وسياساته علي المعرفة العلمية باعتبارها القيمة أو المحك المتفق عليه للاختيار‏.‏ وربما يجب أن ندهش لهذه الحقيقة علي الأقل بالنسبة للمجتمعات المتقدمة التي يتوافر لديها سيل لاينقطع من المعارف‏.‏ لماذا ــ إذن ــ لاتأخذ المجتمعات بالمعرفة العلمية كحكم نهائي وخالص للاختيار بين بدائل مختلفة وممكنة؟

هناك بالطبع أسباب عديدة‏.‏ فالمجتمع يتشكل من بشر والسلوك البشري فيه دوافع كثيرة لا صلة لها بالمعرفة أو العلم أوحتي السلامة العقلية والوجدانية‏.‏ فالعقلانية واللا عقلانية تتعايشان بنسب مختلفة في كل شخص وكل جماعة بشرية‏.‏ بل إنهما تتفاعلان بالضرورة‏.‏ فقد تستخدم النزعات اللاعقلانية موهبة العقل‏.‏ وقد يسعي العقل لتهذيب أو السيطرة علي النزعات اللاعقلانية لضمان تقييد الشرور الناجمة عنها‏.‏ والواقع أن أغلب المجتمعات تعرف العقلانية المستلبة بمعني توظيف المعارف العلمية لتحقيق أغراض لا شأن لها بالمعرفة أو بالأخلاق‏.‏ وظاهرة الحرب خاصة الحرب العدوانية هي تجسيد تقليدي لهذه الحالة‏.‏ ومن هنا يميز الفلاسفة بين المعرفة الاستعمالية والمعرفة النقدية أو الأخلاقية‏.‏ ولأن المجتمعات المتقدمة من حيث التعريف هي تلك التي تستعمل المعرفة العلمية دون أن يكون الغرض من هذا الاستعمال خيرا أو نبيلا بالضرورة نمت ثورة ضد ــ أو نزعة احتقار ــ هذه المعرفة بين طائفة من أنبل العلماء والمفكرين والحكماء داخل هذه المجتمعات المتقدمة‏.‏ ولكن هذه الطائفة صغيرة العدد ولا تملك سوي نفوذ معنوي محدود‏.‏ بل أعتقد أنها تنكمش بالمقارنة بمرحلة ما بعد الحرب الثانية‏.‏

ولكن هناك مصدرا آخر تماما لنزعة احتقار المعرفة وهو السياسة‏.‏ فالسياسة تعبير عن مصالح وهي تتدخل في تشكيل وتوظيف المعرفة وتدفقاتها أو طعن أبسط المعارف في الصميم بأشكال غاية في التنوع‏,‏ وتتوقف هذه الأشكال علي مدي ما حققه أي مجتمع في الأصل من إنجاز ديمقراطي‏.‏ فعندما نضاهي بين اختيار وآخر قد نسأل أيهما أقل تكلفة وأكثر عائدا‏.‏ ولكننا يجب أن نسأل أيضا‏:‏ أفضل بالنسبة لمن؟
فأفضل اختيار بالنسبة للمجتمع مأخوذ كأنه فرد واحد ليس بالضرورة هو أفضل اختيار بالنسبة لمختلف الأفراد والأقسام التي يتشكل منها المجتمع‏.‏ وقد يكون أفضل اختيار بالنسبة للمجتمع هو أسوأ اختيار بالنسبة لبعض شرائحه‏.‏ هناك أمثلة معروفة وواضحة تماما‏.‏ فالإقطاع مثلا هو امتياز منسوب لطبقة لا لسبب سوي قوتها وتوارثها للقوة والسلطة‏.‏ ومهما يقل العلماء والعارفون إن الإقطاع اختيار سيئ بالنسبة للمجتمع لن يتخلي الإقطاعيون عن امتيازاتهم طوعا‏.‏ ولا يقع الإقطاع في مجال الأرض والاقتصاد وحدهما بل وفي مجال السياسة أيضا‏.‏ يعني الإقطاع هنا منح طبقة أو شريحة ما لنفسها حق امتلاك السلطة وممارستها كشيء يخصها‏.‏ هذا الإقطاع السياسي أسوأ وأصعب علي التغيير من إقطاع الأرض أو حتي الاقطاع المالي‏.‏ ذلك أن الإقطاع السياسي عادة ما يكون هو المصدر لكل صور الإقطاع الأخري بما في ذلك الإقطاع المعرفي‏.‏

يعني الإقطاع المعرفي منح منتجين ما للمعرفة امتيازا ثابتا وسابقا علي ثبوت امتيازهم في مجالهم أو قيمة وفائدة ما يملكونه وينتجونه من معارف‏.‏ وهم بهذا المعني موظفون برتبة علماء أو حكماء أو كهنة‏.‏ وبينما يحصل هؤلاء علي امتيازاتهم بفضل التوظيف التعسفي للسلطة‏,‏ فهم يردون الجميل بمنح الاستبداد مسحة معرفية أو سمة رعاية المعرفة‏.‏ ومعني ذلك أن المجتمع قد يكون إقطاعيا ولكنه ينتج معرفة‏.‏ بل ويشيعها‏.‏ فالاستبداد ليس ضد كل معرفة وإنما ضد المعرفة النقدية وحدها‏.‏ والواقع أن التطور الرأسمالي المعاصر يعيد إلي الحياة أشكالا معينة من الإقطاع المعرفي‏.‏ حيث لا يكاد يكون هناك أمل حقيقي في ترجمة المعرفة إلي خيرات مجتمعية إلا بالقدر الذي تحدده وتقرره مؤسسات الأعمال العملاقة والهياكل الجبارة لبيروقراطية الدولة خاصة جهازها الأمني‏.‏
وتنهض الفكرة الديمقراطية باعتبارها تحريرا للمجتمع من هذا الإقطاع السياسي‏.‏ فالديمقراطية وحكم القانون هما أفضل اختيار بالنسبة للمجتمع ككل‏.‏ ولكنه ليس أفضل اختيار بالنسبة للطغاة أو بالنسبة للطبقة أو الفئة التي تحكم بصورة استبدادية وتعسفية‏,‏ لأن الديمقراطية تسلب منها امتيازات معينة تصل ــ في حالة الدول العربية مثلا ــ إلي امتلاك سلطة الحياة والموت علي بقية المواطنين‏.‏ وتغير الديمقراطية تماما مفهوم السلطة‏.‏ فبدلا من أن تكون امتيازا لشخص أو طائفة من الأشخاص تصبح عقدا اجتماعيا أو وظيفة يمنحها المجتمع ويسحبها باختياره الحر لمن يراه‏.‏ كما أنها تغير تماما ممارسة وظائف السلطة فبدلا من أن تكون أمرا من سيد تصبح أداء لخدمة عامة يحاسب من يؤدونها علي نوعية أدائهم وقد يخلعون من وظائفهم لأن صاحب السلطة هو المجتمع وهو الذي يعين ويفصل من يقومون بالوظائف العامة‏.‏

والطغاة العصريون لايحتقرون المعرفة بالضرورة كما أكدنا ولكنهم يحتقرون حاملي أو منتجي المعرفة‏.‏ فغالبا ما تكون هناك أغلبية من منتجي المعرفة علي استعداد تام لخدمة الطغاة مهما كانت أوهامهم أو أهدافهم مناقضة لأي قيمة أخلاقية أو معرفية‏.‏ وغالبا ما يعمق هذا الاستعداد للخدمة نزعة الطغاة لاحتقار العلماء أو منتجي المعرفة‏.‏ وقليل من الطغاة في التاريخ حملوا إعزازا شخصيا لحكماء أوعلماء أو مبدعين لم ينافقوهم أو يخدموهم خدمة العبد للسيد‏.‏ ولكن هذا الاحترام الداخلي لم يمنعهم من التنكيل بالعلماء الذين جرأوا علي معارضتهم‏.‏ وراوح أكثر الطغاة في التاريخ بين احتقار العلماء وكراهيتهم‏.‏
من ناحية أخري الديموقراطية ليست شيئا نهائيا يتحقق وينتهي الأمر‏.‏ بل هي نضال دائم في مجال السياسة لتقريب السلطة من صاحبها الأصلي وهو المجتمع‏.‏ وهنا يتدخل نمط توزيع الثروة وإدارتها وكذلك أسلوب إنتاج وتدويرأو نشر المعرفة واختبارها وتوظيفها‏.‏ وبهذا المعني لا مجال لبروز مجتمع المعرفة إلا بإنجاز أعلي مستويات الديموقراطية‏,‏ حيث يمكن للجميع المشاركة في إنتاج وتمحيص المعرفة نقديا‏.‏ ولكن هذا المستوي لم يتحقق بالفعل‏.‏ والقول بأن الانترنت هي تجسيد لمجتمع المعرفة يتجاهل أن هناك توزيعا نهائيا للسلطة داخل هذه الشبكات لايتفق مع الديموقراطية التي نتحدث عنها‏.‏ فالشركات العملاقة التي تدير خدمات هذه الشبكة هي في نهاية المطاف هياكل رأسمالية عملاقة‏.‏ وهي ترتبط بكل جوانب النظام الرأسمالي الحديث بما في ذلك العلاقة مع السلطة السياسية‏.‏ ويجب أن نلفت النظر أيضا إلي كيفية إنتاج المعرفة وطبيعة النظام التعليمي وتشكل آليات الإعلام الحديث‏.‏ وقد يدهش البعض من الكيفية التي يتم بها بث برامج وأفكار أشد بدائية وهمجية ذهنيا وأخلاقيا في شبكات تلفازية ومعلوماتية كبري في أكثر المجتمعات العصرية توفرا علي إنتاج المعارف مثل الولايات المتحدة‏.
‏ إن لم تكن تصدق ما أزعم هنا‏,‏ عليك متابعة عشرات من الشبكات التلفازية في أمريكا مثلا وهي تبث خرافات بدائية بصورة بالغة العدوانية والبهلوانية‏.‏ وإن لم يكن لديك وقت يكفي أن تتابع واحدة من أكبر الشبكات التلفازية والإخبارية والمعلوماتية اسمها فوكس نيوز‏,‏ عندها قد تدرك أن طغاة العالم الثالث ليسوا وحدهم في التلاعب الفظ بالعقول أو احتقار المعرفة النقدية أو كراهية العلماء ومعاقبتهم بهم‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية