|
|
 |
لندن وزيارة سريعة إليها بعد سنوات من آخر زيارة.. .. والمفاجأة كانت في سطوع الشمس في مدينة الضباب, واختفاء أمطارها, وهذا الارتفاع غير المتوقع لحرارة الجو, والتي فاقتها حرارة المناقشات والأحاديث التي أتاحها انخفاض الحرارة قليلا في المساء, الأمر الذي سمح بلقاءات عديدة, تناولت مجريات الأحداث التي تملأ الساحة العالمية, وفي مقدمتها بطبيعة الحال ما يدور في منطقتنا بسبب هذا الصراع المزمن بين العرب واسرائيل منذ أكثرمن50 عاما, والذي تتصاعد حدته يوما بعد يوم, مما ينذر بمخاطر تهدد أمن واستقرار المنطقة ومصالح شعوبها والعالم كله, وهو ما حذر منه زعيم مصر مبارك مرات عديدة, ويواصل جهوده المخلصة بدور بارز, يسعي به إلي وقف دائرة العنف الجهنمية, وعودة الطرفين إلي مائدة المفاوضات للوصول إلي السلام العادل والشامل.
.. وكانت الرسالة التي تلقاها الرئيس من توني بلير رئيس وزراء بريطانيا, والتي تضمنت رؤيته للوضع في الشرق الأوسط, والتعاون المصري ـ البريطاني خلال المرحلة الحالية, وحملها مبعوثه الخاص اللورد مايكل ليفي ـ مفتاحا للمناقشات التي كشفت بوضوح كبير عن أهمية التحرك المصري مع كافة الأطراف, ومن بينها بريطانيا باعتبارها أحد قادة التحرك الأوروبي إلي جانب فرنسا والمانيا, خاصة أن الرئيس مبارك كان في طريقه بعد أيام إلي فرنسا لمباحثات مع الرئيس شيراك, ثم إسبانيا لمباحثات مع الملك خوان كارلوس ورئيس الوزراء أثنار, تواصلا لهذا التحرك المصري. .. وأستطيع القول باختصار إن محصلة ما جري من مناقشات وأحاديث في ليالي لندن تؤكد أن العلاقات المصرية ـ البريطانية, علاقات طويلة ومتميزة, وتعاون البلدين في حل قضية الشرق الأوسط, يحكمه إدراك بريطاني لأهمية الدور المصري علي المستويين الاقليمي والعالمي, ومصداقية سياستها تجاه السلام التي يقودها باقتدار الرئيس مبارك, مثلما يحكمها تقدير مصر للدور القيادي الذي تقوم به بريطانيا في صياغة مواقف الاتحاد الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية, إلي جانب علاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة, وإمكان إحداث تأثير معقول في مواقفها.
.. وانطلاقا من هذه الأرضية أشار محدثي إلي سلسلة الاتصالات والرسائل المتبادلة بين الرئيس مبارك ورئيس الوزراء توني بلير, منذ قدوم حزب العمل الجديد إلي السلطة عام1997, وتتناول مختلف القضايا, وما بين هذه الاتصالات ورسائل التشاور, قام بلير بزيارتين للقاهرة علي مدي ثلاثة أشهر من العام الماضي, كما قام الرئيس بزيارة إلي لندن في يونيو الماضي, وهو في طريقه إلي واشنطن, حيث اجتمع مع الرئيس الأمريكي بوش في كامب ديفيد. ... ومن خلال المباحثات التي جرت في هذه اللقاءات خرجت تصريحات من القيادتين, تعطي مؤشرات واضحة حول نقاط الاتفاق الكثيرة التي تسهم في دفع منطقة الشرق الأوسط إلي السلام المأمول, يمكن تلخيصها في التالي:
(1) الاتفاق علي ضرورة إقامة دولة فلسطينية جنبا إلي جنب مع اسرائيل, وتتعايش الدولتان سلميا, بما يضمن أمن وسلام واستقرار الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي. (2) ضرورة العمل علي المسارين الأمني والسياسي بالتوازي للخروج من حالة تجميد العملية السلمية.
(3) أنه لايمكن وقف دائرة العنف بين الجانبين إلا إذا كانت هناك مفاوضات سياسية جادة, تبعث الأمل في نفوس المواطنين علي الجانبين بأن السلام قادم. (4) احترام حق الشعب الفلسطيني في اختيار قادته, والموقف المصري واضح في ذلك تماما, بأن الرئيس عرفات هو الرئيس الشرعي الذي جاء بانتخاب من الشعب الفلسطيني, وبالتالي فإن الموقف البريطاني يتفق علي أنه في حالة إعادة انتخاب عرفات سيصبح هو القائد الذي يتم التعامل معه. .. وأسعدني حقا أن يجمع المتحدثون علي أنه من المؤكد أن نقاط الاتفاق المصري ــ البريطاني سوف تسهم بشكل فعال في إنهاء هذا الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي, خاصة أن مصداقية الرئيس مبارك وسياسته الواضحة في هذا المجال, شكلت رأيا عاما دوليا لايمكن إغفال تأثيره علي الجهود التي تبذل من أجل تحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة, مهما تكمن العقبات.
*** .. وتمتد مناقشات وأحاديث سهرات ليالي لندن في هذه الزيارة السريعة إلي مجموعة من المشاهد, التي تعبر عن موقف الرأي العام البريطاني للأحداث من خلال متابعة وقراءة جادة يمكن رصدها بالتالي:
* أولا: في جلسة لمجلس العموم البريطاني, وصفتها الصحافة بأنها الأولي في أهميتها وسخونتها, لم يشهدها المجلس منذ سنوات, حيث وجه عدد من الأعضاء هجوما غير مسبوق علي اسرائيل تلتقط منه ما قاله النائب اليهودي البارز جيرالد كدفمان من أن رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون مجرم حرب يلوث نجمة داود بدماء الفلسطينيين, وفي الجلسة نفسها قال وزير الخارجية جاك سترو: إن بريطانيا تتحمل المزيد من المسئولية عن الموقف الحالي في الشرق الأوسط, حيث إن وزير الخارجية الأسبق بلفور هو الذي وعد بوطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين, وأصبح الحل الوحيد هو قيام دولة فلسطينية, كما أن دولة اسرائيل لا ينتظرها مستقبل إلا بالتوصل إلي حل مع الفلسطينيين.
* ثانيا: هناك مناقشات ساخنة داخل مجلس العموم تساند الموقفين الفلسطينيين والعراقي, وتشكلت مجموعة برلمانية باسم الحملة من أجل فلسطين ومن بين أعضائها, العضو البارز جيرمي كورين, قرر زيارة مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة لمساندة الفلسطينيين, وفضح الأساليب الاسرائيلية في مجزرة جنين, وعدم سماحهم للجنة تقصي الحقائق لأداء مهمتها بالدخول إلي المخيم.
* ثالثا: قال محدثي إن هناك مجموعة تضم أكثر من150 عضوا من أعضاء حزب العمال الحاكم, تقدموا بمذكرة إلي الحكومة يرفضون فيها أي هجوم تشارك فيه ضد العراق, ويطالبون بضرورة أن تستمع الحكومة إليهم قبل أن تقرر المشاركة في الهجوم علي العراق!
* رابعا: كما تمتد الحملة المعارضة إلي مطالبة الحكومة بفرض حظر ضد مبيعات الأسلحة البريطانية إلي اسرائيل, وإصدارها تراخيص بتصدير مكونات الطائرات المقاتلة الأمريكية الصنع طراز اف16, التي تقدم إلي إسرائيل في المستقبل, لأن هذه التراخيص تتجاهل الحظر الذي سبق أن فرضته الحكومة من قبل علي مبيعات المعدات العسكرية التي تستخدمها اسرائيل ضد الفلسطينيين! .. والحق أن عملية تصدير السلاح أو مكوناته إلي اسرائيل تمثل أهمية كبيرة وسط الرأي العام البريطاني منذ عدة شهور, يقودها عدد من أعضاء مجلس العموم وحزب العمال الحاكم, يعلنون فيها رفضهم سياسة الحكومة في هذا الشأن, ويدور حوار واسع حول قرار تصديق وزير الخارجية سترو علي صفقة لتزويد الولايات المتحدة بقطع من مكونات الطائرة إف16, وتشارك الصحافة البريطانية في هذه الحملة, في مقدمتها صحيفة الاندبندنت التي أشارت إلي تجاهل الحظر الذي فرضته الحكومة من قبل علي مبيعات المعدات العسكرية.
*** هذه مجرد مشاهد قريبةمن العاصمة البريطانية لندن, التقطتها من خلال مناقشات جرت هناك في زيارة سريعة, كلها تؤكد أن بريطانيا تستطيع أن تمارس دورا فاعلا في حل أزمة الشرق الأوسط سواء بحكم موقعها في الاتحاد الأوروبي أو من خلال علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة سياسيا وعسكريا, وبحكم عضويتها في حلف الناتو, وهو ما أتصور أنها سوف تمارس هذا الدور بالحوار والتشاور المستمرين مع القادة العرب وفي مقدمتهم الرئيس مبارك, خاصة أن بلير أكد خلال زيارته للقاهرة, أنه مهما يكن حجم الجدل حول قضية الشرق الأوسط, فإننا نعود إلي حقيقة أساسية وهي أن اسرائيل لن تختفي من الوجود, كذلك فإن الفلسطينيين لن يختفوا! .. وتنتهي مناقشات لندن وأحاديثها بحرارتها المرتفعة, مع حرارة جوها غير المتوقعة, لكي تلفحني حرارة جو القاهرة, كما لو أن الجو يشارك الأحداث في سخونتها! |
|
|
|
|
|