|
|
وفقا لما جاء في نظريات العلاقات الدولية, فإن الدول تتبع واحدة من ثلاث استراتيجيات ممكنة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية, وحماية أمنها القومي, وأولاها الاعتماد علي الذات بحيث تستخدم الدولة أدواتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية المتولدة داخلها لحماية مصالحها, ومن أجل تعظيم مكاسبها من البيئة الدولية والاقليمية, والتقليل من المخاطر التي تتعرض لها, والأهم من ذلك كله, منع الآخرين من تهديد أراضيها وتكاملها الإقليمي, وتوجد هذه الاستراتيجية عادة في الدول العظمي والكبري كثيرة الموارد, ومنها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقا, والي حد ما الصين والهند, وميزاتها الرئيسية أنها تجعل قرارات السياسة الخارجية والأمن القومي خالصة في يد الدولة ذاتها دون تأثير من الدول الأخري حتي من حلفائها, أما مشكلتها الكبري فهي أنها مكلفة للغاية, وكثيرا ما تؤدي الي استنزاف الموارد الداخلية وضعف الدولة وانهيارها, كما حدث مع الدولة السوفيتية, خاصة اذا ما تصاعدت أسقف أهداف السياسة الخارجية بحيث تزيد تكلفتها المادية والمعنوية علي العائد الاقتصادي أو الاستراتيجي منها. وثانيتها, استراتيجية التوازن, وهي أكثر الاستراتيجيات ذيوعا في النظام الدولي حينما تتحالف الدولة مع دول أخري, من أجل مواجهة خصم أو خصوم محتملين, وميزتها أنها تعوض النقص في موارد الدولة من خلال استخدام موارد الدول الأخري, أما عيبها فهي تقيد صنع القرار فيها بأجهزة صنع القرار في الدول الأخري, وكثيرا ما تضيف خصومات وعداءات تخص الحلفاء بأكثر مما تخص الدولة ذاتها, وزكثر الأمثلة ذيوعا علي ذلك الأحلاف المتصارعة خلال الحربين العالميتين الأولي والثانية, ومن بعدها توازنات حلف الأطلنطي وحلف وارسو خلال فترة الحرب الباردة, واتفاقية الدفاع العربي المشترك, والاتفاقية الأمنية الدفاعية بين الولايات المتحدة واليابان, وهكذا.
وثالثيها, استراتيجية المشاركة مع الخصوم أو اللحاق بهم, وتحدث عادة عندما تكتشف الدولة أنها قد تنهار من جراء تكلفة السياسة الخارجية, أو أن التوازن الذي تسعي إليه لا يحقق أهدافها, وإنما يزيد الأعباء الواقعة عليها, وأحيانا ما تكون المشاركة واللحاق بهدف توفير موارد إضافية للدولة مع التقليل من تبعات سياستها الخارجية, وفوق ذلك اقتسام موارد استراتيجية أو اقتصادية, ولكن ثمن ذلك كله هو أن تقلل الدولة من طموحاتها الخارجية, ويزيد اعتمادها علي قرارات الدولة التي توفر القدر الأعظم من الموارد للعلاقة ذاتها, وعندما وقع الاتحاد السوفيتي معاهدة التحالف مع ألمانيا, قبل الحرب العالمية الثانية, كان الهدف اقتسام أوروبا الشرقية معها, وعندما لحقت ألمانيا واليابان بالولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية, وموسكو بواشنطن بعد انتهاء الحرب الباردة, كان الهدف التقليل من الأعباء وزيادة الموارد.
هذه الاستراتيجيات الثلاث, لا توجد أبدا في حالة نقية في الواقع, وتحاول كل دول العالم المزج بينها بطريقة خلاقة, بحيث تعظم من مكاسبها وتقلل من المخاطر الواقعة عليها, ولذلك فإننا عندما نحاول وصف سياسة دولة ما بأنها الاعتماد علي الذات أو التوازن أو المشاركة, فإننا نعني أن ذلك يمثل الخط الاستراتيجي الغالب علي الدولة, وليس كل استراتيجياتها, وعلي سبيل المثال فإن الاستراتيجية الغالبة علي فجر الدولة المصرية الحديثة كان الاعتماد علي الذات وعلي الموارد المصرية الخاصة, وحاول محمد علي الكبير أن يزيد هذه الموارد من خلال التصنيع والتوسع الخارجي, ولكن ذلك لم يمنع من تطعيم هذه الاستراتيجية ببعض من التوازن من خلال العلاقات مع عدد من الدول الأوروبية خاصة في فرنسا, بل واللحاق والمشاركة من خلال تقديم العون للدولة العثمانية في مواجهتها مع المتمردين عليها في الجزيرة العربية أو في اليونان, ولعل هزيمة محمد علي في النهاية أمام تحالف القوي العظمي كان راجعا للخلل بين موارد الدولة من جانب, وأهداف السياسة الخارجية من جانب آخر, والعجز الكامل عن إيجاد توازنات بين الدول الأوروبية التي كانت متطاحنة ومتناقضة في حد ذاتها, فضلا عن خصوصيتها مع الدولة العثمانية.
وبالمقابل فإن استراتيجية المشاركة واللحاق التي اتبعتها مصر علي مدي قرن كامل بعد ذلك وعلي وجه التحديد ما بين1840 و1945 لم تخل من العمل علي الاعتماد علي الذات, من خلال تنمية الموارد المصرية, ولم يكن ارسال البعثات وتنمية البنية الأساسية الخاصة بالري والسكك الحديدية وتطوير التعليم, وزيادة عدد الجيش الي الرقم الذي جاء في الفرمانات السلطانية ـ كما كان طلب عرابي باشا ـ إلا محاولات لرفع القدرات المصرية بحيث تزيد من مكانتها داخل عملية المشاركة, كما أن هذه الفترة لم تخل أيضا من محاولات لبناء توازن مضاد للعلاقة مع بريطانيا من خلال بناء الجسور مع فرنسا, ومحاولات إعادة بناء العلاقة مع الباب العالي في استنبول, وكان حصاد ذلك كله ملتبسا الي حد كبير, فهذه الاستراتيجية ـ أو هذا الخليط من الاستراتيجيات ـ لم تسمح بتحقيق الاستقلال الكامل لمصر حتي في اتفاقية عام1936, بل انها سمحت باحتلالها من قبل بريطانيا علي مدي سبعة عقود. ولكن من جانب آخر, فإن مصر علي مدي قرن ونصف تقريبا لم تكن مستعمرة بالمعني التقليدي, وفيما عدا سنوات الحرب العالمية الأولي وفرض الحماية عليها من قبل بريطانيا, فإن الدولة المصرية تمتعت بدرجات من الاستقلال أتاحت لها أن تمر بعملية تحديث لم تظفر بها دولة أخري في المنطقة, وخلال هذه العملية نمت الوطنية المصرية وتعرفت مصر علي ذاتها وتاريخها من خلال اكتشافات وفرتها لها علاقاتها المتشابكة مع الغرب, وكانت حالة التطور والنمو المصري الصناعي والزراعي والعلمي عند ميلاد المملكة المصرية في عام1922, أعلي بكثير مما كان عليه الحال في تركيا ـ التي اتبعت استراتيجية التوازن من خلال التحالف مع ألمانيا ـ عند ميلاد جمهوريتنا الجديدة في نفس الفترة, وكان ذلك كفيلا بأن تشارك مصر بريطانيا في الحكم الثنائي علي السودان, وتشاركها في تنظيم تدفق مياه النيل في أعالي نهر النيل, والجلوس علي قدم المساواة مع الدول الأخري في مؤتمر سان فرانسيسكو, الذي أرسي معالم النظام الدولي الذي تلا الحرب العالمية الثانية وأنشأ الأمم المتحدة.
ولكن المشاركة في مؤتمر سان فرانسيسكو ربما كانت البداية لغلبة استراتيجية التوازن في السياسة الخارجية المصرية, فقد كان ذلك هو الوقت الذي سعت فيه مصر الي إلغاء معاهدة1936, وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي, وإنشاء الجامعة العربية, وإيجاد الجسور مع دول أخري في العالم الثالث مثل: ايران والهند, ولكن هذه الاستراتيجية لم تكتمل أركانها حتي قيام ثورة يوليو, التي حولتها الي فلسفة متكاملة للسياسة الخارجية, لا يكتمل دونها الاستقلال المصري, ولا تتحقق بغيرها المصالح المصرية, ولم تكن فكرة الدوائر الثلاث للسياسة الخاجية المصرية ـ العربية والإفريقية والاسلامية ـ إلا محاولة للبناء علي الجغرافيا والتاريخ المصري لبناء أكبر تحالف دولي في مواجهة القوي العظمي, ولعل شعار لا شرقية ولا غربية ولكن قومية عربية كان التجسيد الحي لإيجاد كتلة ثالثة في العلاقات الدولية تحاول أن تجد لنفسها مكانا بين قطبي الحرب الباردة, هذه الكتلة جري دعمها من خلال العلاقة مع بقية دول العالم الثالث وحركات التحرر الوطني فيها, وكانت حركة عدم الانحياز والحياد الايجابي ومجموعة الـ77 هي المظلة التي تجمع تحت راياتها الدول التي خرجت لتوها من العهد الاستعماري محملة بأحلام وطموحات لاتحد, أما الدعم الأكبر من الناحية المادية فقد جاء من خلال علاقة خاصة مع الاتحاد السوفيتي ودول حلف وارسو, رتبت دعما عسكريا واقتصاديا كبيرا.
ولكن وكما هي العادة, فإن سياسة التوازن لم تكن نقية خالصة, فقد كانت هناك تجربة الاعتماد علي الذات من خلال التنمية الصناعية, والتي وصلت الي محاولة تصنيع السلاح خاصة في مجالات الطائرات والصواريخ, وفي لحظة من اللحظات كان الخيار النووي مطروحا, ولم يخل الأمر من بعض عناصر اللحاق التي تجسدت في العلاقات التي تحسنت مع واشنطن عام1959 نتيجة ما بدا من تزايد الشيوعية في البلاد, والحصول علي معونات القمح من الولايات المتحدة, بالإضافة الي العلاقات ذات الطبيعة الخاصة مع فرنسا, ومع ذلك فقد كان الجوهر في الاستراتيجية المصرية هو التوازن من خلال أحلاف وتآلفات دولية للتعامل مع إسرائيل وتحالفاتها وتآلفاتها الغربية, وربما كانت أعظم انجازات هذه الاستراتيجية ما حدث في شهر أكتوبر عام1973, عندما عبر جنودها مانع قناة السويس بأسلحة سوفيتية, ووسط أكبر تحالف عربي وإفريقي وإسلامي وعالم ثالثي عرفته في تاريخها, وكان ذلك بداية تحرير الأراضي المصرية التي جري احتلالها في يونيو1967, ولكن استكمال التحرير كان يتطلب استراتيجية أخري مختلفة, فماذا كان حصاد استراتيجية التوازن التي اتبعتها الثورة خلال الخمسينيات والستينيات, وماذا كان عائد الاستراتيجيات اللاحقة؟ كلها أسئلة تستحق الإجابة!. |
|
|
|
|
|