ملفات الأهرام

42245‏السنة 126-العدد2002اغسطس5‏26 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

خمسون عاما علي ثورة يوليو‏[4]‏
السياسة الخارجية والأمن القومي
بقلم : د‏.‏ عبدالمنعم سعيد

وفقا لما جاء في نظريات العلاقات الدولية‏,‏ فإن الدول تتبع واحدة من ثلاث استراتيجيات ممكنة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية‏,‏ وحماية أمنها القومي‏,‏ وأولاها الاعتماد علي الذات بحيث تستخدم الدولة أدواتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية المتولدة داخلها لحماية مصالحها‏,‏ ومن أجل تعظيم مكاسبها من البيئة الدولية والاقليمية‏,‏ والتقليل من المخاطر التي تتعرض لها‏,‏ والأهم من ذلك كله‏,‏ منع الآخرين من تهديد أراضيها وتكاملها الإقليمي‏,‏ وتوجد هذه الاستراتيجية عادة في الدول العظمي والكبري كثيرة الموارد‏,‏ ومنها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقا‏,‏ والي حد ما الصين والهند‏,‏ وميزاتها الرئيسية أنها تجعل قرارات السياسة الخارجية والأمن القومي خالصة في يد الدولة ذاتها دون تأثير من الدول الأخري حتي من حلفائها‏,‏ أما مشكلتها الكبري فهي أنها مكلفة للغاية‏,‏ وكثيرا ما تؤدي الي استنزاف الموارد الداخلية وضعف الدولة وانهيارها‏,‏ كما حدث مع الدولة السوفيتية‏,‏ خاصة اذا ما تصاعدت أسقف أهداف السياسة الخارجية بحيث تزيد تكلفتها المادية والمعنوية علي العائد الاقتصادي أو الاستراتيجي منها‏.‏
وثانيتها‏,‏ استراتيجية التوازن‏,‏ وهي أكثر الاستراتيجيات ذيوعا في النظام الدولي حينما تتحالف الدولة مع دول أخري‏,‏ من أجل مواجهة خصم أو خصوم محتملين‏,‏ وميزتها أنها تعوض النقص في موارد الدولة من خلال استخدام موارد الدول الأخري‏,‏ أما عيبها فهي تقيد صنع القرار فيها بأجهزة صنع القرار في الدول الأخري‏,‏ وكثيرا ما تضيف خصومات وعداءات تخص الحلفاء بأكثر مما تخص الدولة ذاتها‏,‏ وزكثر الأمثلة ذيوعا علي ذلك الأحلاف المتصارعة خلال الحربين العالميتين الأولي والثانية‏,‏ ومن بعدها توازنات حلف الأطلنطي وحلف وارسو خلال فترة الحرب الباردة‏,‏ واتفاقية الدفاع العربي المشترك‏,‏ والاتفاقية الأمنية الدفاعية بين الولايات المتحدة واليابان‏,‏ وهكذا‏.‏

وثالثيها‏,‏ استراتيجية المشاركة مع الخصوم أو اللحاق بهم‏,‏ وتحدث عادة عندما تكتشف الدولة أنها قد تنهار من جراء تكلفة السياسة الخارجية‏,‏ أو أن التوازن الذي تسعي إليه لا يحقق أهدافها‏,‏ وإنما يزيد الأعباء الواقعة عليها‏,‏ وأحيانا ما تكون المشاركة واللحاق بهدف توفير موارد إضافية للدولة مع التقليل من تبعات سياستها الخارجية‏,‏ وفوق ذلك اقتسام موارد استراتيجية أو اقتصادية‏,‏ ولكن ثمن ذلك كله هو أن تقلل الدولة من طموحاتها الخارجية‏,‏ ويزيد اعتمادها علي قرارات الدولة التي توفر القدر الأعظم من الموارد للعلاقة ذاتها‏,‏ وعندما وقع الاتحاد السوفيتي معاهدة التحالف مع ألمانيا‏,‏ قبل الحرب العالمية الثانية‏,‏ كان الهدف اقتسام أوروبا الشرقية معها‏,‏ وعندما لحقت ألمانيا واليابان بالولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية‏,‏ وموسكو بواشنطن بعد انتهاء الحرب الباردة‏,‏ كان الهدف التقليل من الأعباء وزيادة الموارد‏.‏

هذه الاستراتيجيات الثلاث‏,‏ لا توجد أبدا في حالة نقية في الواقع‏,‏ وتحاول كل دول العالم المزج بينها بطريقة خلاقة‏,‏ بحيث تعظم من مكاسبها وتقلل من المخاطر الواقعة عليها‏,‏ ولذلك فإننا عندما نحاول وصف سياسة دولة ما بأنها الاعتماد علي الذات أو التوازن أو المشاركة‏,‏ فإننا نعني أن ذلك يمثل الخط الاستراتيجي الغالب علي الدولة‏,‏ وليس كل استراتيجياتها‏,‏ وعلي سبيل المثال فإن الاستراتيجية الغالبة علي فجر الدولة المصرية الحديثة كان الاعتماد علي الذات وعلي الموارد المصرية الخاصة‏,‏ وحاول محمد علي الكبير أن يزيد هذه الموارد من خلال التصنيع والتوسع الخارجي‏,‏ ولكن ذلك لم يمنع من تطعيم هذه الاستراتيجية ببعض من التوازن من خلال العلاقات مع عدد من الدول الأوروبية خاصة في فرنسا‏,‏ بل واللحاق والمشاركة من خلال تقديم العون للدولة العثمانية في مواجهتها مع المتمردين عليها في الجزيرة العربية أو في اليونان‏,‏ ولعل هزيمة محمد علي في النهاية أمام تحالف القوي العظمي كان راجعا للخلل بين موارد الدولة من جانب‏,‏ وأهداف السياسة الخارجية من جانب آخر‏,‏ والعجز الكامل عن إيجاد توازنات بين الدول الأوروبية التي كانت متطاحنة ومتناقضة في حد ذاتها‏,‏ فضلا عن خصوصيتها مع الدولة العثمانية‏.‏

وبالمقابل فإن استراتيجية المشاركة واللحاق التي اتبعتها مصر علي مدي قرن كامل بعد ذلك وعلي وجه التحديد ما بين‏1840‏ و‏1945‏ لم تخل من العمل علي الاعتماد علي الذات‏,‏ من خلال تنمية الموارد المصرية‏,‏ ولم يكن ارسال البعثات وتنمية البنية الأساسية الخاصة بالري والسكك الحديدية وتطوير التعليم‏,‏ وزيادة عدد الجيش الي الرقم الذي جاء في الفرمانات السلطانية ـ كما كان طلب عرابي باشا ـ إلا محاولات لرفع القدرات المصرية بحيث تزيد من مكانتها داخل عملية المشاركة‏,‏ كما أن هذه الفترة لم تخل أيضا من محاولات لبناء توازن مضاد للعلاقة مع بريطانيا من خلال بناء الجسور مع فرنسا‏,‏ ومحاولات إعادة بناء العلاقة مع الباب العالي في استنبول‏,‏ وكان حصاد ذلك كله ملتبسا الي حد كبير‏,‏ فهذه الاستراتيجية ـ أو هذا الخليط من الاستراتيجيات ـ لم تسمح بتحقيق الاستقلال الكامل لمصر حتي في اتفاقية عام‏1936,‏ بل انها سمحت باحتلالها من قبل بريطانيا علي مدي سبعة عقود‏.‏
ولكن من جانب آخر‏,‏ فإن مصر علي مدي قرن ونصف تقريبا لم تكن مستعمرة بالمعني التقليدي‏,‏ وفيما عدا سنوات الحرب العالمية الأولي وفرض الحماية عليها من قبل بريطانيا‏,‏ فإن الدولة المصرية تمتعت بدرجات من الاستقلال أتاحت لها أن تمر بعملية تحديث لم تظفر بها دولة أخري في المنطقة‏,‏ وخلال هذه العملية نمت الوطنية المصرية وتعرفت مصر علي ذاتها وتاريخها من خلال اكتشافات وفرتها لها علاقاتها المتشابكة مع الغرب‏,‏ وكانت حالة التطور والنمو المصري الصناعي والزراعي والعلمي عند ميلاد المملكة المصرية في عام‏1922,‏ أعلي بكثير مما كان عليه الحال في تركيا ـ التي اتبعت استراتيجية التوازن من خلال التحالف مع ألمانيا ـ عند ميلاد جمهوريتنا الجديدة في نفس الفترة‏,‏ وكان ذلك كفيلا بأن تشارك مصر بريطانيا في الحكم الثنائي علي السودان‏,‏ وتشاركها في تنظيم تدفق مياه النيل في أعالي نهر النيل‏,‏ والجلوس علي قدم المساواة مع الدول الأخري في مؤتمر سان فرانسيسكو‏,‏ الذي أرسي معالم النظام الدولي الذي تلا الحرب العالمية الثانية وأنشأ الأمم المتحدة‏.‏

ولكن المشاركة في مؤتمر سان فرانسيسكو ربما كانت البداية لغلبة استراتيجية التوازن في السياسة الخارجية المصرية‏,‏ فقد كان ذلك هو الوقت الذي سعت فيه مصر الي إلغاء معاهدة‏1936,‏ وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي‏,‏ وإنشاء الجامعة العربية‏,‏ وإيجاد الجسور مع دول أخري في العالم الثالث مثل‏:‏ ايران والهند‏,‏ ولكن هذه الاستراتيجية لم تكتمل أركانها حتي قيام ثورة يوليو‏,‏ التي حولتها الي فلسفة متكاملة للسياسة الخارجية‏,‏ لا يكتمل دونها الاستقلال المصري‏,‏ ولا تتحقق بغيرها المصالح المصرية‏,‏ ولم تكن فكرة الدوائر الثلاث للسياسة الخاجية المصرية ـ العربية والإفريقية والاسلامية ـ إلا محاولة للبناء علي الجغرافيا والتاريخ المصري لبناء أكبر تحالف دولي في مواجهة القوي العظمي‏,‏ ولعل شعار لا شرقية ولا غربية ولكن قومية عربية كان التجسيد الحي لإيجاد كتلة ثالثة في العلاقات الدولية تحاول أن تجد لنفسها مكانا بين قطبي الحرب الباردة‏,‏ هذه الكتلة جري دعمها من خلال العلاقة مع بقية دول العالم الثالث وحركات التحرر الوطني فيها‏,‏ وكانت حركة عدم الانحياز والحياد الايجابي ومجموعة الـ‏77‏ هي المظلة التي تجمع تحت راياتها الدول التي خرجت لتوها من العهد الاستعماري محملة بأحلام وطموحات لاتحد‏,‏ أما الدعم الأكبر من الناحية المادية فقد جاء من خلال علاقة خاصة مع الاتحاد السوفيتي ودول حلف وارسو‏,‏ رتبت دعما عسكريا واقتصاديا كبيرا‏.‏

ولكن وكما هي العادة‏,‏ فإن سياسة التوازن لم تكن نقية خالصة‏,‏ فقد كانت هناك تجربة الاعتماد علي الذات من خلال التنمية الصناعية‏,‏ والتي وصلت الي محاولة تصنيع السلاح خاصة في مجالات الطائرات والصواريخ‏,‏ وفي لحظة من اللحظات كان الخيار النووي مطروحا‏,‏ ولم يخل الأمر من بعض عناصر اللحاق التي تجسدت في العلاقات التي تحسنت مع واشنطن عام‏1959‏ نتيجة ما بدا من تزايد الشيوعية في البلاد‏,‏ والحصول علي معونات القمح من الولايات المتحدة‏,‏ بالإضافة الي العلاقات ذات الطبيعة الخاصة مع فرنسا‏,‏ ومع ذلك فقد كان الجوهر في الاستراتيجية المصرية هو التوازن من خلال أحلاف وتآلفات دولية للتعامل مع إسرائيل وتحالفاتها وتآلفاتها الغربية‏,‏ وربما كانت أعظم انجازات هذه الاستراتيجية ما حدث في شهر أكتوبر عام‏1973,‏ عندما عبر جنودها مانع قناة السويس بأسلحة سوفيتية‏,‏ ووسط أكبر تحالف عربي وإفريقي وإسلامي وعالم ثالثي عرفته في تاريخها‏,‏ وكان ذلك بداية تحرير الأراضي المصرية التي جري احتلالها في يونيو‏1967,‏ ولكن استكمال التحرير كان يتطلب استراتيجية أخري مختلفة‏,‏ فماذا كان حصاد استراتيجية التوازن التي اتبعتها الثورة خلال الخمسينيات والستينيات‏,‏ وماذا كان عائد الاستراتيجيات اللاحقة؟ كلها أسئلة تستحق الإجابة‏!.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية