إن الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع المدني, لهي من الأهمية بمكان لازدهار أحوال الناس وتقدمهم, إنها الأساس لتحقيق التعاون بين الطرفين وتقليل الصدام المستمر بينهما, والسؤال الأساسي الذي تحاول تلك المقالة الإجابة عليه هو: هل توجد ثقة متبادلة بين طرفي المعادلة في مصر أم لا؟. في البداية يجب الإشارة الي أن الدولة هي تلك المؤسسات والأشخاص الذين يقومون بصنع وتنفيذ ومراقبة تنفيذ السياسات التي تمس حياة المواطنين, ومن هنا تقع السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بالإضافة الي مؤسسة الرئاسة والعاملين بالقطاعين العام والخدمة المدنية في دائرة ذلك التعريف, أما المجتمع المدني فهو يمثل تلك المؤسسات والأشخاص الذين يقومون بحماية المواطنين من تعسف أي قرارات غير عادلة وتلبية احتياجات المواطنين غير المشبعة من قبل مؤسسات الدولة, وتلك المؤسسات تنشأ بالإرادة الحرة للأفراد, وإن كانت تخضع للقانون, إلا أنها بعيدة عن سيطرة الدولة, ورغم تعدد التعريفات في الأدبيات, إلا أن التعريف السابق حاول أن يقدم صورة مبسطة وواقعية لهذين المصطلحين.
إن المجتمع المدني بهذا المفهوم موجود في مصر, منذ فترة طويلة تمثل في أشكال مختلفة من التنظيمات, مثل التنظيمات التي جمعت أصحاب الحرفة الواحدة لحماية مصالحهم, والجمعيات الدينية المختلفة, التي قدمت خدمات للمواطنين, وغني عن البيان تاريخ الدولة المركزية في مصر, وإن كان هناك إجماع في الأدبيات التي حللت الوضع السياسي في مصر علي وجود تلك المركزية, إلا أن هناك خلافات حول وجود المجتمع المدني, فالبعض يشكك في وجوده علي اعتبار أن الدولة مسيطرة ولا مجال لوجود ذلك المجتمع المدني, وهذا بالطبع غير صحيح أو غير دقيق لوجود أشكال مختلفة للمجتمع المدني في مصر, وإن كانت ضعيفة في معظمها, لقد استعانت الدولة في عصر مبارك بصورة متزايدة ببعض منظمات المجتمع المدني للقيام بمشروعات تنموية والمساهمة في سد الفراغ الذي تركته الدولة في مجال الخدمات ولاسيما التعليم والصحة, إن الدولة وصلت الي قناعة أنها لا تستطيع أن تحل مشكلات المواطنين دون مشاركة منظمات المجتمع المدني, وظهر ذلك جليا في خطب المسئولين من الرئيس مبارك الي القيادات المختلفة في أجهزة الدولة. إن الدور المتزايد للمجتمع المدني في تحم أعباء التنمية الشاملة قد يكون مؤشرا علي الثقة النسبية التي تضعها الدولة في منظمات المجتمع المدني, وقد يفسره البعض علي أنه شر لابد منه, فالدولة لم تجد مفرا إلا الاستعانة ببعض منظمات المجتمع المدني لمواجهة المشكلات المتزايدة للمواطنين, ويدلل أصحاب هذا الرأي علي ذلك, بالإشارة الي قانون84 لعام2002 الذي صدر أخيرا لتنظيم أحوال الجمعيات والمؤسسات الأهلية, فهذا القانون يبيح الحل الإداري وليس القضائي للجمعيات, كما كان واردا في القانون المحكوم عليه بعدم الدستورية( قانون153 لعام1999), وكذلك القيود العديدة علي تمويل وأنشطة الجمعيات, ويشير هذا الفريق الي قوانين أخري تقيد حركة المجتمع المدني وتعكس عدم الثقة فيه من قبل الدولة, مثل قانون الأحزاب السياسية وقانون النقابات المهنية, أما الفريق الذي يري أن الدولة بدأت تثق في بعض مؤسسات المجتمع المدني فيشيرون الي أن قانون الجمعيات الأهلية رغم القيود العديدة التي يفرضها علي الجمعيات, إلا أن هناك بعض الايجابيات مثل تشجيع الجمعيات علي القيام بأنشطة مدرة للربح لكي تتوسع في مشروعاتها التنموية, بالإضافة الي ذلك يشير ذلك الفريق الي قانون الصحافة رقم95 لعام1996, الذي ألغي قانون رقم93 لعام1995, حيث استجابت الدولة لبعض مطالب المجتمع المدني. في الواقع أن هناك أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع المدني في مصر, فهناك شك مستمر من قبل مؤسسات المجتمع المدني في نيات الدولة, وتفسير كل القرارات والقوانين علي أنها محاولات مستمرة لإجهاض المجتمع المدني, في الوقت ذاته هناك شك من قبل الدولة في أنشطة المجتمع المدني ولاسيما الأنشطة ذات الطابع السياسي المحض, والعقلية التي تحكم التفاعلات بين الطرفين أن الصراع هو سمة العلاقة, وأن ادارة االصراع تتم في معظم الحالات بصورة تصادمية وليس بصورة تفاوضية, إن المجتمع المدني القوي يحتاج الي دولة قوية وأن الدولة القوية تحتاج الي مجتمع مدني قوي, وبالتالي لابد من البدء بإجراءات بناء الثقة بين الجانبين انطلاقا من الفلسفة التعاونية التي يحتاج فيها كل طرف للطرف الآخر.
بالنسبة للمجتمع المدني, فهو لايركز علي بعض الإيجابيات القليلة الموجودة في القوانين والواقع, والتي يمكن البناء عليها لإحداث تغيرات شاملة بصورة تدريجية تحقق الصالح العام, كثيرا ما تركز قوي المجتمع المدني علي أن الايجابيات هي منحة من الدولة يمكن منعها وفقا لهوي النخبة الحاكمة, وهذا ليس صحيحا بصورة مطلقة, فهناك قيود داخلية وخارجية علي الدولة تمنعها أو تأخذها الدولة في الحسبان عند القيام بإصدار أي قرار, ومن هنا لابد للمجتمع المدني أن يخلع عنه صفة التشاؤم, والتشكيك المستمر في نيات الدولة, وعليه أيضا أن يستفيد من الايجابيات المتناثرة هنا وهناك للبناء عليها, علي سبيل المثال فإن برنامج التكيف الهيكلي يسهم بصورة ما في تفكيك سيطرة الدولة علي بعض القطاعات ويحررها من وصاية الدولة, وعلي المجتمع المدني أن يستفيد من ذلك التحول ويثبت للدولة أنه قادر علي لعب دور الشريك وليس العدو الذي يتربص بما يحيق الدولة من ضعف ما, إن الفراغ الذي تتركه الدولة في بعض المجالات هو فرصة علي منظمات المجتمع المدني الاستفادة منها, إن المجتمع المدني عليه أن يشجع الدولة علي القيام بخطوات أكبر لتحقيق مصالح الطرفين, وبالتالي فعليه أن يسلط الضوء علي الايجابيات بجانب الإشارة للسلبيات, ففي قانون الجمعيات الأهلية كان علي المجتمع المدني أن يركز علي بعض الايجابيات ولاسيما تشجيع الجمعيات علي القيام بأنشطة مدرة للربح لتحقيق أهدافها التنموية, ثم إن الجمعيات التي لم تسجل مثل المنظمة المصرية لحقوق الإنسان لاتزال تمارس نشاطها رغم عدم الاعتراف القانوني بها, فقد كسبت المنظمة العديد من الأحكام القضائية فيما يتعلق بانتهاك حقوق الإنسان في مصر, ثم إن هناك تزايدا في عدد الجمعيات رغم القيود الادارية المختلفة, تلك الايجابيات سواء علي مستوي القانون والواقع يجب تسليط الضوء عليها لتشجيع الدولة علي القيام بخطوات ايجابية أخري.
علي مستوي الدولة, فهي تحتاج أن تتخذ بعض الخطوات العملية لبناء الثقة بينها وبين المجتمع المدني, وإن كان المسئولون يتحدثون عن الدور المهم للجمعيات في التنمية فلابد أن يعملوا علي تلافي بعض القيود الواردة بقانون الجمعيات الأخير في اللائحة التنفيذية, ولاسيما قضية القيود المختلفة علي التمويل الأجنبي وتسجيل الجمعيات وحلها والتدخل الاداري المفرط في ادارة أنشطتها, اذا كانت الدولة علي اقتناع بحتمية دور الجمعيات الأهلية بالمشاركة في حل مشكلات المواطنين الاقتصادية, فلابد لها أن تشجع التمويل مع وجود رقابة رشيدة, إن التمويل الذي تقدمه وزارة الشئون الاجتماعية ليس بالكثير, كما أنه يوجه لنحو30 بالمائة من الجمعيات البالغ عددها نحو16 ألف جمعية, فلابد للدولة أن تشجع رجال الأعمال علي القيام بمسئولياتهم الاجتماعية من خلال تمويل الجمعيات وتسهيل التمويل المحلي والدولي, يجب علي الدولة أن توسع هامش الحرية للجمعيات إن كانت علي اقتناع بحتمية دورها التنموي, وإن كانت بعض الجمعيات قد اساءت التمويل الذي لديها فلايجب أن تفترض الدولة إن كل التجمعيات تنحي ذلك الطريق, قد تكون البداية لبناء الثقة ما ستسفر عنه اللائحة التنفيذية من تخفيف القيود علي الجمعيات.
في النهاية, تجب الإشارة الي أنه لايمكن المقارنة بين الدول الليبرالية التي استقرت فيها العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني, باعتبارهما شريكين علي قدم المساواة لتحقيق الصالح العام, وبين مصر التي لاتزال فيها العلاقة في مرحلة تحول, وعملية بناء الثقة بين الطرفين تحتاج الي وقت, ولكن لابد من البدء في تلك العملية التي بدونها لن يتحقق التقدم المرجو, علي الدولة أن تتخذ خطوات أكبر لبناء الثقة بإجراء التشاور الجاد مع قوي المجتمع المدني حول القضايا المختلفة, التي تهم الصالح العام, وقد تكون البداية اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات وقد تتبعها خطوات أخري, وعلي المجتمع المدني أن يشجع القائمين علي الدولة باتخاذ تلك الخطوات وذلك بالتركيز علي الجوانب المضيئة في العلاقة بين الطرفين, وإن كانت الايجابيات قليلة إلا أنها موجودة, إن فن الحوار والتفاوض بين الطرفين هو الطريق لبناء الثقة.
موضوعات أخرى |