ملفات الأهرام

42245‏السنة 126-العدد2002اغسطس5‏26 من جمادى الأولى 1423 هـالأثنين

الثقفة المتبادلة
بين الدولة والمجتمع المدني
بقلم : سعيد عبدالمسيح شحاته

إن الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع المدني‏,‏ لهي من الأهمية بمكان لازدهار أحوال الناس وتقدمهم‏,‏ إنها الأساس لتحقيق التعاون بين الطرفين وتقليل الصدام المستمر بينهما‏,‏ والسؤال الأساسي الذي تحاول تلك المقالة الإجابة عليه هو‏:‏ هل توجد ثقة متبادلة بين طرفي المعادلة في مصر أم لا؟‏.‏
في البداية يجب الإشارة الي أن الدولة هي تلك المؤسسات والأشخاص الذين يقومون بصنع وتنفيذ ومراقبة تنفيذ السياسات التي تمس حياة المواطنين‏,‏ ومن هنا تقع السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بالإضافة الي مؤسسة الرئاسة والعاملين بالقطاعين العام والخدمة المدنية في دائرة ذلك التعريف‏,‏ أما المجتمع المدني فهو يمثل تلك المؤسسات والأشخاص الذين يقومون بحماية المواطنين من تعسف أي قرارات غير عادلة وتلبية احتياجات المواطنين غير المشبعة من قبل مؤسسات الدولة‏,‏ وتلك المؤسسات تنشأ بالإرادة الحرة للأفراد‏,‏ وإن كانت تخضع للقانون‏,‏ إلا أنها بعيدة عن سيطرة الدولة‏,‏ ورغم تعدد التعريفات في الأدبيات‏,‏ إلا أن التعريف السابق حاول أن يقدم صورة مبسطة وواقعية لهذين المصطلحين‏.‏

إن المجتمع المدني بهذا المفهوم موجود في مصر‏,‏ منذ فترة طويلة تمثل في أشكال مختلفة من التنظيمات‏,‏ مثل التنظيمات التي جمعت أصحاب الحرفة الواحدة لحماية مصالحهم‏,‏ والجمعيات الدينية المختلفة‏,‏ التي قدمت خدمات للمواطنين‏,‏ وغني عن البيان تاريخ الدولة المركزية في مصر‏,‏ وإن كان هناك إجماع في الأدبيات التي حللت الوضع السياسي في مصر علي وجود تلك المركزية‏,‏ إلا أن هناك خلافات حول وجود المجتمع المدني‏,‏ فالبعض يشكك في وجوده علي اعتبار أن الدولة مسيطرة ولا مجال لوجود ذلك المجتمع المدني‏,‏ وهذا بالطبع غير صحيح أو غير دقيق لوجود أشكال مختلفة للمجتمع المدني في مصر‏,‏ وإن كانت ضعيفة في معظمها‏,‏ لقد استعانت الدولة في عصر مبارك بصورة متزايدة ببعض منظمات المجتمع المدني للقيام بمشروعات تنموية والمساهمة في سد الفراغ الذي تركته الدولة في مجال الخدمات ولاسيما التعليم والصحة‏,‏ إن الدولة وصلت الي قناعة أنها لا تستطيع أن تحل مشكلات المواطنين دون مشاركة منظمات المجتمع المدني‏,‏ وظهر ذلك جليا في خطب المسئولين من الرئيس مبارك الي القيادات المختلفة في أجهزة الدولة‏.‏
إن الدور المتزايد للمجتمع المدني في تحم أعباء التنمية الشاملة قد يكون مؤشرا علي الثقة النسبية التي تضعها الدولة في منظمات المجتمع المدني‏,‏ وقد يفسره البعض علي أنه شر لابد منه‏,‏ فالدولة لم تجد مفرا إلا الاستعانة ببعض منظمات المجتمع المدني لمواجهة المشكلات المتزايدة للمواطنين‏,‏ ويدلل أصحاب هذا الرأي علي ذلك‏,‏ بالإشارة الي قانون‏84‏ لعام‏2002‏ الذي صدر أخيرا لتنظيم أحوال الجمعيات والمؤسسات الأهلية‏,‏ فهذا القانون يبيح الحل الإداري وليس القضائي للجمعيات‏,‏ كما كان واردا في القانون المحكوم عليه بعدم الدستورية‏(‏ قانون‏153‏ لعام‏1999),‏ وكذلك القيود العديدة علي تمويل وأنشطة الجمعيات‏,‏ ويشير هذا الفريق الي قوانين أخري تقيد حركة المجتمع المدني وتعكس عدم الثقة فيه من قبل الدولة‏,‏ مثل قانون الأحزاب السياسية وقانون النقابات المهنية‏,‏ أما الفريق الذي يري أن الدولة بدأت تثق في بعض مؤسسات المجتمع المدني فيشيرون الي أن قانون الجمعيات الأهلية رغم القيود العديدة التي يفرضها علي الجمعيات‏,‏ إلا أن هناك بعض الايجابيات مثل تشجيع الجمعيات علي القيام بأنشطة مدرة للربح لكي تتوسع في مشروعاتها التنموية‏,‏ بالإضافة الي ذلك يشير
ذلك الفريق الي قانون الصحافة رقم‏95‏ لعام‏1996,‏ الذي ألغي قانون رقم‏93‏ لعام‏1995,‏ حيث استجابت الدولة لبعض مطالب المجتمع المدني‏.‏
في الواقع أن هناك أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع المدني في مصر‏,‏ فهناك شك مستمر من قبل مؤسسات المجتمع المدني في نيات الدولة‏,‏ وتفسير كل القرارات والقوانين علي أنها محاولات مستمرة لإجهاض المجتمع المدني‏,‏ في الوقت ذاته هناك شك من قبل الدولة في أنشطة المجتمع المدني ولاسيما الأنشطة ذات الطابع السياسي المحض‏,‏ والعقلية التي تحكم التفاعلات بين الطرفين أن الصراع هو سمة العلاقة‏,‏ وأن ادارة االصراع تتم في معظم الحالات بصورة تصادمية وليس بصورة تفاوضية‏,‏ إن المجتمع المدني القوي يحتاج الي دولة قوية وأن الدولة القوية تحتاج الي مجتمع مدني قوي‏,‏ وبالتالي لابد من البدء بإجراءات بناء الثقة بين الجانبين انطلاقا من الفلسفة التعاونية التي يحتاج فيها كل طرف للطرف الآخر‏.‏

بالنسبة للمجتمع المدني‏,‏ فهو لايركز علي بعض الإيجابيات القليلة الموجودة في القوانين والواقع‏,‏ والتي يمكن البناء عليها لإحداث تغيرات شاملة بصورة تدريجية تحقق الصالح العام‏,‏ كثيرا ما تركز قوي المجتمع المدني علي أن الايجابيات هي منحة من الدولة يمكن منعها وفقا لهوي النخبة الحاكمة‏,‏ وهذا ليس صحيحا بصورة مطلقة‏,‏ فهناك قيود داخلية وخارجية علي الدولة تمنعها أو تأخذها الدولة في الحسبان عند القيام بإصدار أي قرار‏,‏ ومن هنا لابد للمجتمع المدني أن يخلع عنه صفة التشاؤم‏,‏ والتشكيك المستمر في نيات الدولة‏,‏ وعليه أيضا أن يستفيد من الايجابيات المتناثرة هنا وهناك للبناء عليها‏,‏ علي سبيل المثال فإن برنامج التكيف الهيكلي يسهم بصورة ما في تفكيك سيطرة الدولة علي بعض القطاعات ويحررها من وصاية الدولة‏,‏ وعلي المجتمع المدني أن يستفيد من ذلك التحول ويثبت للدولة أنه قادر علي لعب دور الشريك وليس العدو الذي يتربص بما يحيق الدولة من ضعف ما‏,‏ إن الفراغ الذي تتركه الدولة في بعض المجالات هو فرصة علي منظمات المجتمع المدني الاستفادة منها‏,‏ إن المجتمع المدني عليه أن يشجع الدولة علي القيام بخطوات أكبر لتحقيق مصالح الطرفين‏,‏ وبالتالي فعليه أن يسلط الضوء علي الايجابيات بجانب الإشارة للسلبيات‏,‏ ففي قانون الجمعيات الأهلية كان علي المجتمع المدني أن يركز علي بعض الايجابيات ولاسيما تشجيع الجمعيات علي القيام بأنشطة مدرة للربح لتحقيق أهدافها التنموية‏,‏ ثم إن الجمعيات التي لم تسجل مثل المنظمة المصرية لحقوق الإنسان لاتزال تمارس نشاطها رغم عدم الاعتراف القانوني بها‏,‏ فقد كسبت المنظمة العديد من الأحكام القضائية فيما يتعلق بانتهاك حقوق الإنسان في مصر‏,‏ ثم إن هناك تزايدا في عدد الجمعيات رغم القيود الادارية المختلفة‏,‏ تلك الايجابيات سواء علي مستوي القانون والواقع يجب تسليط الضوء عليها لتشجيع الدولة علي القيام بخطوات ايجابية أخري‏.‏

علي مستوي الدولة‏,‏ فهي تحتاج أن تتخذ بعض الخطوات العملية لبناء الثقة بينها وبين المجتمع المدني‏,‏ وإن كان المسئولون يتحدثون عن الدور المهم للجمعيات في التنمية فلابد أن يعملوا علي تلافي بعض القيود الواردة بقانون الجمعيات الأخير في اللائحة التنفيذية‏,‏ ولاسيما قضية القيود المختلفة علي التمويل الأجنبي وتسجيل الجمعيات وحلها والتدخل الاداري المفرط في ادارة أنشطتها‏,‏ اذا كانت الدولة علي اقتناع بحتمية دور الجمعيات الأهلية بالمشاركة في حل مشكلات المواطنين الاقتصادية‏,‏ فلابد لها أن تشجع التمويل مع وجود رقابة رشيدة‏,‏ إن التمويل الذي تقدمه وزارة الشئون الاجتماعية ليس بالكثير‏,‏ كما أنه يوجه لنحو‏30‏ بالمائة من الجمعيات البالغ عددها نحو‏16‏ ألف جمعية‏,‏ فلابد للدولة أن تشجع رجال الأعمال علي القيام بمسئولياتهم الاجتماعية من خلال تمويل الجمعيات وتسهيل التمويل المحلي والدولي‏,‏ يجب علي الدولة أن توسع هامش الحرية للجمعيات إن كانت علي اقتناع بحتمية دورها التنموي‏,‏ وإن كانت بعض الجمعيات قد اساءت التمويل الذي لديها فلايجب أن تفترض الدولة إن كل التجمعيات تنحي ذلك الطريق‏,‏ قد تكون البداية لبناء الثقة ما ستسفر عنه اللائحة التنفيذية من تخفيف القيود علي الجمعيات‏.‏

في النهاية‏,‏ تجب الإشارة الي أنه لايمكن المقارنة بين الدول الليبرالية التي استقرت فيها العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني‏,‏ باعتبارهما شريكين علي قدم المساواة لتحقيق الصالح العام‏,‏ وبين مصر التي لاتزال فيها العلاقة في مرحلة تحول‏,‏ وعملية بناء الثقة بين الطرفين تحتاج الي وقت‏,‏ ولكن لابد من البدء في تلك العملية التي بدونها لن يتحقق التقدم المرجو‏,‏ علي الدولة أن تتخذ خطوات أكبر لبناء الثقة بإجراء التشاور الجاد مع قوي المجتمع المدني حول القضايا المختلفة‏,‏ التي تهم الصالح العام‏,‏ وقد تكون البداية اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات وقد تتبعها خطوات أخري‏,‏ وعلي المجتمع المدني أن يشجع القائمين علي الدولة باتخاذ تلك الخطوات وذلك بالتركيز علي الجوانب المضيئة في العلاقة بين الطرفين‏,‏ وإن كانت الايجابيات قليلة إلا أنها موجودة‏,‏ إن فن الحوار والتفاوض بين الطرفين هو الطريق لبناء الثقة‏.‏

موضوعات أخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية