الكتاب

42266‏السنة 126-العدد2002اغسطس26‏17من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

الإبداع والشراكة الحضارية
بقلم : د‏.‏ صلاح فضل

يبدو أن المعيار الرئيسي في تقدير العلماء لتحديد مفهوم الابداع وتقويمه يرتكز علي فكرة جوهرية تري في الابداع الانتاج الجديد الأصيل الذي يقدم قيمة مضافة للمجتمع‏.‏
وبطبيعة الحال فإن هذا النتاج يتجلي بأشكال عديدة ومتنوعة وفقا لوظيفة النشاط الابداعي وطبيعته ومستواه في الأصالة والقيمة‏.‏ علي أن هذا التنوع يندرج في نسبقين من الانتاج‏:‏

احدهما النتاج الواقعي المحسوس المنفصل نسبيا عن مبدعه مثل العمل الادبي والقطعة المنحوتة واللوحة الفنية أو الجهاز المكتشف والمادة المبتكرة أو النظرية العلمية التي أفضت إلي تخليقهما‏.‏
والثاني يتمثل في الابداع الذي لا ينفصل عن مبدعه ولا يستقل عنه بل يعبر عن شخصيته وانجازه مثل ابداع الممثل الذي يقوم بدور ما أو قائد الأوركسترا او راقصة البالية او غير ذلك لكن هذا النوع من النتاج الابداعي أمكن تحديده وضبطه في العصور الحديثة بفضل الاجهزة البصرية والصوتية واصبح من الممكن تقويمه كالنتاج الواقعي المحسوس بعد رحيل صاحبه عن عالم المادة‏.‏
وبالرغم من ذلك فإن بوسعنا أن نميز بوضوح بين نوعين من الابداع احدهما ينبثق من الموهبة الفردية والجهد الشخصي للمبدع مهما خضع لعوامل خارجية وهو ابداع الفنون والآداب والانشطة الخلاقة والآخر يتخمر في حضن الجماعة وينمو بشروطها وهو الابداع العلمي الذي اصبح يتطلب مؤسسات كبري ترعاه وتقوم عليه‏.‏

الاختلاف والشراكة‏:‏
مهما يكن مفهوم الابداع والابتكار يعتمد علي فكرة الخلق دون نموذج سابق غير ان انبثاق الاستبصار الاول للابداع يقوم علي اساس من فكر الاختلاف الذي لا يخطيء أحد في ادراك تفرده اذ لو أن المبدع قد استغرقته عمليات التفكير المتوافق مع محيطه والمألوف لموضوعه لما شعر بإشكاليته وأجتهد في حله‏.‏ فالابداع ذاته فكر اختلافي مفارق لما يسبقه‏.‏ وليس هناك مثل استيعاب النماذج الحضارية الاخري بثقافاتها المغايرة ما يشجع فكر الاختلاف وينميه ويمنحه جرأة التحقق لو لم يتخيل المبدع آفاقا جديدة ويستشرف تجاوز ثقافته الموروثة لما احتشد بكل طاقته لانجاز مشروعه المبتكر‏.‏ قد لا يكون واعيا بهذا النموذج الآخر وهو يبحث عن أفقه لكن استلهامه بشكل غير مباشر مرة والاستجابة المتحدية لتفوقه مرة اخري مما يولد التوق لكسر الاطار التقليدي في كل الاحوال وتشكيل لون من الارادة الابداعية الخلاقة‏.‏
واذا تأملنا نماذج الابداع لدينا في الثقافة العربية وهي شديدة الثراء والتنوع في الفنون والآداب والعلوم الانسانية وجدنا ان حافزها الاساسي دائما كان مواجهة تحدي الآخر المختلف في المكان والقوة والموقع الحضاري مما ادي الي استنفار الذات القومية المغايرة لابداع نسق جديد لا ينسخ الغير ولا يعيد انتاج الذات الموروثة بل يتجاوزهما معا ليشبع مشروعه الجديد‏.‏

من ناحية المصب وقد كانت الفكرة السالفة ترقص حول المنبع‏-‏ نجد ان الابداع هو البوابة الكبري للشراكة الحضارية ـ فالثقافة التي تنجح في إبداع نماذج جديدة في العلوم والآداب والفنون هي التي تثري تجربة الانسان الكونية في امتلاك قوانين الطبيعة والحياة وتعمق رؤيته الجمالية لموقعه في الوجود وتسمح له بالدخول المنتصر الي ساحة الشراكة الحضارية الانسانية خاصةفي عصر ثورة المعلومات الذي انكسرت فيه قوانين احتكار العلوم والطاقات الابداعية الخلاقة‏.‏ واستطاعت شعوب كثيرة ـ كان منظورا إليها من قبل ـ باعتبارها هامشية في الانتاج الابداعي الحضاري ان تثبت تفوقها وكفاءتها المنافسة‏.‏
واذا كانت الثقافة العربية المبدعة خاصة في الفنون والآداب تنتج اليوم ما يكفل لها حق الشراكة الحضارية مهما تكن حواجز اللغة والاختلاف وضباب السياسة العالمية عائقا يمنع تألقها في الافق العالمي فإن تبديد طاقة الابداع العلمي وهجرة العقول المنتجة له وعجز مجتمعاتنا عن صناعة البيئة الحاضنة لتخليقه كل ذلك يحول بيننا وبين استثمار طاقاتنا في انتاج المعلومات وتداولها والدخول الفعال في معترك الشراكة الحضارية حتي الآن‏.‏
ومع ان كلمة الشراكة ذات ظلال سلبية في تراث خطابنا القومي العربي فإنها تشير الي حقيقة التفاعل الايجابي بين الثقافات المعاصرة من ناحية والتوالد التاريخي بين الانساق الحضارية من ناحية اخري‏.‏ فهناك حقيقة راسخة في الضمير الانساني تعززها التأملات التاريخية للانجازات والتبادل النشط للادوار وهي ان الحضارات الكبري لا تموت في مكان حتي تبعث بشكل مغاير في مكان وزمان آخرين ومعروف دور الحضارة المصرية والشرقية القديمة في تغذية الحضارة اليونانية التي انجبت بدورها قوة الرومان وصبت في ثقافة العرب الاسلامية وأسفر كل ذلك عن الخمائر العلمية والانسانية التي صنعت حضارة الغرب أولا ثم اخذت تشكل وجه الحضارة الكونية المعاصرة‏.‏

الابداع وتحولات الهوية‏:‏
اذا كان لنا ان نعتبر الابداع النسخ الحي للثقافة لانه يمثل ما يتخلق في رحمها من عناصر متجددة تحل محل الخلايا الميتة فإنه بالتالي يضمر خارطة المستقبل وهو يتشكل بطريقة مغايرة للماضي ولان الثقافة وعاء الهوية فإن التحولات التي تعتريها ـ مهما تكن بطيئة وغير منظورة ـ تحكمها استراتيجيات الابداع‏.‏ فنواة الشخصية الوطنية والقومية الصلبة ليست هي تلك الثوابت التي تستعصي علي الزمن بل هي مدي المرونة في الخواص بحيث تستجيب أو ترفض عوامل التغير‏.‏ وهنا يجمل بنا ان نستوضح العلاقة بين ثلاثة مصطلحات حددنا الاول منها وهو الابداع وبقي الثاني وهو الثقافة وعلاقته بالطرف الثالث وهوالحضارة‏.‏ وليس هنا مجال الافاضة في التعريفات والشروح ولكن يكفي أن نتذكر ان الدائرة الحضارية تشمل ثقافات عديدة فالحضارة العربية الاسلامية احتوت ثقافات المشرق في جملتها من فارسية ومصرية وهندية وطرفا من ثقافة الغرب اليوناني والروماني ايضا أي أنها كانت مجمع هويات وقوميات ولغات عديدة‏.‏ ولم يرتبط الابداع فيها بتفوق عرقي لاحد العناصر المكونة لها وان ظلت اللغة العربية منفذه الاساسي يكتب بها غير العرب ممن يسهمون في تشكيل الوجه الحضاري للأمة‏.‏
ولكي نرقب مجهريا بعض اللحظات الفائقة في مسيرة الابداع الادبي العربي في العصر الحديث وهي تشكل جذر التوالد الحضاري كما استقر في الضمير القومي لدينا لن نتوقف عند فترة التخمير والانبثاق لدي رفاعة الطهطاوي وتلاميذه في القرن التاسع عشر ولا عند تيار الاحياء الشعري كما توهج لدي البارودي وشوقي ومطران ولا عند المحاولات النظرية لربط عجلة الثقافة في مصر بالدائرة المتوسطية الغربية كما فعل طه حسين وتلاميذه‏.‏

ولكننا سنقتصر علي اشارتين متباعدتين في الزمان والمكان كلتاهما ترقبان تحولات الروح والهوية في صلب جنس ادبي مولد وجديد يعتمد علي الحوارية وتعدد الاصوات وملاحظة التحولات الكبري للحياة وهو الرواية‏.‏
الاشارة الاولي نجدها عند توفيق الحكيم في تأملاته الابداعية التي حددت استراتيجية الادب العربي بعد ذلك بنسقها الثقافي ونقدها التاريخي معها خاصة في منظومة اعماله الدائرة في شبه السيرة الذاتية والابداعية‏.‏

لنتوقف مثلا عند عصفور من الشرق لانها بلورت لاجيال لاحقة رؤية الانسان المصري العربي لحضارة الغرب وحواره الدرامي معها وهو يعاين ما تفعله في كيانه وما تصيبه به من تحولات محتومة في صميم هويته‏.‏
وليس من المجدي في شئ ان نعيد سرد قصة محسن ـ الذي سبق له ان لعب دور البطولة معبرا عن شخصية الحكيم في عودة الروح ايضا لكنه هنا يترك الشعب في القاهرة ليصحب صديقه الفرنسي المثقف اندريه ويطلعه علي تفاصيل عشقه الطريف لسوزي بائعة التذاكر في مسرح الاوديون الباريسي‏.‏ ولا يتركنا الحكيم نستنتج بذكائنا ما ترمز اليه بائعة الفن والجمال فهي امثولة لاوروبا وللحضارة الغربية باكملها وهي مثلها‏'‏ جميلة رشيقة ذكية لكنها خفيفة انانية لا يعنيها الا نفسها واستعباد غيرها‏.‏ لا تعرف غير حياة الواقع ولا يهمها شقاء الغير ولا تحب الحياة الا في الحياة‏.‏

وفي الوقت الذي يكاد محسن فيه يتماهي مع معطيات الحضارة الاوروبية يتخذ موقفا نقديا لاذعا من مادية الثقافة الامريكية بنفس القدر الذي يعيب به ولع الحضارات الكبري كلها بالمظاهر البراقة الزائفة كل شقاء الانسانية انها لا تستطيع ان تترك شيئا عظيما ذا قداسة بغير ان تلبسه ثيابا مبتذلة مضحكة‏.‏
وربما كانت اعلي نقطة يبلغها صوت الرواية في امتصاصه الخلاق لمعطيات الحضارة الجديدة تتمثل في هذا التحول الباطني الذي يستشعره عندما تمتلئ روحه بحركات الموسيقي الكلاسيكية وتتفتح له عوالمها الساحرة‏.‏

عندئذ يجد نفسه كما يقول إزاء النبع ذاته الذي صدرت كلمات انبياء الشرق فانتصبت في هياكل نورانية عظيمة‏'‏ تتضاءل الي جانبها جميع التحفظات التي أخذ يرددها ضد مادية الغرب وانانيته وسطحية مظاهره وتبقي الامثولة الرمزية المتجسدة في قصة حب عجيب من طرف واحد نموذجا لتوافق موقوت بين عالمين مختلفين‏.‏ لكن تحولات الهوية التي يعاينها محسن وقلق الخضوع في اللحظات الدرامية لفتنة النموذج تظل منطلقه الابداعي الذي يسمح له بان يضيف الي حياة الفن ما يكفل له الشراكة في صناعة المستقبل الحضاري‏.‏
اما النموذج الثاني المحدث الذي يزرعنا في قلب عملية الاخصاب الحضاري فتقدمها امرأة تمثل نصف الدنيا العربية انثي من الشام تزوجت في السعودية وعشقت طبيبها الانجليزي في لندن‏.‏ إنها تقفز فوق كل الحواجز لتبلور صورة هذا العناق المستحيل حيث لا تكسر حدود الجنس واللون فحسب بل تنسف اشد اشكال المحرمات في علاقة المرأة بالرجل‏.‏ اللافت في الامر ان الانثي ليست صوت الرواية المتخيل فحسب بل هي صانعة هذا الصوت المبدعة أسيمة درويش في روايتها العاتية شجرة الحب غابة الاحزان‏.‏ ولأن المجال لا يتسع الا للمحة بارقة سأكتفي للتدليل علي جسامة التحولات التي يعبر عنها الابداع العربي في استيعابه للتواصل الحميم مع الغرب بذكر رسالة قصيرة بعثتها مدي بطلة الرواية الي صديقها كولن عقب ليلة صحبته فيها الي منزله الريفي في اكسفورد وعشقت شجرة الدخان في حديقته ودفعته لان يطلق سراح الغزالة التي كان يحبسها في جزء من غابته الصغيرة‏.‏ ثم قاومت رغبتها العنيفة في الالتحام بها واجبرته علي العودة بها الي فندقها في لندن ثم كتبت تقول له‏:‏

كولن الاعز‏..‏ لم أشعر بمرارة الوحدة كما شعرت به ليلة البارحة‏.‏ رحيلك غاضبا مني اشعل خوفي من اليتم ايقظ احساسي بغربة الطفولة في الملاجئ‏.‏ لست امرأة رومانسية تقنع بحب مستكين ينمو بالحرمان‏.‏ أنا امرأة يعذبها الحب بعنف حد الانكسار‏.‏ ايها الحبيب مخذولة انا في حبي لاهلي في حبي لوطني في اخلاصي في صداقاتي وفي ايماني بالتقدم الذي ينزل النكبات غير المبررة بالانسانية كلها اعيش انكسار احلامي الواحد تلو الاخر‏.‏ واحسها تتهاوي في داخلي كشظايا زجاج مكسور‏.‏ معك وحدك التحم بوجودي خارج سطوة الزمن‏.‏ هكذا احارب بك وضدك في الوقت ذاته‏.‏
احارب ضدك كي لا تصبح العلاقة المهددة بالنقصان وأحارب بك كي تبقي المعني‏.‏ المعني الذي يلم شتات الشظايا ويوحدها‏.‏

ما يعنينا في هذا المشهد المنزوع من سياقه السردي لا يرتبط بدلالته الدرامية علي اللحظة العاشقة المتفجرة ولا كيفية انهماره في الاتجاه العكسي لأدبيات تواصل الرجال العرب مع اناث الغرب منذ فجر النهضة حتي الطيب الصالح الذي جعل مصطفي في موسم الهجرة للشمال يزعم غزو الغرب برجولته ولكن المعني الذي يشير اليه صوت الرواية وهو ذوبان نصف الدنيا في النصف الغربي الاخر حربا علي الخذلان والاحباط في منظومات القيم وانماط الثقافة وأشكال العلاقات الانسانية السوية‏.‏ انه المعني الحضاري الشامل الذي تتقد حواس المرأة المسرفة في تحررها لتعثر عليه في الاخر بكل كينونته‏.‏
وما يبقي من دلالة المشهدين عند الحكيم ودرويش هو هذا الدور النشط الذي يلعبه الابداع في الحراك الحضاري والتواصل الثقافي الحميم‏.‏
‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية