الكتاب

42266‏السنة 126-العدد2002اغسطس26‏17من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

شتان بين السجينين‏!‏
بقلم‏:‏ محمد سلماوي

شاءت ظروف الصراعات العسكرية في عالمنا المضطرب هذا أن يتحول مواطنان مدنيان إلي معتقلين سياسيين‏,‏ أحدهما إمرأة مسيحية إنجليزية اعتقلتها قوات طالبان في أفغانستان إبان الهجوم الأمريكي في العام الماضي‏,‏ والآخر رجل مسلم مصري اعتقلته السلطات الأمريكية في نيويورك بعد أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001,‏ وبينما كانت الجهة التي ألقت القبض علي الإنجليزية المسيحية جهة مسلمة متهمة بالتخلف والتعصب والإنغلاق‏,‏ كانت تلك التي ألقت القبض علي المصري المسلم جهة توصف بأنها متحضرة تدافع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان‏..‏ علي أن التجربة العملية لكل من السجينين توضح بما لا يدع مجالا للشك أي من الجانبين هو المتخلف وأيهما المتحضر‏.‏
كانت إيفون ريدلي الصحفية الإنجليزية المعروفة تغطي أحداث أفغانستان لصحيفتها البريطانية حين وقعت أسيرة في أيدي قوات طالبان كان ذلك في سبتمبر الماضي بعد أن أعلنت الولايات المتحدة أنها ستضرب أفغانستان مالم تسلم لها أسامة بن لادن المتهم الأول آنذاك في أحداث‏11‏ سبتمبر بنيويورك‏,‏ وكانت الصحافة العالمية تفيض في الحديث عن هذه القوات التي تقوم باسم الاسلام بممارسة أبشع صور التخلف والتعصب فهي تغلق علي المرأة كل منافذ الحياة‏,‏ وتمنع الناس من الاستماع إلي الموسيقي وتهدم الآثار وتعيش حياة بدائية تذكر بقرون ما قبل المدنية‏.‏

ولقد أرادت إيفون ريدلي أن تعرف بنفسها حقيقة هذه القوي المتخلفة وهذا الدين الذي تفعل كل ذلك باسمه‏,‏ لكن الصحفيين الأجانب كانوا ممنوعين من دخول أرض طالبان‏,‏ أما إذا كانت إمرأة سافرة الوجه يلمع شعرها الأشقرفي ضوء الشمس‏,‏ فالمشكلة تكون أكبر‏,‏ لكن إصرار إيفون ريدلي المهني دفعها لتحدي كل الصعاب‏,‏ فلجأت إلي حيلة تصورت أنها لن تنكشف‏,‏ وذلك بأن إرتدت غطاء الرأس الأفغاني المسمي البورقا وهي كلمة جاءت من الكلمة العربية البرقع والذي يغطي ليس فقط شعر المرأة وإنما أيضا وجهها ويصل إلي قدميها وبه فتحات صغيرة للتنفس ولكي تشاهد المرأة العالم من ورائها وكأنها تنظر من خلف قضبان السجن‏,‏ وركبت ا لصحفية البريطانية علي ظهر أحد البغال كما يفعل الافغان وطلبت من مرشدين أفغانيين أن يوصلالها إلي أرض طالبان في الأحراش حيث تصورت أنها ستبعث لجريدتها بموضوعات مثيرة وستكشف عن خفايا لا يعرفها أحد عن هؤلاء القوم‏,‏ ولربما وصلت إلي أسامة بن لادن نفسه‏,‏ وأجرت معه حوارا‏,‏ لكن للأسف انكشفت الحيلة وإكتشفت قوات طالبان أن المرأة الأفغانية التي جاءتهم علي ظهر البغل هي صحفية أجنبية متخفية‏,‏ فتم إعتقالها علي الفور بتهمة الدخول إلي أفغانستان بطريق غير شرعي عن طريق الحدود الباكستانية وإعتبرت بذلك جاسوسة‏.‏

وكان لإعتقال إيفون ريدلي في العام الماضي صدي هائل في الغرب‏,‏ واكتسبت الصحفية البريطانية شهرة إضافية تخطت كل ما كانت قد حققته قبل ذلك‏,‏ إلي أن تم الافراج عنها بعد أشهر طويلة قضتها بين أيدي طالبان‏.‏
واليوم تدخل إيفون ريدلي مرحلة جديدة من الاهتمام الاعلامي حيث تتحدث الصحف عن قرارها المفاجئ باعتناق الإسلام‏.‏

فماذا حدث وكيف تحولت ابنة المجتمع المتحضر الديمقراطي إلي دين من هم متخلفون لا يمنحون المرأة حريتها؟‏!‏
تقول إيفون ريدلي لمجلة نيويورك الأمريكية‏:‏ لقد كنت أحتقر من كانوا يحتجزونني فكنت أسبهم وأبصق عليهم‏,‏ وفي يوم جاءني إمام بعمامة يسألني إن كنت أريد أن أدخل الإسلام‏,‏ لكني طبعا رفضت وإن كنت لم أقل له ذلك صراحة‏,‏ فقلت له أنني إذا تم إطلاق سراحي فإنني أعده بأنني سأدرس الإسلام لكي أفهمه‏,‏ وعندئذ أستطيع أن أقرر إن كنت أريد اعتناقه‏,‏ ولقد تذكرت هذا الوعد في لندن بعد فترة من إطلاق سراحي‏,‏ وبدأت بالفعل أدرس الإسلام‏,‏ وقد فوجئت بأن ما بدأ معي كدراسة علمية بحته تحول بالتدريب إلي تجربة روحانية سامية‏,‏ لقد تأثرت كثيرا بما عرفته عن الدين الإسلامي‏.‏

وتصف الصحفية البريطانية معاملة سجانيها فتقول إنها في وقت من الأوقات أضربت عن الطعام لكنهم كانوا مع ذلك يغسلون لها أيديها ثلاث مرات يوميا وكأنها تتناول وجباتها الثلاث‏,‏ وكانوا يعتبرونها أختا لهم وينادونها بهذا الوصف‏,‏ ثم تقارن بين التزامهم بدينهم وبين رجال الدين المسيحي فتقول إنهم كانوا يؤدون صلواتهم الخمس يوميا مهما كانت الظروف‏,‏ أما علي الجانب الآخر فحين قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بمحاصرة كنيسة المهد في بيت لحم وبدأت تقذفها بالنيران‏,‏ لم يجرؤ راعي كنيسة واحد في إنجلترا علي أن يرفع صوته ضد إسرائيل رغم أن كنيسة المهد هي أكثر الأماكن قدسية في المسيحية وكلنا كأطفال تعودنا أن نعيد تمثيل ميلاد المسيح كلما حل عيد الميلاد‏.‏
وتقول إيفون ريدلي أن سلبية رجال الدين المسيحي إزاء إسرائيل أثرت فيها جدا وربما كانت تلك هي النقطة التي فقدت فيها احترامها لهم‏.‏

واذا كانت تجربة اعتقال الصحفية البريطانية قد أسفرت عن اعتناقها الاسلام‏,‏ فإن هناك تجربة أخري لأحد المصريين الذين اعتقلوا في الولايات المتحدة في نفس الوقت تقريبا‏,‏ لكنه خرج من السجن وقد أصيب بخيبة أمل في الحلم الأمريكي الذي من أجله كان قد ترك مصر وهاجر الي مجتمع الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان‏,‏ أي انه بينما دخلت الصحفية البريطانية التجربة وهي في موقف عدائي من الإسلام والمسلمين وخرجت منها وقد اعتنقت الإسلام‏,‏ فإن المهاجر المصري ذهب الي الولايات المتحدة وهو منبهر بأمريكا وخرج منها وقد كفر بكل ماتمثله تلك الدولة العظمي في عالمنا اليوم‏.‏
فقد وصل المواطن المصري محمد ماضي الي الولايات المتحدة وهو يحلم بالمجتمع الذي تصوره في مخيلته وبدأ يعمل في شتي المجالات الي ان حصل في النهاية علي بطاقة المواطن الدائم وهي ما استصلح علي تسميته بالبطاقة الخضراء التي تعطيه جميع حقوق جميع المواطنة وتسمح له بالعمل بشكل رسمي لكنه فوجئ بالاعتقال يوم‏3‏ أكتوبر الماضي بدون تهمة‏,‏ وأمضي ثمانية أشهر في السجن يؤرق ليس فقط مصيره في الولايات المتحدة وانما ايضا ما يمكن ان يحدث لزوجته ولولديه اسلام وكريم اللذين من أجلهما ترك وظيفته بفندق ماريوت في القاهرة لكي يوفر لهم أفضل حياة ممكنة في أكبر دولة في العالم‏,‏ والي ان افرج عن محمد ماضي في نهاية مايو الماضي كان قد تعرض لكل انتهاكات حقوق الانسان التي لم يكن يتصور أنها يمكن أن تحدث في أمريكا‏.‏

فقد عين له محام تنفيذا للقانون فقط لكن المحامي لم يكن يهتم به ولا يكترث كثيرا ان خرج من السجن أو لم يخرج‏,‏ ولم يكن يسمح لمحمد ماضي برؤية ولديه الا لما ما ولبضع دقائق فقط‏,‏ أما داخل السجن نفسه فقد تعرض لاضطهاد مسئولي السجن وبسبابهم باعتباره عربيا ومسلما‏,‏ كما تعرض أيضا للاعتداء عليه بالضرب حتي وصل به الحال الي حدود الإضطراب النفسي فطلب عرضه علي طبيب السجن لكن الطبيبة النفسية التي جاءته بعد إلحاح لم يكن أفضل كثيرا من مسئولي السجن‏,‏ ولا من محامية‏,‏ فقد كان محمد ماضي متهما في نظر الجميع دون أن توجه إليه تهمة‏,‏ وكان مدانا ايضا دون أن تتم محاكمته وتثبت إذانته‏.‏
علي ان وصول محمد ماضي الي باسيك كاونتي سبقته رحلة طويلة ومضنية بدأت بمكتب التحقيقات الفيدرالي‏F.B.I(‏ المباحث‏)‏ وحين انتهت التحقيقات معه دون الوصول الي شئ وبعد عذاب استمر بضعة أسابيع تم ترحيله الي إدارة الهجرة والتوطين حيث تعرض للفحص مرة أخري وبحثت كل تفاصيل حياته منذ دخل الولايات المتحدة‏,‏ ثم انتقل بعد ذلك الي مركز الحجز في ضاحية بروكلين بنيويورك‏,‏ ثم فوجئ بعد ذلك بترحيله إلي السجن يوم‏5‏ إبريل بعد أن وجه له اتهام غريب هو التزوير وذلك بالزواج الصوري من أمريكية من أجل الحصول علي البطاقة الخضراء‏,‏ وفي‏2‏ إبريل تم إلغاء تصريح إقامته الدائمة في الولايات المتحدة‏,‏ لكن لم يتم ترحيله إلا في نهاية مايو‏.‏

ويقول محمد ماضي لمجلة كايرو تايمز أنه طوال شهرين ونصف الشهر في البداية لم يكن يسمح له بمغادرة زنزانته‏,‏ وكاد يجن لأنه لم يكن هناك أي اتصال بينه وبين العالم الخارجي‏,‏ ثم تمكن من شراء جهاز راديو صغير حتي يتابع مايحدث في العالم وخاصة تطورات انفجارات نيويورك التي قبض عليه في أعقابها‏,‏ لكن بعد أقل من أسبوعين تم مصادرة الراديو رغم أنه اشتراه بطريق رسمي من داخل السجن‏,‏ كذلك منعت عنه كل التحويلات المالية‏,‏ فقد أرسلت له زوجته‏0‏ وهي مصرية وليست أمريكية‏)‏ بمبلغ‏200‏ دولار‏,‏ لكنه إلي أن خرج لم يتسلم منها دولارا واحدا‏,‏ ثم تعرض الي سلسلة من الاعتداءات البدنية التي مازالت آثارها علي جسده حتي الآن‏,‏ وقد أمر أحد القضاة بتصوير آثار التعذيب الذي وقع عليه‏.‏
ولقد ساءت حالة محمد ماضي داخل السجن فطلب عرضه علي الطبيبة النفسية أكثر من عشر مرات‏,‏ لكنها ظلت تسأله كلما جاءت ان كان يرغب في الانتحار‏(!!),‏ وفي مرة فاض به الكيل فقال لها‏:‏ نعم أريد ان أقتل نفسي‏.‏ ففوجئ بنقله الي زنزانة خاصة للخطيرين حيث تم تقييده داخل رداء مثل رداء المختلين عقليا وكانت تجري مراقبته طوال ساعات الليل والنهار‏.‏

واذا كان محمد ماضي قد تحول من الانبهار بالتجربة الأمريكية الي الكفر بها فإن أسباب ذلك واضحة‏,‏ وقد قامت منظمة العفو الدولية بتسجيل حالته باعتباره إحدي ضحايا سياسة مايسمي الاعتقال السري التي تمارسها الحكومة الأمريكية ضد مواطني الشرق الأوسط من العرب والمسلمين‏,‏ ولقد اعترضت‏22‏ هيئة من هيئات حقوق الانسان داخل الولايات المتحدة نفسها علي هذه السياسة ومايتعرض له البعض من أهوال بسببها‏,‏ وفي بداية شهر أغسطس الحالي عرض الأمر علي المحكمة الفيدرالية في الولايات المتحدة فحكمت القاضية جلاديس كسلر بأن يتم الكشف عن أسماء المعتقلين واعلان المحكمة بهم خلال‏15‏ يوما‏,‏ لمكن الحكومة لم تستجب لطلب المحكمة فعادت القاضية تطلب ضرورة كشف هذه الأسماء خلال أسبوع واحد‏,‏ لكن حتي الأن لم تفعل الحكومة الأمريكية ذلك‏,‏ فالأسماء لايتم الإعلان عنها إلا بعد الإفراج‏,‏ أما خلال الاعتقال فلا أحد يعرف بالضبط من هم المعتقلون ولا كم عددهم‏,‏ ويقدر عدد من تم اعتقالهم وفق سياسة الاعتقال السري بالمئات وصل عدد المصريين فيهم حسب الأرقام الرسمية الي‏165‏ معتقلا مازال من بينهم‏20‏ معتقلا علي الأقل لم يفرج منهم حتي الأن‏,‏ كما حدث مع محمد ماضي‏.‏
ولقد عاد محمد ماضي‏(44‏ عاما‏)‏ الي مصر حيث يقيم الآن بشبرا الخيمة مع عائلته‏,‏ لكنه فقد الي الأبد القدرة علي استخدام ذراعة بشكل طبيعي من جراء التعذيب البدني الذي تعرض له اثناء اعتقاله في بلاد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان‏,‏ كما أصيب أيضا بمرض جلدي مزمن أثناء إقامته في السجن‏.‏

وبعكس ماحدث للصحفية البريطانية إيفون ريدلي التي اعتنقت الاسلام‏,‏ فإن محمد ماضي الذي اعتقل مثلها دون أي اتهام يقول‏:‏ لقد كنت أحب الولايات المتحدة‏,‏ وكنت أشعر أن أمريكا هي بلدي‏,‏ ولكني اكتشفت أنها دكتاتورية مستترة‏,‏ فجميع قوانين الحريات التي ينبهر بها العالم يمكن التلاعب بها في أي لحظة كيفما تريد السلطات‏,‏ ثم يضيف أنه ينصح الشباب بالتخلي عن الحلم الأمريكي‏,‏ لأن هذا الحلم سيتحول ان أجلا أو عاجلا الي كابوس مخيف يمكن أن تسلم من آثاره البدنية والنفسية‏.‏
فما أغرب تجربتي اعتقال المواطنة البريطانية المسيحية وتجربة المواطن المصري‏,‏ المسلم‏!..‏ ان الفرق بين الترجبتين يدفعنا للتساؤل‏:‏ من هم المتحضرون في هذا العالم ومن هم المتخلفون؟ أهم مجتمع الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان‏,‏ أم المسلمون حتي لوكانوا في أسوأ حالات التعصب والانغلاق؟‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية