|
|
أثار حادث الثأر الذي وقع في سوهاج, ذكري حادث مماثل دارت وقائعه قديما, في الجاهلية. ذلك الحادث الذي استدعته ذاكرتي إلي مخيلتي هو يوم البسوس وهي حرب دارت رحاها بين حيين من أحياء العرب: تغلب وبني بكر بن وائل. ولسوف أقص أبرز وقائع حرب البسوس مسقطا إياها علي ما شهده وسوف يشهده الصعيد, فالقصة, بعد, لم تتم فصولا. فقد نزل سعد الجرمي ضيفا علي البسوس بنت منقذ بن عمرو بن سعد منات بن تميم وهي خالة جساس بن مرة( أحد أبطال القصة وهو من بكر بن وائل). وكان للجرمي ناقة, سراب, ترعي مع إبل جساس. فخرج كليب( بطل قصتنا الثاني وهو كليب بن ربيعة التغلبي) يتعهد إبله يوما وكانت ترعي مع إبل صهره جساس, رأي سراب فأنكرها وقال لا ترعي هذه مع إبلي. ثم قتل كليب ناقة الجرمي لما رآها وسط إبله, فلما رأت البسوس ما حل بناقة جارها صاحت بجساس( وبعض النساء شر معين علي الثأر كما نري في الصعيد) فأثار فعل كليب حفيظته وعدها اعتداء علي حق جاره الجرمي. فذهب إلي زوج أخته كليب متوعدا إياه واضعا رمحه في ظهره. لكن كليب لم يلتفت وقال لجساس: إن كنت صادقا فأقبل إلي من أمامي, فطعنه جساس طعنة أردته قتيلا( في حادث قرية بيت علام تم قتل أبناء الحنشات غيلة وهم عزل من السلاح في كمين نصبه لهم أبناء عبد الحليم). وكان همام بن مرة ـ أخو جساس ـ ومهلهل ـ أخو كليب ـ صديقين حميمين لا يكتم أحدهما صاحبه شيئا, فلما أقبلت جارية همام تخبر سيدها نبأ قتل أخيه كليبا, وكان مع مهلهل يشرب الخمر, سأله: ما قالت لك الجارية ؟ فصارحه بالأمر فقال مهلهل, ثملا, اليوم خمر وغدا أمر. فلما أفاق مهلهل من سكره لم يرعه إلا النساء يصرخن وقد شققن الجيوب وخمشن الوجوه وخرجت الأبكار وذوات الخدر والعواتق إليه. قص همام شعره وقصر ثوبه وهجر النساء وترك الغزل وحرم القمار والشرب وأذن في قومه بالحرب( وكما نري فعادة استنفار العشيرة مازالت إحدي سمات الصعيد وغيره من المجتمعات العشائرية). فلما تم له اجتماع القوم, أرسل رجالا منهم إلي بني شيبان فأتوا مرة بن ذهل بن شيبان( أبا جساس) وهو في نادي قومه فقالوا له: إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناقة( يذكر أن دائرة الثأر قد بدأت بخلاف بين أطفال عائلتي بيت علام) وقطعتم الرحم( كان بين العائلتين مصاهرة فثلاث عشرة امرأة من عائلة عبد الحليم كن متزوجات, قبل الحادث, من رجال من الحنشات) وانتهكتم الحرة( عقد اتفاق مصالحة قبل الحادث الأخير في شهر مايو الماضي) وإنا نعرض عليكم خلالا أربعا لكم فيها مخرج ولنا مقنع: إما أن تحيي كليبا أو تدفع إلينا قاتله جساس( يعفي عن القاتل, في الصعيد, إذا ما تقدم عاري القدمين حاملا كفنه ويمثل به بين يدي كبير عائلة القتيل جاثيا علي ركبتيه طالبا العفو منه) أو همام أخاه فهو كفؤ له أو تمكنا من نفسك فإن فيك وفاء من دمه. رفض مرة الخلال الأربع وعرض, في المقابل, خصلتين: احداهما أن يدفع إليهم أحد أبنائه الباقين ـ خلا همام ـ يأخذوه بصاحبهم أما الأخري فهي أن يدفع إليهم ألف ناقة سود الحدق حمر الوبر. فغضب القوم وقالوا: لقد أسأت, تبذل لنا صغار ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب. وبذلك أذن بالحرب: حرب البسوس التي دارت رحاها أربعين سنة رغم محاولات الإصلاح بين الحيين من رءوس القبيلتين( نشب الثأر بين عائلتي سوهاج عام1990 واستمر ناشبا, مع ذلك, رغم محاولات الإصلاح من قبل قادة المحليات ورءوس القوم في المنطقة). وبعد أن أنهكت الحرب الحيين: بكر بن وائل وتغلب, جنح مهلهل للسلم, بعد قتل جساس واخيه همام, وأوقف رحي الحرب وآثر اعتزال القوم فلجأ إلي اليمن( لو تم العفو عن القاتل, في الصعيد, فإنه ينفي من الأرض أي من محيط الفتنة). نسأل الله السلامة لمصر ولأبنائها.
أسامة شكري بكالوريوس اقتصاد ـ جامعة القاهرة
|
|
|
|
|
|