بـريــد الأهــرام

42266‏السنة 126-العدد2002اغسطس26‏17من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

ظلال من حرب البسوس

أثار حادث الثأر الذي وقع في سوهاج‏,‏ ذكري حادث مماثل دارت وقائعه قديما‏,‏ في الجاهلية‏.‏
ذلك الحادث الذي استدعته ذاكرتي إلي مخيلتي هو يوم البسوس وهي حرب دارت رحاها بين حيين من أحياء العرب‏:‏ تغلب وبني بكر بن وائل‏.‏ ولسوف أقص أبرز وقائع حرب البسوس مسقطا إياها علي ما شهده وسوف يشهده الصعيد‏,‏ فالقصة‏,‏ بعد‏,‏ لم تتم فصولا‏.‏
فقد نزل سعد الجرمي ضيفا علي البسوس بنت منقذ بن عمرو بن سعد منات بن تميم وهي خالة جساس بن مرة‏(‏ أحد أبطال القصة وهو من بكر بن وائل‏).‏ وكان للجرمي ناقة‏,‏ سراب‏,‏ ترعي مع إبل جساس‏.‏ فخرج كليب‏(‏ بطل قصتنا الثاني وهو كليب بن ربيعة التغلبي‏)‏ يتعهد إبله يوما وكانت ترعي مع إبل صهره جساس‏,‏ رأي سراب فأنكرها وقال لا ترعي هذه مع إبلي‏.‏ ثم قتل كليب ناقة الجرمي لما رآها وسط إبله‏,‏ فلما رأت البسوس ما حل بناقة جارها صاحت بجساس‏(‏ وبعض النساء شر معين علي الثأر كما نري في الصعيد‏)‏ فأثار فعل كليب حفيظته وعدها اعتداء علي حق جاره الجرمي‏.‏ فذهب إلي زوج أخته كليب متوعدا إياه واضعا رمحه في ظهره‏.‏ لكن كليب لم يلتفت وقال لجساس‏:‏ إن كنت صادقا فأقبل إلي من أمامي‏,‏ فطعنه جساس طعنة أردته قتيلا‏(‏ في حادث قرية بيت علام تم قتل أبناء الحنشات غيلة وهم عزل من السلاح في كمين نصبه لهم أبناء عبد الحليم‏).‏
وكان همام بن مرة ـ أخو جساس ـ ومهلهل ـ أخو كليب ـ صديقين حميمين لا يكتم أحدهما صاحبه شيئا‏,‏ فلما أقبلت جارية همام تخبر سيدها نبأ قتل أخيه كليبا‏,‏ وكان مع مهلهل يشرب الخمر‏,‏ سأله‏:‏ ما قالت لك الجارية ؟ فصارحه بالأمر فقال مهلهل‏,‏ ثملا‏,‏ اليوم خمر وغدا أمر‏.‏ فلما أفاق مهلهل من سكره لم يرعه إلا النساء يصرخن وقد شققن الجيوب وخمشن الوجوه وخرجت الأبكار وذوات الخدر والعواتق إليه‏.‏
قص همام شعره وقصر ثوبه وهجر النساء وترك الغزل وحرم القمار والشرب وأذن في قومه بالحرب‏(‏ وكما نري فعادة استنفار العشيرة مازالت إحدي سمات الصعيد وغيره من المجتمعات العشائرية‏).‏ فلما تم له اجتماع القوم‏,‏ أرسل رجالا منهم إلي بني شيبان فأتوا مرة بن ذهل بن شيبان‏(‏ أبا جساس‏)‏ وهو في نادي قومه فقالوا له‏:‏ إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناقة‏(‏ يذكر أن دائرة الثأر قد بدأت بخلاف بين أطفال عائلتي بيت علام‏)‏ وقطعتم الرحم‏(‏ كان بين العائلتين مصاهرة فثلاث عشرة امرأة من عائلة عبد الحليم كن متزوجات‏,‏ قبل الحادث‏,‏ من رجال من الحنشات‏)‏ وانتهكتم الحرة‏(‏ عقد اتفاق مصالحة قبل الحادث الأخير في شهر مايو الماضي‏)‏ وإنا نعرض عليكم خلالا أربعا لكم فيها مخرج ولنا مقنع‏:‏ إما أن تحيي كليبا أو تدفع إلينا قاتله جساس‏(‏ يعفي عن القاتل‏,‏ في الصعيد‏,‏ إذا ما تقدم عاري القدمين حاملا كفنه ويمثل به بين يدي كبير عائلة القتيل جاثيا علي ركبتيه طالبا العفو منه‏)‏ أو همام أخاه فهو كفؤ له أو تمكنا من نفسك فإن فيك وفاء من دمه‏.‏
رفض مرة الخلال الأربع وعرض‏,‏ في المقابل‏,‏ خصلتين‏:‏ احداهما أن يدفع إليهم أحد أبنائه الباقين ـ خلا همام ـ يأخذوه بصاحبهم أما الأخري فهي أن يدفع إليهم ألف ناقة سود الحدق حمر الوبر‏.‏ فغضب القوم وقالوا‏:‏ لقد أسأت‏,‏ تبذل لنا صغار ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب‏.‏ وبذلك أذن بالحرب‏:‏ حرب البسوس التي دارت رحاها أربعين سنة رغم محاولات الإصلاح بين الحيين من رءوس القبيلتين‏(‏ نشب الثأر بين عائلتي سوهاج عام‏1990‏ واستمر ناشبا‏,‏ مع ذلك‏,‏ رغم محاولات الإصلاح من قبل قادة المحليات ورءوس القوم في المنطقة‏).‏
وبعد أن أنهكت الحرب الحيين‏:‏ بكر بن وائل وتغلب‏,‏ جنح مهلهل للسلم‏,‏ بعد قتل جساس واخيه همام‏,‏ وأوقف رحي الحرب وآثر اعتزال القوم فلجأ إلي اليمن‏(‏ لو تم العفو عن القاتل‏,‏ في الصعيد‏,‏ فإنه ينفي من الأرض أي من محيط الفتنة‏).‏
نسأل الله السلامة لمصر ولأبنائها‏.‏
أسامة شكري
بكالوريوس اقتصاد ـ جامعة القاهرة

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية