|
|
يطرح انعقاد مؤتمر التنمية المستدامة في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا, من جديد مسألة تنفيذ قرارات المؤتمرات الدولية, وأهمية مشاركة الأطراف الأساسية فيها, خاصة الحكومات والقطاع الأهلي والقطاع الخاص, وضرورة التنسيق الوطني بين هذه الأطراف في متابعة تنفيذ هذه القرارات كشركاء أساسيين لكل منهم دوره الذي يتكامل مع أدوار الأطراف الأخري, فقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين سلسلة من المؤتمرات العالمية, دعا إليها الأمم المتحدة, شارك في التحضير لها وفي أعمالها ومناقشاتها حكومات العالم وآلاف المنظمات غير الحكومية من كل أرجاء المعمورة, وقد غطت مناقشات هذه المؤتمرات والتوصيات الصادرة عنها قضية التنمية الاجتماعية من جوانب متعددة: الطفل ـ نيويورك1990, السكان والتنمية ـ القاهرة1994, المرأة ـ بكين1995, التنمية الاجتماعية ـ كوبنهاجن1995, المستوطنات البشرية ـ اسطنبول1996. وقد نجحت هذه المؤتمرات الي حد كبير في إرساء قدر من الترابط بين مجمل القضايا التي تعرضت لها, ولايمكن التفكير في الخدمات الصحية والتعليمية بمعزل عن قضية النوع الاجتماعي, أو بمعزل عن برامج التنمية الاجتماعية, كما أن حقوق الطفل والمرأة لايمكن تأمينها في مجتمعات تعاني الفقر والتهميش...الخ, إن هذا الترابط بين الحقوق والاحتياجات والإمكانات التي كشفت عنه هذه المؤتمرات, يشكل منظومة مترابطة مركزها الإنسان, وهذا هو الهدف الرئيسي لمؤتمرات التسعينيات, وبهذا تتأكد العلاقة العضوية بين هذه المؤتمرات من زاوية التأثير والتأثر, والتفاعل فيما بينها علي مستوي القضايا والمفاهيم الأساسية المتعلقة بإشباع الاحتياجات والحقوق والتنمية والمشاركة, رغم أن لكل منها سماته الخاصة التي تحددها خصوصية القضايا المثارة, وهو ما يؤكد ضرورة التنسيق في تنفيذ توصياتها والتعامل مع نتائجها.
إن تنفيذ ومتابعة تنفيذ توصيات هذه المؤتمرات يتطلب تنسيق الجهود الوطنية المختلفة داخل كل قطر, وعلي المستوي الإقليمي, وأن يشمل هذا التنسيق المؤسسات والهيئات الحكومية والمنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية والمؤسسات البحثية وفروع منظمات الأمم المتحدة العاملة بهذه الأقطار في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية, وفي مجالات الطفولة والمرأة والصحة..الخ, تتأكد أيضا الحاجة الي التنسيق علي المستوي الوطني والإقليمي في متابعة تنفيذ توصيات المؤتمرات العالمية من خلال منظومة متابعة متكاملة, تقوم علي مشاركة فعالة وحقيقية بين مختلف الأطراف, لأكثر من سبب: أولا: عقدت هذه المؤتمرات من خلال الجهود المشتركة للأمم المتحدة ومنظماتها, والحكومات والقطاع الأهلي, والمنظمات غير الحكومية, وشهدت مراحل التحضير والمناقشات وصياغة الاعلانات الصادرة عن هذه المؤتمرات وما تضمنته من توصيات مشاركة فعالة من المنظمات غير الحكومية, التي عقدت في كل مؤتمر منتدي خاصا بها الي جانب المؤتمر الحكومي, عبرت فيه عن رأيها في القضايا المطروحة, وقد تصاعدت مشاركتها بدرجة ملحوظة من مؤتمر لآخر, حيث بلغت علي سبيل المثال في مؤتمر السكان والتنمية بالقاهرة1400 منظمة غير حكومية معتمدة, بالإضافة الي1000 منظمة مسجلة, وكانت مشاركتها أكثر من ذلك في مؤتمر المرأة ببكين الذي شارك فيه أكثر من عشرة آلاف مشارك يمثلون2400 منظمة غير حكومية, وبعدها مؤتمر المستوطنات البشرية, وهو ما يطرح ضرورة استمرار هذه المشاركة في مرحلة تنفيذ التوصيات الصادرة عن هذه المؤتمرات, ومتابعة وتقويم نتائج التنفيذ.
ثانيا: لا تتوافر للحكومات الإمكانات اللازمة لتنفيذ توصيات هذه المؤتمرات وحدها, فهي في حاجة الي موارد إضافية ومساندة من القطاع الخاص والقطاع الأهلي, وموارد خارجية ومساندة من الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة توفر لها الخبرة اللازمة لرفع مستوي الأداء, وتوفر قدرا من التمويل للبرامج التنفيذية التنموية والخدمية, ويتطلب ذلك قيام مشاركة حقيقية بين الحكومة والقطاع الأهلي ينطلق من التكامل في الأدوار, والتعاون في تحقيق الأهداف المشتركة, فالقطاع الأهلي ليس منافسا للحكومة ولابديلا عن الدور الحكومي, وإنما هو مكمل له, وهناك أساس موضوعي لهذا التكامل وضرورات التعاون, يتمثل في قدرة القطاع الأهلي علي تعبئة موارد اضافية لسد حاجات قطاعات مهمة من السكان, وتعبئة هؤلاء السكان في أنشطة تسهم في تنفيذ البرامج والأنشطة الضرورية مستندا في ذلك الي قدرته علي توفير عمالة تطوعية وقدرته علي الاقتراب الشامل من الفئات المستفيدة وعلي توجهه الإنساني. ثالثا: تناولت توصيات المؤتمرات الخمس قضايا متماثلة من زوايا مختلفة, وقد تعرض كل مؤتمر لقضايا تناولتها المؤتمرات الأخري لارتباطها بموضوع المؤتمر, مثل قضايا المرأة التي فرضت نفسها علي كل المؤتمرات, ففي مؤتمر الطفل فرضت العلاقة العضوية بين الأمومة والطفولة والأسرة نفسها علي مناقشات المؤتمر, وتم التركيز علي تعزيز مركز المرأة ودورها في التنمية, والعناية بصحة المرأة وتغذيتها وتعليمها وتوعية الأزواج بوسائل تنظيم الأسرة..الخ, وفي مؤتمر السكان جري تأكيد حقوق المرأة الصحية والإنجابية, وفي مؤتمر المرأة جري اخضاع كل القضايا التي تبنتها المؤتمرات الأخري لمنظور النوع, خاصة قضايا التنمية ومحاربة الفقر والمشاركة في صنع القرار, وبلوغ مواقع السلطة, والحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمتها الحق في الرعاية الصحية والتعليم.
وهكذا فإننا نجد أنفسنا أمام منظومة متكاملة ومترابطة من القضايا المشتركة, التي طرحتها المؤتمرات الخمسة تفرض أن يتم التعامل معها كوحدة واحدة علي المستوي الوطني, والتنسيق بين الفاعلين الأساسيين لوضع البرامج التنفيذية والمشروعات التفصيلية لمعالجتها في إطار متابعة متكاملة تشمل أهم ما طرح من قضايا مشتركة في توصيات هذه المؤتمرات, مثل: القضاء علي الفقر والبطالة والتهميش وتحقيق التكافل الاجتماعي, وتحقيق التنمية المستدامة, وتوفير الخدمات الأساسية للجميع وخاصة الصحة والتعليم, وحماية البيئة, وتوفير مصادر عيش منتظم, والمساواة بين المرأة والرجل, وتمكين المرأة وتوسيع مشاركتها السياسية وتأكيد حقوقها السياسية وتعزيز وضعها في المجتمع, وإيجاد بيئة ملائمة تمكن من تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وتنظيم التوسع الحضري, والآليات المؤسسية لإدارة التنمية, والمشاركة الفعالة للمنظمات الأهلية في رصد ومتابعة تنفيذ توصيات المؤتمرات, هذا علاوة علي الأهداف التفصيلية الخاصة بخفض معدلات الوفيات بين الأطفال والأمهات, وتوفير مياه الشرب النقية والصرف الصحي, واستكمال التعليم الابتدائي وخفض معدل الأمية بين الكبار.
رابعا: تنشط منظمات الأمم المتحدة المتخصصة في تنفيذ توصيات هذه المؤتمرات, التي تتصل بمجالها مثل اليونيسيف واليونسكو ومنظمة الأغذية..الخ, إلا أن اللجنة الاقتصادية الاجتماعية للأمم المتحدة بغرب آسيا( الأسكوا) اهتمت بشكل خاص بقضايا متابعة تنفيذ توصيات المؤتمرات, وتوصلت من خلال عدة ندوات ومؤتمرات عقدتها لهذا الغرض وشارك فيها خبراء وممثلون للحكومات العربية والقطاع الأهلي في مختلف الأقطار العربية, توصلت الي خبرة مهمة في مجال متابعة تنفيذ توصيات المؤتمرات وضرورة أن تقوم كل دولة بتطوير واعتماد آلية مناسبة لظروفها بهدف تنسيق الجهود الوطنية المختلفة لمتابعة التنفيذ, بما في ذلك توحيد المؤشرات, وإعداد التقارير الوطنية للمتابعة, وتفعيل المشاركة بين المؤسسات الحكومية وغير الحكومية, وذلك لأن التنسيق سيؤدي الي تعظيم الفائدة والمردود من الموارد البشرية والمالية المتاحة لعمليات المتابعة, ويمنع الازدواجية والتعارض بين الأنشطة والبرامج التي تنفذها المؤسسات المختلفة, ويضمن كذلك تكامل الأنشطة مع بعضها البعض, وتنسيق الأهداف التنموية للبرامج المختلفة, كما أن تبادل المعلومات والخبرات بين المؤسسات والهيئات والمنظمات المختلفة ضمن إطار التنسيق علي المستوي الوطني تصبح عملية أكثر يسرا وتتم بتفاعل عملي ومباشر أيضا. |
|
|
|
|
|