قضايا و اراء

42266‏السنة 126-العدد2002اغسطس26‏17من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

حول ضرورة التنسيق
في متابعة توصيات المؤتمرات الدولية
بقلم : عبدالغفار شكر

يطرح انعقاد مؤتمر التنمية المستدامة في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا‏,‏ من جديد مسألة تنفيذ قرارات المؤتمرات الدولية‏,‏ وأهمية مشاركة الأطراف الأساسية فيها‏,‏ خاصة الحكومات والقطاع الأهلي والقطاع الخاص‏,‏ وضرورة التنسيق الوطني بين هذه الأطراف في متابعة تنفيذ هذه القرارات كشركاء أساسيين لكل منهم دوره الذي يتكامل مع أدوار الأطراف الأخري‏,‏ فقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين سلسلة من المؤتمرات العالمية‏,‏ دعا إليها الأمم المتحدة‏,‏ شارك في التحضير لها وفي أعمالها ومناقشاتها حكومات العالم وآلاف المنظمات غير الحكومية من كل أرجاء المعمورة‏,‏ وقد غطت مناقشات هذه المؤتمرات والتوصيات الصادرة عنها قضية التنمية الاجتماعية من جوانب متعددة‏:‏ الطفل ـ نيويورك‏1990,‏ السكان والتنمية ـ القاهرة‏1994,‏ المرأة ـ بكين‏1995,‏ التنمية الاجتماعية ـ كوبنهاجن‏1995,‏ المستوطنات البشرية ـ اسطنبول‏1996.‏
وقد نجحت هذه المؤتمرات الي حد كبير في إرساء قدر من الترابط بين مجمل القضايا التي تعرضت لها‏,‏ ولايمكن التفكير في الخدمات الصحية والتعليمية بمعزل عن قضية النوع الاجتماعي‏,‏ أو بمعزل عن برامج التنمية الاجتماعية‏,‏ كما أن حقوق الطفل والمرأة لايمكن تأمينها في مجتمعات تعاني الفقر والتهميش‏...‏الخ‏,‏ إن هذا الترابط بين الحقوق والاحتياجات والإمكانات التي كشفت عنه هذه المؤتمرات‏,‏ يشكل منظومة مترابطة مركزها الإنسان‏,‏ وهذا هو الهدف الرئيسي لمؤتمرات التسعينيات‏,‏ وبهذا تتأكد العلاقة العضوية بين هذه المؤتمرات من زاوية التأثير والتأثر‏,‏ والتفاعل فيما بينها علي مستوي القضايا والمفاهيم الأساسية المتعلقة بإشباع الاحتياجات والحقوق والتنمية والمشاركة‏,‏ رغم أن لكل منها سماته الخاصة التي تحددها خصوصية القضايا المثارة‏,‏ وهو ما يؤكد ضرورة التنسيق في تنفيذ توصياتها والتعامل مع نتائجها‏.‏

إن تنفيذ ومتابعة تنفيذ توصيات هذه المؤتمرات يتطلب تنسيق الجهود الوطنية المختلفة داخل كل قطر‏,‏ وعلي المستوي الإقليمي‏,‏ وأن يشمل هذا التنسيق المؤسسات والهيئات الحكومية والمنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية والمؤسسات البحثية وفروع منظمات الأمم المتحدة العاملة بهذه الأقطار في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية‏,‏ وفي مجالات الطفولة والمرأة والصحة‏..‏الخ‏,‏ تتأكد أيضا الحاجة الي التنسيق علي المستوي الوطني والإقليمي في متابعة تنفيذ توصيات المؤتمرات العالمية من خلال منظومة متابعة متكاملة‏,‏ تقوم علي مشاركة فعالة وحقيقية بين مختلف الأطراف‏,‏ لأكثر من سبب‏:‏
أولا‏:‏ عقدت هذه المؤتمرات من خلال الجهود المشتركة للأمم المتحدة ومنظماتها‏,‏ والحكومات والقطاع الأهلي‏,‏ والمنظمات غير الحكومية‏,‏ وشهدت مراحل التحضير والمناقشات وصياغة الاعلانات الصادرة عن هذه المؤتمرات وما تضمنته من توصيات مشاركة فعالة من المنظمات غير الحكومية‏,‏ التي عقدت في كل مؤتمر منتدي خاصا بها الي جانب المؤتمر الحكومي‏,‏ عبرت فيه عن رأيها في القضايا المطروحة‏,‏ وقد تصاعدت مشاركتها بدرجة ملحوظة من مؤتمر لآخر‏,‏ حيث بلغت علي سبيل المثال في مؤتمر السكان والتنمية بالقاهرة‏1400‏ منظمة غير حكومية معتمدة‏,‏ بالإضافة الي‏1000‏ منظمة مسجلة‏,‏ وكانت مشاركتها أكثر من ذلك في مؤتمر المرأة ببكين الذي شارك فيه أكثر من عشرة آلاف مشارك يمثلون‏2400‏ منظمة غير حكومية‏,‏ وبعدها مؤتمر المستوطنات البشرية‏,‏ وهو ما يطرح ضرورة استمرار هذه المشاركة في مرحلة تنفيذ التوصيات الصادرة عن هذه المؤتمرات‏,‏ ومتابعة وتقويم نتائج التنفيذ‏.‏

ثانيا‏:‏ لا تتوافر للحكومات الإمكانات اللازمة لتنفيذ توصيات هذه المؤتمرات وحدها‏,‏ فهي في حاجة الي موارد إضافية ومساندة من القطاع الخاص والقطاع الأهلي‏,‏ وموارد خارجية ومساندة من الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة توفر لها الخبرة اللازمة لرفع مستوي الأداء‏,‏ وتوفر قدرا من التمويل للبرامج التنفيذية التنموية والخدمية‏,‏ ويتطلب ذلك قيام مشاركة حقيقية بين الحكومة والقطاع الأهلي ينطلق من التكامل في الأدوار‏,‏ والتعاون في تحقيق الأهداف المشتركة‏,‏ فالقطاع الأهلي ليس منافسا للحكومة ولابديلا عن الدور الحكومي‏,‏ وإنما هو مكمل له‏,‏ وهناك أساس موضوعي لهذا التكامل وضرورات التعاون‏,‏ يتمثل في قدرة القطاع الأهلي علي تعبئة موارد اضافية لسد حاجات قطاعات مهمة من السكان‏,‏ وتعبئة هؤلاء السكان في أنشطة تسهم في تنفيذ البرامج والأنشطة الضرورية مستندا في ذلك الي قدرته علي توفير عمالة تطوعية وقدرته علي الاقتراب الشامل من الفئات المستفيدة وعلي توجهه الإنساني‏.‏
ثالثا‏:‏ تناولت توصيات المؤتمرات الخمس قضايا متماثلة من زوايا مختلفة‏,‏ وقد تعرض كل مؤتمر لقضايا تناولتها المؤتمرات الأخري لارتباطها بموضوع المؤتمر‏,‏ مثل قضايا المرأة التي فرضت نفسها علي كل المؤتمرات‏,‏ ففي مؤتمر الطفل فرضت العلاقة العضوية بين الأمومة والطفولة والأسرة نفسها علي مناقشات المؤتمر‏,‏ وتم التركيز علي تعزيز مركز المرأة ودورها في التنمية‏,‏ والعناية بصحة المرأة وتغذيتها وتعليمها وتوعية الأزواج بوسائل تنظيم الأسرة‏..‏الخ‏,‏ وفي مؤتمر السكان جري تأكيد حقوق المرأة الصحية والإنجابية‏,‏ وفي مؤتمر المرأة جري اخضاع كل القضايا التي تبنتها المؤتمرات الأخري لمنظور النوع‏,‏ خاصة قضايا التنمية ومحاربة الفقر والمشاركة في صنع القرار‏,‏ وبلوغ مواقع السلطة‏,‏ والحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمتها الحق في الرعاية الصحية والتعليم‏.‏

وهكذا فإننا نجد أنفسنا أمام منظومة متكاملة ومترابطة من القضايا المشتركة‏,‏ التي طرحتها المؤتمرات الخمسة تفرض أن يتم التعامل معها كوحدة واحدة علي المستوي الوطني‏,‏ والتنسيق بين الفاعلين الأساسيين لوضع البرامج التنفيذية والمشروعات التفصيلية لمعالجتها في إطار متابعة متكاملة تشمل أهم ما طرح من قضايا مشتركة في توصيات هذه المؤتمرات‏,‏ مثل‏:‏
القضاء علي الفقر والبطالة والتهميش وتحقيق التكافل الاجتماعي‏,‏ وتحقيق التنمية المستدامة‏,‏ وتوفير الخدمات الأساسية للجميع وخاصة الصحة والتعليم‏,‏ وحماية البيئة‏,‏ وتوفير مصادر عيش منتظم‏,‏ والمساواة بين المرأة والرجل‏,‏ وتمكين المرأة وتوسيع مشاركتها السياسية وتأكيد حقوقها السياسية وتعزيز وضعها في المجتمع‏,‏ وإيجاد بيئة ملائمة تمكن من تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية‏,‏ وتنظيم التوسع الحضري‏,‏ والآليات المؤسسية لإدارة التنمية‏,‏ والمشاركة الفعالة للمنظمات الأهلية في رصد ومتابعة تنفيذ توصيات المؤتمرات‏,‏ هذا علاوة علي الأهداف التفصيلية الخاصة بخفض معدلات الوفيات بين الأطفال والأمهات‏,‏ وتوفير مياه الشرب النقية والصرف الصحي‏,‏ واستكمال التعليم الابتدائي وخفض معدل الأمية بين الكبار‏.‏

رابعا‏:‏ تنشط منظمات الأمم المتحدة المتخصصة في تنفيذ توصيات هذه المؤتمرات‏,‏ التي تتصل بمجالها مثل اليونيسيف واليونسكو ومنظمة الأغذية‏..‏الخ‏,‏ إلا أن اللجنة الاقتصادية الاجتماعية للأمم المتحدة بغرب آسيا‏(‏ الأسكوا‏)‏ اهتمت بشكل خاص بقضايا متابعة تنفيذ توصيات المؤتمرات‏,‏ وتوصلت من خلال عدة ندوات ومؤتمرات عقدتها لهذا الغرض وشارك فيها خبراء وممثلون للحكومات العربية والقطاع الأهلي في مختلف الأقطار العربية‏,‏ توصلت الي خبرة مهمة في مجال متابعة تنفيذ توصيات المؤتمرات وضرورة أن تقوم كل دولة بتطوير واعتماد آلية مناسبة لظروفها بهدف تنسيق الجهود الوطنية المختلفة لمتابعة التنفيذ‏,‏ بما في ذلك توحيد المؤشرات‏,‏ وإعداد التقارير الوطنية للمتابعة‏,‏ وتفعيل المشاركة بين المؤسسات الحكومية وغير الحكومية‏,‏ وذلك لأن التنسيق سيؤدي الي تعظيم الفائدة والمردود من الموارد البشرية والمالية المتاحة لعمليات المتابعة‏,‏ ويمنع الازدواجية والتعارض بين الأنشطة والبرامج التي تنفذها المؤسسات المختلفة‏,‏ ويضمن كذلك تكامل الأنشطة مع بعضها البعض‏,‏ وتنسيق الأهداف التنموية للبرامج المختلفة‏,‏ كما أن تبادل المعلومات والخبرات بين المؤسسات والهيئات والمنظمات المختلفة ضمن إطار التنسيق علي المستوي الوطني تصبح عملية أكثر يسرا وتتم بتفاعل عملي ومباشر أيضا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية