قضايا و اراء

42266‏السنة 126-العدد2002اغسطس26‏17من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

قضايا معاصرة
ماذا يبقي من الدكتور عبد الرحمن بدوي ؟‏(3)‏
تاريخ كامل لعصور الفلسفة العالمية
بقلم ‏:‏ سامح كريم

ورغم أن هناك فلاسفة يرون تناقضا وتعارضا بين التاريخ والفلسفة‏,‏ مبررين ذلك بأن الفلسفة وهي تبحث عن الحقيقة‏,‏ وهذه الحقيقة معناها مطابقة الفكر للواقع‏,‏ فمعني هذا أن الفلسفة موضوعها الواقع الثابت الذي لا يتغير‏,‏ بينما التاريخ وهو يقوم علي سلسلة من الوقائع والحوادث المتتالية المرتبطة بعضها ببعض فموضوعه التغير‏.‏ ومن هنا يتضح التعارض والتناقض بين الثابت والمتغير‏.‏
ولعل هذا التناقض أو التعارض بين الفلسفة والتاريخ يطرح سؤالا هو‏:‏ وهل يمكن أن يقوم للفلسقة تاريخ في ظل هذا التعارض أو ذاك التناقض ؟ ويجيب الدكتور عبد الرحمن بدوي علي هذا السؤال بكتابهربيع الفكر اليوناني أن هذا التعارض أو التناقض بين الفلسفة والتاريخ ظاهري‏,‏ مقررا بأن هناك بالفعل تاريخا للفلسفة‏,‏ وأن هذا التاريخ مفيد للفلسفة ومريديها‏.‏

وإذا وضح أمامنا ماقرره الدكتور بدوي من أن هناك تاريخ للفلسفة هنا تبدو أمامنا عدة تساؤلات منها‏:‏ كيف يمكننا كتابة هذا التاريخ ؟ وماهي الأسس التي يبني عليها ؟ وماهو المنهج الذي يجب أن يتبعه مؤرخ الفلسفة في تاريخه ؟ ثم ماهي القوانين العامة التي يستطيع أن يستهدي بها المؤرخ خلال بحثه في هذا التاريخ ؟ إلي آخر هذه التساؤلات‏.‏ وفي سياق تاريخه للفلسفة يري الدكتور بدوي بأن الإجابة علي ذلك تجعلنا نهتم بثلاثة موضوعات مهمة أولها موضوع نشأة الفلسفة‏.‏ أي ماهو التاريخ الذي نستيطع أن نقول عنده أن الفلسفة قد وجدت بالفعل‏.‏ ومنه نستطيع أن نبدأ البحث في تاريخها‏,‏ وثاني هذه الموضوعات هو حدود الفلسفة أي إلي أي حد نستطيع القول بأن هذا تاريخ للفلسفة‏,‏ وأن هذا التاريخ مستقل عن بقية العلوم الروحية الأخري‏.‏
وثالث هذه الموضوعات هو البحث عما إذا كانت هناك قوانين خاصة تسير عليها المذاهب الفلسفية في تطورها‏,‏ وإذا كانت هذه القوانين موجودة بالفعل فما هي ؟ وطبيعي أن يصدر الدكتور بدوي تاريخه للفلسفة بمناقشة وبحث هذه الموضوعات الثلاثة منتهيا إلي أن نشأة الفلسفة بدأت في اليونان‏,‏ وأن عصرها الأول كان في القرن السادس حيث بدأ هذا العصر الأول بطاليس وأنتهي بأنكساغورس‏,‏ تلي ذلك عدد من الفلاسفة يمثلون فلسفة اليونان حتي نصل الي عصر آياء الفلسفة اليونانية الممثل في سقراط وأفلاطون وأرسطو‏,‏ وهو مانستطيع أن نتبينه في كتب الدكتور بدوي ومنها‏:‏ ربيع الفكر اليوناني و خريف الفكر اليوناني الذي يضم أيضا شتاء الفكر اليوناني حيث يغطي الحديث عن شتاء الفكر اليوناني مايقرب من ثلث هذا الكتاب‏.‏ بعد ذلك نراه يفرد لأفلاطون كتابا مستقلا فيقدم فلسفته حتي وإن كان يمهد للحديث عنه بحديث آخر عن أستاذه سقراط وفلسفته وأستاذيته ونهايته‏,‏ ثم يفرد كتابا آخر عن ارسطو وفلسفته وأثره بمن سبقه من الفلاسفة وتأثيره فيمن لحقه‏.‏ ليختم تاريخه للفلسفة اليونانية بحديث مستفيض عن عصر التنوير الفلسفي‏.‏ يعقب ذلك تأريخه لفلسفة العصور الوسطي ويشمل هذا التأريخ الفلسفة
المسيحية والفلسفة الاسلامية‏,‏ وحين يؤرخ للفلسفة المسيحية ينشر كتابا عنوانه فلسفة العصور الوسطي مستهلا صفحاته ببحث عن خصائص هذه الفلسفة تلك التي يحملها في ثلاث خصائص أولاها أنها تكمل الإيمان عن طريق العقل أو تكمل العقل عن طريق الإيمان‏.‏ حين تحاول إلي جانب إيمانها بالمعتقدات أن تعبر تعبيرا حقيقيا عن هذه المعتقدات وثانية تلك الخصائص أن هذه الفلسفة محدودة المشكلات التي تشتغل بها‏.‏ فهي تتناول فقط ما هو خاص بفكرة الخلاص أي تتناول صفات الله سبحانه وتعالي‏,‏ والإنسان من حيث روحه وصلته بالله عزوجل‏,‏ والطبيعة من حيث صلتها بالله‏..‏ وغير هذه المشكلات تعتبر ثانوية في نظر فلاسفة المسيحية والمشتغلين بها‏.‏ وثالثة هذه الخصائص أنه لايمكن أن نفرق بين الفيلسوف والمذهب الديني الذي يعتنقه بمعني أن تكون الفلسفة متأثرة بالشخص الذي ينتجها‏,‏ ولما كان الدين من مقومات الشخصية الانسانية‏,‏ فلابد أن تتأثر هذه الفلسفة بالدين الذيي يعتنقه الفيلسوف‏.‏ وطبيعي أن يكون لهذه الفلسفة فلاسفة أبرزهم القديس أوغسطين‏,‏ والقديس أتسلم‏,‏ والقديس بونافنتورا‏,‏ والقديس توما الإكويني‏.‏ وقد عرض الدكتور بدوي لفلسفة كل واحد من هؤلاء الفلاسفة الكبار‏.‏

كذلك تضم العصور الوسطي أيضا الفلسفة الإسلامية‏,‏ المتمثلة في إنتاج فلاسفة المسلمين ومنهم الفارابي وابن سينا والكندي والغزالي وابن رشد وغيرهم‏,‏ وطبيعي أن يتم بينهم وبين فلاسفة المسيحية تأثير وتأثر‏..‏ هذا ويمكن التعرف علي خصائص الفلسفة الإسلامية من عشرات الكتب التي نشرها الدكتور بدوي في هذا المجال وكل هذه الخصائص تدور في علاقة العقل بالنقل أو الفكر بالدين‏.‏ ومن هذه الكتب‏:‏ الإنسان الكامل في الاسلام و مذاهب الإسلاميين و الإنسانية والوجودية في الفكر العربي و مؤلفات إبن سينا و مؤلفات الغزالي و الاشارات الإلهية للتوحيدي وعيون الحكمة لابن سينا و البرهان لابن سينا ورسائل ابن سبعين و مختار الحكم للمبشر بن فاتك و تاريخ التصوف في الإسلام و رسائل الكندي والفارابي وابن ماجة وابن عدي ودراسات ونصوص محققة في تاريخ الفلسفة والعلوم عند العرب‏...‏ وغير ذلك من كتب وضحت فيها معالم الفلسفة الإسلامية في أوج عظمتها‏,‏ وفلاسفتها الذين أناروا بأفكارهم ظلام العصور الوسطي والاكثر قامت علي اكتافهم النهضة الأوروبية الحديثة‏.‏ هذا إلي جانب محافظة هؤلاء المفكرين العرب علي التراث الفلسفي اليوناني حين نقلوه إلي العربية ومن هذا الطريق عرف
العالم بما فيه أوروبا فلسفة اليونان‏.‏ وإذا كانت فلسفة العصور الوسطي علي هذا النحو من تسجيل العلاقة بين العقل والنقل‏.‏ فإن الفلسفة الحديثة قد سايرت العلوم والقيام بمهمة تحليلها ونستطيع التعرف علي ذلك من خلال فلاسفة يتقدمهم ديكارت وكانط واسينوزا وغيرهم حين تقرأ ما نشره الدكتور بدوي من كتب تدور حول هذه الفلسفة ورجالاتها‏.‏
يأتي بعد ذلك تأريخ الدكتور بدوي للفلسفة المعاصرة‏,‏ ولعنا نتبين ذلك من تأريخه لعدد من الفلاسفة الألمان يتقدمهم نيتشه وشوبنهور وشيلنج‏,‏ ونظرته في هذا التأريخ لحديث طويل عن المثالية الألمانية وممثليها كما أرخ لفلاسفة الوجودية نذكر منهم كيركجارد‏,‏ وهيدجر وأونامونا وسارتر وكامي في كتب يتقدمها الزمان الوجودي ودراسات في الفلسفة الوجودية ومصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا و مدخل جديد للفلسفة وترجمة وتقديم كتاب الوجود والعدم لسارتر و دراسات ونصوص محققة في تاريخ الفلسفة والعلوم عند العرب وغيرها من كتب اهتمت بالفلسفة المعاصرة‏.‏

ويتوج الدكتور بدوي تأريخه للفلسفة العالمية في عصورها المختلفة بنشر موسوعة ضخمة في مجلدين كبيرين استقصي فيهما أمرين أولهما يشمل كل ذي شأن في الفلسفة علي مدي تاريخها من منشئي مذاهب ومؤرخين‏,‏ ومسهمين في تطويرها وثاني هذين الأمرين خاص بتناول أمهات المذاهب الفلسفية والموضوعات الرئيسية التي تندرج في ميدانها وقد حرص بالنسبة لهذين الأمرين علي أن يقدم عرضا واضحا ومستوفيا لكل جوانب فكر الفيلسوف‏,‏ حياته ومذهبه ومؤلفاته كما حرص علي تسجيل المعاني الرئيسية والتحديد الدقيق للفلسفة والتطوير في مفهومها‏.‏ وبعد‏..‏ فهذه إشارة سريعة إلي التأريخ الكامل والمتميز لكل عصور الفلسفة منذ بدأت إلي الآن كما وضعه الدكتور بدوي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية