|
|
ركزت علوم السياسة علي دراسة القرار السياسي, خاصة أثناء ادارة الأزمات, وربما يكون هذا التركيز مناسبا تماما للدول العظمي ولكنه يتناقض مع ظروف الدول الصغيرة والمتوسطة في النظام الدولي. فالتعامل مع القرارات منفردة قد يقود الي كارثة بالنسبة للدول الصغيرة والمتوسطة, وقد تصلح القرارات منفردة للدراسة ولكنها تتناقض تماما مع فن السياسة ومع حكمة الفعل السياسي, خاصة لو أن تلك القرارات تتعامل مع بيئة معقدة ومع صراعات مصيرية, فالحكمة تملي تأمل أو تصور رد الفعل المحتمل من جانب الخصم, فإذا اتخذ طرف ما في صراع كبير قرارا بعينه يؤثر علي مسار هذا الصراع, فالطرف الآخر سيبحث البدائل المحتملة لرد الفعل, وسوف يختار من بين هذه البدائل ما يناسبه للتضييق علي الطرف المقابل أو احباط أهدافه, وينشأ بذلك موقف جديد حيث يضطر الطرف الأول الي القيام برد فعل ما إزاء الفعل الجديد لتحقيق نفس الغرض, وبذلك تنشأ سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التي قد تغير جوهريا مسار الصراع علي نحو أو آخر, والنموذج المعروف لهذه السلاسل هو ما يسمي علم العلاقات الدولية بالتصعيد الصراعي الحلزوني, وفي أسوأ الحالات قد يؤدي قرار التفجير العنيف الي هذا النوع من التصعيد دون أن يكون ذلك محسوبا برمته, وهو ما يؤدي بدوره الي نتيجة مخالفة للهدف من القرار, وربما الي خسارة حروب كبري لم تكن مقصودة منذ البداية.
والأمر في هذه الحالة يشبه تماما التفاعل بين لاعبين حول لوحة الشطرنج, إذ لا يصلح أبدا أن تتخذ قرارا بتحريك قطعة ما بغض النظر عن تصور ما سيفعله الخصم في المقابل, ولاعب الشطرنج الجاد هو الذي يملك مهارة تصور سلسلة ردود أفعال محتملة من جانب الخصم لتحرك ما سيأخذ به, ويكون مستعدا لتلك الأفعال, أي هو هذا اللاعب الذي يقود الغريم الي تحركات خاسرة من حيث لايدري هذا الأخير, حتي يضطر في النهاية الي أن يكش ملك أي أن يعترف بخسارة اللعبة, النقلة المنفردة قد تبدو بحد ذاتها حمقاء ولكنها قد تكون تجسيدا للنبوغ, اذا فهمت كبداية لتحرك كامل يشمل مجموعة من النقلات المتسلسلة والمبنية علي تصور متكامل للاختيارات المتاحة للاعب المقابل, وتلك المتاحة للاعب الذي نتحدث عنه, وقد يحدث العكس أيضا فتكون النقلة الأولي ذكية فيما يبدو شكلا ولكنها تقود الي خسارة اللعبة عندما تكون جزءا من تصور كامل للتحرك علي اللوحة من الجانبين. نريد أن نؤكد هنا, أن فن السياسة أو السياسة الفعلية في الممارسة, لا تقوم علي القرار المنفرد وإنما علي تصور لسلسلة من القرارات المعدة جيدا, التي تأخذ في اعتبارها الخيارات المحتملة والمرجحة للطرف أو الأطراف المقابلة, فالمهم هنا هو البراعة السياسية في اختيار وحسن تطبيق سلسلة من القرارات, وهذا هو ما يسميه العسكريون التكتيك, وهي تسمية معتمدة في مجال السياسة أيضا.
هذا المعني يهمنا للغاية لأن الممارسة السياسية العربية, غالبا ما تحركها العاطفة وخاصة الغضب, وأكثر الناس يفكرون في السياسة بمعني اتخاذ قرارات ما, سواء كفعل أولي أو كرد فعل دون أن يتعبوا أنفسهم بتصور سلسلة الأفعال وردود الأفعال, أو ما اذا كان الفعل الذي يطلبونه أو يختارونه متوافقا مع قدرات حقيقية, وبالتالي مع اختيارات حقيقية وليست وهمية, وحتي عندما يفكر هؤلاء في اتخاذ فعل ما ويعلمون تماما أن نتائجه قد تكون سيئة بعدما يقع رد فعل مضاد, فهم يعتقدون أن عليهم التفكير في المواقف الجديدة فقط عندما تنشأ وليس عندما يتخذ الفعل الأصلي الذي ترتب عليه هذا الموقف. وغالبا ما يفكر حتي أكثر السياسيين بدائية, في تحرك ما أو تكتيك كامل بسلسلته كلها, ومن ثم فإن أكبر الأخطاء تقع عند تصور رد الفعل المرجح للخصم ما بين الاختيارات المحتملة أمامه, لقد أضاع العسكريون الفرنسيون بلادهم في بداية الحرب العالمية الثانية, عندما وضعوا كل قواتهم عند خط ماجينو, كان هذا التحرك بارعا لأن هذا الخط لم يكن من الممكن قهره لو أن الاختيار الوحيد للقوات الألمانية هو اختراق هذا الخط, وبذلك تم استبعاد احتمال بل أرجحية أن يقوم الخصم بحركة التفاف واسعة حول هذا الخط من الأراضي السويسرية, وهو ما جعل خط ماجينو بلا فائدة أو قيمة وانهارت فرنسا لهذا السبب, وأضاع الرئيس صدام حسين بلاده لأنه لم يتصور أن يختار الأمريكيون الحرب كرد فعل علي احتلال الكويت, رغم قوة العوامل التي كانت تعيق الأخذ بهذا الاختيار.
ما هذا الذي يحدث بحيث يقع سياسيون أو عسكريون بعضهم كان ناجحا تماما في مثل تلك الأخطاء؟ هناك أسبابا كثيرة, من أبرز تلك الأسباب القياس علي نجاح سابق في ظروف مختلفة, كان هذا بالتحديد هو الخطأ القاتل للرئيس الراحل عبدالناصر, عندما تصور النتائج المحتملة لأزمة عام1967 علي ضوء ما انتهت إليه أزمة عام1956, أو قريبا منها رغم التغير الشامل في الظروف, وقد ينجم هذا الخطأ أيضا عن تصور حسابي أو نظري صرف لمساحة الصراع, دون معرفة دقيقة بالخصم أو المحركات الفعلية له, وكان هذا هو أيضا الخطأ القاتل الذي وقع فيه الرئيس صدام حسين عام1990, إذ بني قراراته علي معايير حسابية بحتة تعكس انعدام الخبرة والمعرفة بالولايات المتحدة وبدول الخليج, شملت هذه الحسابات عبء نشر قوات أمريكية, والتكلفة المالية لهذا العبء, والاثار المحتملة علي سوق النفط, وهي عوامل مهمة ولكنها ليست بالضرورة العوامل الحاسمة في الأخذ بالاختيارات المضادة, إذ لم يفهم التركيبة السياسية والاستراتيجية الأمريكية وطبيعة المرحلة التاريخية التي جعلت أزمة الخليج الثانية امتحانا للقطبية الواحدية البازغة, وهو امتحان لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لخسارته من الزوايا السيكولوجية والاستراتيجية معا.
ويعني ذلك أيضا, أن المحرك الصحيح للتكتيك السياسي, هو الحسابات العقلانية وليس غيرها, وهنا نأتي الي مناقشة خطاب الكرامة, فالموقع الصحيح للكرامة هو بين أهداف الفعل السياسي في مجموعه, فالأمم والدول لها كرامة يجب أن تصان, لكن الكرامة لا موقع لها عند اتخاذ أو اختيار تكتيك سياسي ما, فهزيمة تكتيك ما اتخذ بشكل لا عقلاني يطعن الكرامة في مقتل, والدفاع الصحيح عن الكرامة يكون عندما ينجح الفاعل السياسي في تحقيق الفوز أو الانتصار في المعارك القومية الكبري, ولنتصور الأمر في ميدان الحروب الفعلية, فأي قائد عسكري كبير يجب أن تكون مهمته العامة هي الدفاع عن حقوق وكرامة بلاده, ولكن الكرامة لن يكون لها موقع أو دور في رسم التكتيك العسكري, وإلا انتهي الأمر الي كارثة, ولايمكننا من نفس المنظور, استبعاد الحق في الغضب الأخلاقي, ولكن اتخاذ قرار ما بتأثير هذا الغضب كان وقد يظل لأبد الآبدين أحد أهم أسباب الهزائم والنكسات الكبري في تاريخ الأمم والانسانية بوجه عام, ولنتصور الأمر هنا أيضا في ميدان القتال, فهل يمكن أن نحمل أي تقدير لضابط أو قائد كبير اذا استجاب لأي استفزاز يطعن كرامته لو أساء تحريك قواته لمجرد وقوع هذا الاستفزاز؟ ولو عرف أي طرف أن غريمه يتحرك بتأثير الغضب, فما أسهل أن يورطه في اتخاذ قرارات غير محسوبة عن طريق اغضابه, وهذا هو فعلا ما نجح فيه شارون عندما اقتحم الحرم الشريف في سبتمبر عام2000, فقد انطلقت الانتفاضة واستمرت كفعل غاضب دون أن تتحدد أهدافها بواقعية, وهو ما قاد الي سلسلة من الأفعال وردود الأفعال الصراعية,التي لم ينجح أحد في تحسس الي أين تقود الشعب الفلسطيني, الخطأ هنا لم يتمثل في انفجار الغضب ضد إسرائيل بذاته وإنما في الانسياق وراء منطق الغضب بدون حساب دقيق للأهداف الممكنة التحقيق, والطريقة المثلي علي ضوء المعطيات الفعلية لتحقيقها, وبالمقابل وقع باراك في أخطاء سياسية جسيمة وهو ما أفضي الي تولي شارون, وقادت أخطاء إسرائيل الي الكشف الكامل عن التوحش الكامن في أيديولوجيتها السياسية وفي خطيئتها الأصلية, وهو التوحش الذي استماتت في اخفائه تحت عباءة ديمقراطية زائفة.
هنا نعود من جديد الي ما بدأنا به, وهو أهمية الاختيار الدقيق للتكتيك السياسي, وبالتالي التصور المسبق لكل سلسلة الأفعال وردود الأفعال المترتبة علي فعل ما, فالانتفاضة بدأت كنضال مدني استهدف أساسا تطويق إسرائيل معنويا وأخلاقيا علي المستوي العالمي, ولكن هذا الهدف لم يكن من الممكن تحقيقه بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد2 مباشرة, إلا اذا قام القادة الفلسطينيون بشرح ما حدث أثناء هذه المفاوضات بصورة مقنعة للعالم, ولأن هذا الشرح لم يتم فقد قابل العالم الانتفاضة في البداية بالرفض لأنها بدت كمحاولة لنقل الصراع مع إسرائيل من المستوي التفاوضي الي المستوي العنفوي, في وقت بدا فيه العرض الإسرائيلي في كامب ديفيد للعالم معقولا ومقبولا علي الأقل كبداية, لأن العالم لم يعرف بالدقة ما حدث فعلا هناك, وسريعا ما بدأت الأخطاء الإسرائيلية الكبيرة عندما قابل باراك ـ وهو رجل بدائي من الناحية السياسية ـ الانتفاضة بالعنف الدموي, وما أن بدأ الشعب الفلسطيني ينزف حتي تعاظم غضبه الأخلاقي المشروع وفشلت القيادة في كظم الغيظ من أجل التمكن من التعامل العقلاني مع الموقف السياسي الجديد برمته, ونتيجة للتعاظم السريع للتضحيات الفلسطينية بدا أن وقف الانتفاضة في الوقت المناسب صعبا للغاية بدون تحقيق عائد سياسي, ولأن العالم لم يمكن الفلسطينيين من تحقيق هذا العائد مثل استمرار الانتفاضة بتضحياتها المهولة الطريقة الوحيدة لإجبار العالم علي الانتباه والدخول الي حلبة الصراع, عبر حل وسط يعوض الفلسطينيين سياسيا عن تضحياتهم الهائلة, ومن جديد أثبت هذا التقدير عدم سلامته, كما أن تصور أن الحكومات العربية ستتدخل في الوقت المناسب بأشكال أقوي لتسبب أزمة عالمية تفرض علي أمريكا التدخل لفرض حل عادل علي إسرائيل, لم يكن سليما بدوره, وقاد الصمت والعجز العالمي والعربي الي التخلي في النهاية عن الطابع السلمي للنضال واضطرار الشعب الفلسطيني الرد علي العنف الإسرائيلي بعنف ثوري مضاد, من خلال العمليات الفدائية, وهو ما لم يقدره العالم أو يفهمه في الوقت المناسب, وقبل أن تقع كارثة إعادة الاحتلال والتدمير الهائل للبنية الأساسية للسلطة والمجتمع, من هنا تحرك مسار الصراع علي نحو لم تتصوره القيادة الفلسطينية منذ البداية, بينما كان هذا هو واجبها تحديدا حتي لا يقع ما وقع من إحباط, لقد وقعت أخطاء جسيمة في الحساب من جانب القيادة والقوي السياسية الكبري في فلسطين, كما وقعت أخطاء سياسية أكثر جسامة بالطبع من جانب إسرائيل, كل ما هناك أن إسرائيل تستطيع لأنها الأقوي تحمل تبعات أخطاء كان من الممكن تجنبها بشيء من المهارة السياسية, بينما وقعت تبعات أكبر من طاقة الشعب الفلسطيني علي الاحتمال العادل والمعقول لأخطاء جوهرية في الحساب والتكتيك السياسي, ولذلك فقد الصراع أي طابع عقلاني, الأمر الذي أدي الي موقف يخسر فيه الطرفان سياسيا وإن كان بطرق ومعان وأشكال مختلفة. |
|
|
|
|
|