قضايا و اراء

42266‏السنة 126-العدد2002اغسطس26‏17من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

ليس من حق إنسان أن يتنازل عن حقه‏!!!‏
بقلم : د‏.‏ يحيي الرخاوي

إن ما هو أخطر من قتل الأبرياء‏,‏ أو احتلال الأرض‏,‏ أو استغلال الآخر وهو حرمان شعب‏(‏ أو طبقة أو فرد‏)‏ من الوعي بحقوقه أصلا كما خلقه الله‏,‏ كان ذلك يتم قديما بشكل معلن ومباشر في مجتمعات الاقطاع ونفي المرأة‏,‏ بل إنه كان ينظر له في فلسفات لها وجاهتها النسبية من أفلاطون حتي نيتشة‏,‏ لكن هذا وذاك كان صريحا ومعلنا بحيث يمكن مواجهته‏,‏ والحوار معه‏,‏ واستلهام ما وراءه من إيجابيات‏,‏ ورفض أو تعديل سلبياته‏.‏
ليس من حق إنسان أن يتنازل عن حقه‏!!!‏

إن ما هو أخطر من قتل الأبرياء‏,‏ أو احتلال الأرض‏,‏ أو استغلال الآخر وهو حرمان شعب‏(‏ أو طبقة أو فرد‏)‏ من الوعي بحقوقه أصلا كما خلقه الله‏,‏ كان ذلك يتم قديما بشكل معلن ومباشر في مجتمعات الاقطاع ونفي المرأة‏,‏ بل إنه كان ينظر له في فلسفات لها وجاهتها النسبية من أفلاطون حتي نيتشة‏,‏ لكن هذا وذاك كان صريحا ومعلنا بحيث يمكن مواجهته‏,‏ والحوار معه‏,‏ واستلهام ما وراءه من إيجابيات‏,‏ ورفض أو تعديل سلبياته‏.‏ لكن كثيرا مما يجري الآن يتمادي في الخطأ نفسه مستعملا وسائل اعلامية‏,‏ وشبه علمية‏,‏ أخفي خبثا وأخطر ظلما‏,‏ وأبشع استغلالا‏.‏
نحن نتصور أن ما ينقصنا هو أن نعرف واجباتنا أكثر‏,‏ باعتبار اننا نعرف حقوقنا بدرجة كافية‏.‏ وهذا هو ما يحتاج الي مراجعة‏,‏ وهو موضوع هذا المقال‏.‏

‏*‏ تبدأ الحكاية بمجرد أن يولد طفل ينتمي الي نوع من الأحياء يسمي الإنسان إذ تصبح له حقوق تلقائية بما أكرمه الله بشرا سويا‏,‏ وبما اختاره أجداده من حمل الأمانة‏(‏ الوعي ـ الحرية‏).‏ إن حقوق المولود البشري لا تحتاج إذنا من أحد ولا هي منحة من منظمة‏,‏ ولا هي مقصورة علي ما كتب في ميثاق ما‏.‏
‏*‏ الذي يحدث لهذا المولود البشري في مجتمع أو عالم ظالم جاهل قوي متغطرس ـ هو أنه يتعرض لتجهيل منظم‏,‏ بتعليم فاسد‏,‏ وإعلام مغرض‏,‏ وعلم زائف فتكون النتيجة أن تتواري حقوق الطبيعية في عتمة الفكر المصنوع‏,‏ أو تتراجع في خلفية السعي الدائب للحصول علي الضروريات الأساسية‏.‏

‏*‏ يترتب علي ذلك أن يصبح الوعي بالحق الطبيعي بمثابة ذنب يرتكبه من ينتبه إلي ضرورته‏,‏ وهات يا صراع‏,‏ وهات ياخداع‏,‏ وهات ياثورات‏,‏ وهات ياتسكين بمواثيق وألاعيب‏,‏ لكن الإنسان ظل ينتصر في تأكيد حقه أكثر فأكثر هذا ما تكرر عبر تاريخ البشرية كلها‏.‏ كانت البشرية قادرة دائما علي تصحيح نفسها أولا بأول بالثورات والتقدم والحضارة والإبداع‏.‏
‏*‏ مع تمادي الأدوات الحديثة ـ أدوات التواصل المعولمة ـ في قدرتها وسرعتها علي تشكيل وعي الناس ـ عبر العالم‏:‏ كما يراد له وكما يراد به‏,‏ وليس كما هو ولا كما يعد‏,‏ أصبح أي خطأ عابر يمثل تهديدا للنوع البشري برمته‏.‏لم يعد الظلم يقتصر علي اغتصاب أرض محددة‏,‏ أو هزيمة شعب بذاته‏,‏ وإنما أصبح الظالم قادرا علي تشويه وعي البشرية جمعاء لمصلحة أطماعه‏.‏

‏*‏ لكي تتم مواجهة هذا الخطر علي المظلومين في كل مكان في العالم ان ينتبهوا الي ضرورة التضافر لامتلاك الأداة نفسها القادرة الاحدث ـ أداة التواصل المعولمة ـ ليحذقوا استعمالها معا في الدفاع عن الجنس البشري‏(‏ دون استثناء الظلمة الأغبياء‏).‏
‏*‏ يواكب ذلك ضرورة إعادة التعرف علي حقوق الانسان المهملة الغائبة عن المواثيق بمزيد من الكشف عن الطبيعة البشرية بكل أدوات المعرفة غير المقصورة علي منهج محدود يقال له المنهج العلمي ليستمر الاكتشاف فالممارسة فالتصحيح إلي مالا نهاية‏.‏

‏*‏ إذا كنا قديما نردد أن الحق أحق ان يتبع‏,‏ كما نكرر أنه ماضاع حق وراءه مطالب فإن المطلوب الآن ليس مجرد الاطمئنان الي شعار معلن‏,‏ أو مطالبة لحوح‏,‏ بل هو ان تكون البداية بالتعرف علي حقوقنا الطبيعية‏,‏ خصوصا تلك الحقوق المهملة‏,‏ والمهمشة والمنكرة‏.‏
‏*‏ ثم إنه لا يكفي التعرف فالإعلان بل إن المجتمع الانساني السليم لابد ان يتيح فرص الوعي بهذه الحقوق حتي تختلط بلحم ودم كل منا‏,‏ فلا يستطيع ولا يملك أحدنا إن يتنازل عنها إلا إذا تنازل عن بشريته‏.‏

‏*‏ إن خطر ما يجري في فلسطين الآن‏(‏ وفي غيرها‏)‏ لا يكمن فحسب في مناورات التأجيل‏,‏ وألعاب التفسير‏,‏ وإهانات الكرامة وقتل الابرياء وهدم المنازل‏,‏ وتجريف الارض‏,‏ أخطر من ذلك كله هو الاستدراج للحرمان من الوعي بجميع الحقوق الطبيعية لفئة من البشر‏.‏ إن الزعماء المفاوضين قد يتنازلون‏(‏ لظروف مرحلية او من قبيل التكتيك‏..‏ إلخ‏)‏ عن بعض السلطات‏,‏ أو حتي عن بعض الارض ولكنهم ليس من سلطتهم‏,‏ ولا في مقدورهم ان يتنازلوا ـ بالنيابة ـ عن الحقوق التي لا نكون بشرا إلا بها‏.‏
‏*‏ إن حقوق البشر الطبيعية أوسع وأعمق وأخطر من كل ما كتب في المواثيق‏.‏ ألمحت الي بعض ذلك فيما سبق نشره في هذا الموقع مما لم يعتده الناس مثل حق الحلم‏,‏ وحق الدعاء وحق الاستجابة وحق الابداع‏(‏ لكل الناس دون استثناء‏)‏ بل إنني يمكن ان أضيف الي هذه المجموعة حق الايمان‏(‏ الذي يحرم منه الكثيرون ليس فقط بالايديولوجيات الملحدة ولكن بسوء تفسير بعض الاديان‏),‏ وحق الشك‏,‏ وحق اللعب‏,‏ بل حق الجنون‏(‏ كخطوة مسئولة في عملية الإبداع‏).‏ إننا كلما ازددنا معرفة بالطبيعة البشرية ازددنا وعيا بحقوقنا الأصيلة‏,‏ وازدادت فرصنا لنكون بشرا أفضل‏,‏ كما خلقنا الله‏.‏

‏*‏ هذا هو ما يربط المعرفة بالوعي بالإيمان‏,‏
بالتطبيق وهذه هي مهمتنا حتي لا نقنع بتسلم شهادات الأيزو الامريكية الصنع‏,‏ لإثبات كفاءتنا في سمعان الكلام في مادة حقوق الأنسان المستوردة‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية