|
|
لكل حادث سيئ مهما يكن سوؤه جانبه الإيجابي, ومهما تكن الكارثة فادحة, فإن فيها الكثير من الدروس التي يكن التعلم منها. والقرار الأمريكي الأخير بوقف المعونات الإضافية لمصر بسبب قضية حكم فيها القضاء المصري, وربما يستمر عرضها عليه لفترة قادمة, هو تدخل لا مراء فيه في الشئون الداخلية لمصر ينبغي رفضه بكل حزم. فبعد أن ناضلت مصر لأكثر من ألفي عام لنيل استقلال قرارها, فإنه لايمكنها التنازل عن ذلك مهما كان مبلغ المعونة, وحتي لو كان مصدرها الولايات المتحدة الأمريكية أو القوة العظمي الوحيدة الباقية في العالم. وربما كان هذا الموضوع من الموضوعات القليلة التي يتوافر لها إجماع مصري كامل بين كل الفصائل السياسية والفكرية في البلاد من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار. ولعل ما أثلج صدري شخصيا أن موضوع المعونة الأمريكية قد بات مطروحا علي الساحة العامة في البلاد, ولعل يوما سوف يأتي أيضا لطرح موضوع العمالة المصرية في الخارج, وربما وقتها نستطيع التعامل مع موضوعين هما أكثر ما يعرض مصر لضغوط خارجية, فقد كانت وجهة نظري دائما في مواجهة كثرة من الآراء الراديكالية أنه دون التعامل مع كلا القضيتين, فإن ما نسمعه عن الإمبريالية والرجعية لن يزيد علي شعارات وصراخ ليس لها ثمن ولا سياسة!
ولكن الاهتمام بموضوع المعونة الأمريكية, وإصدار البيانات بشأنها استنكارا ورفضا والدعوة لقطعها كلها تماما, ينبغي أن يتضمن جدية كاملة في التعامل معها لا تسمح بالهذر في أوقات صعبة, فقد هالني مما قرأته في بعض الصحف والمقالات عن الفوائد الاقتصادية التي حققتها أمريكا من وراء المعونة أنه ربما يكون من الأفضل لمصر أن تقوم بمنح الولايات المتحدة الأمريكية52 مليار دولار من المعونات حتي تحصل علي الفوائد الهائلة التي حصلت عليها أمريكا خلال قرابة ربع قرن وربما سيكون مفيدا التفرقة بين ماحققته أمريكا من مصالح استراتيجية وسياسية من خلال منحها المعونة لمصري, وبين الفوائد الاقتصادية المباشرة. وفي الحالة الأولي للمصالح فعلينا أن نقرر ما كان منها أمريكيا بحتا وما كان مصلحة مصرية أيضا تحققت بدورها من خلال علاقات وثيقة اقتصادية وسياسية مع واشنطن. أما في الحالة الثانية للعائد الاقتصادي فإن الأمر يحتاج قدرا كبيرا من الصدق مع الحقيقة ومع النفس حتي نحسب خطواتنا المقبلة حسابا دقيقا, خاصة لو اجتمعت الأمة علي اتخاذ القرار الذي يطالب به حزب الوفد بمطالبة أمريكا بوقف معونتها لمصر.
وبداية وحتي تكون الأمور واضحة فإن هذا القدر من المعونة لم يكن من أجل سواد عيون المصريين, وإنما كان أساسا من أجل تحقيق مصالح أمريكية استراتيجية كبري. ولم يكن ممكنا للولايات المتحدة أن تنتصر انتصارا مؤزرا في الحرب الباردة, وينهار خصمها اللدود في موسكو, دون مساهمات مثل تلك التي قدمتها مصر منذ طردت الخبراء السوفيت, ووقفت ضد انقلاب هاشم العطا الشيوعي في السودان, ومنعت بكل الطرق انتشار الشيوعية في القرن الإفريقي, وساعدت النضال الأفغاني بعد الغزو السوفيتي, إلي جانب الوقوف ضد الشيوعية في الساحات العربية والإسلامية والعالم ثالثية. صحيح أن مصر لم تكن في النهاية هي التي سببت انهيار الاتحاد السوفيتي وتحلل حلف وارسو, ولكن موقفها وجهودها صبت في النهاية في هذا الاتجاه. ولم يكن ذلك خدمة تقدم للولايات المتحدة, ولكنه كان حماية لمصالح مصرية, تتعلق بنظام ثبت في النهاية إفلاسه الفكري والسياسي والأخلاقي, وتحتفل كل الدول والشعوب التي عاشت في نير النظام الشيوعي بتحررها منه, وكان لمصر مصالح أخري التقت مع الولايات المتحدة, منها تحرير الأراضي المصرية المحتلة, ومنها تحقيق السلام في المنطقة, ومنها حماية أمن الخليج من دول راديكالية تريد اجتياحه والتلاعب بالسلامة الاقليمية لدوله وشعوبه. كل هذه القائمة من المصالح المشتركة لم يكن من بينها تدخل الولايات المتحدة في قرارات يصدرها النظام القضائي المصري, وعلينا ونحن نخبر الإدارة الأمريكية بذلك أن نراجع معا في مصر, وبصدق كامل هذه القائمة من المصالح المشتركة ونبحثها علي ضوء حماية مصر وأمنها وازدهارها.
أما إذا انتقلنا إلي العائد الاقتصادي من المعونة, فإن الصدق يقتضي القول إن المعونة كانت مفيدة للغاية بالنسبة لمصر. ولو نظرنا إلي الانتقادات التي نشرت خلال الأيام الأخيرة لوجدنا أن بعضها صحيح, فالمعونة استخدمت في شراء سلع وبضائع وخدمات أمريكية ولم يكن ممكنا استخدامها في شراء سلع وبضائع وخدمات من دول أخري حتي ولو كانت أقل سعرا وأفضل نوعية سلع ولكن من جانب أخر, فإن ذلك هو الحال مع كل المعونات التي تقدمها الدول, وكان ذلك هو الحال مع الاتحاد السوفيتي في السابق, وهو ذات الحال مع المعونات الأوروبية, بل أنه نفس الحال مع المعونات التي قدمتها مصر لدول إفريقية وعربية. كذلك فإن حقيقة كون المعونة الأمريكية منحا لاترد. يجعل السلع والبضائع والخدمات الأمريكية المشتراة من جانب مصر أرخص من كل السلع والبضائع في العالم كله لأنها مجانا ولا تدفع فيها مصر شيئا. وصحيح أيضا أن الولايات المتحدة حققت فائضا تجاريا مع مصر لا يقل أبدا بل يزيد علي قدر معونتها الاقتصادية, وذلك يدل ولا شك علي أن في الأمر مصالح اقتصادية مشتركة. ولكن علي الجانب الآخر, فإن أوروبا تحقق نفس الفائض معنا دون القدر نفسه من المعونة, وكذلك الصين, وكل من يتاجر معنا تقريبا. والحقيقة أنه لايوجد ما يقطع بأنه في حالة قطع المعونة الاقتصادية عن مصر سوف يقل العجز في الميزان التجاري مع الولايات المتحدة, لأنه عندما تسيطر دولة علي30% تقريبا من الناتج الإجمالي العالمي, فإنه من المرجح ألا يتم تجاهلها تجاريا خاصة عندما تكون مستقبلا رئيسيا لصادراتنا.
ماليس صحيحا هو ما قيل عن أن المعونة يتم إنفاقها علي موظفي هيئة المعونة, فالحقيقة أن هؤلاء يتم الانفاق عليهم من الموازنة الأمريكية مباشرة.
وليس صحيحا كذلك أن المعونة توجهت لايجاد طائفة من العملاء الطبقيين في القطاع الخاص الذين يدينون بالولاء للولايات المتحدة كما قال خبير مصري مرموق, فالثابت من الاطلاع علي أرقام المعونة أن الغالبية الساحقة منها توجهت إلي الدولة والقطاع العام, وحتي التسعينيات لم يكن ما حصل عليه القطاع الخاص يزيد علي30% من حجم المعونة الاقتصادية الكلية, ورغم أن هذه النسبة زادت خلال العقد الأخير فإن القدر الأعظم من المعونة ظل موجها نحو الدولة يعزز قدراتها ويزيد من امكانياتها ونفوذها ونفوذ العاملين فيها, وليس صحيحا أخيرا ما قيل إن المعونة لم تكن ذات فائدة لمصر, فالحقيقة أنها جلبت معها معونات إضافية من أوروبا واليابان وغيرها من الدول الغربية, وكل هؤلاء ساهموا مساهمة ملموسة في اعادة بناء البنية الأساسية المصرية التي كانت قد وصلت إلي حافة الانهيار الكامل مع نهاية الستينيات, وربما كان الأكثر أهمية من كل ذلك أن المعونة الأمريكية العسكرية ساعدت ليس فقط علي إعادة تسليح الجيش المصري وتضييق الفجوة الاستراتيجية والتكنولوجية مع إسرائيل بأكثر من أي وقت مضي عندما كانت مصر معتمدة علي التسليح السوفيتي, وإنما كذلك مع بقاء ميزانية الدفاع المصري معقولة وتسمح بتوجيه موارد حقيقية إلي البناء والتعمير. كل ذلك لا ينبغي له اطلاقا تثبيط كل من ينادي بتحرير مصر من المعونة الأجنبية, أمريكية أوغير أمريكية, بل والاستعداد لعودة المصريين العاملين في الخارج, ولكن علي الجميع ليس فقط الصدق مع الحقائق والمعرفة الشجاعة بها, وإنما أيضا الاستعداد للتعامل مع النتائج المترتبة علي هذه الخطوات, فمصر لديها من الموارد والامكانيات البشرية والمادية التي يمكنها التعامل مع هذا الوضع, خاصة إذا ما أعادت ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية, وتخلت النخبة السياسية الفكرية عن تحميل مصر أعباء وأثقالا لا قبل لها بها, ولكن ربما نحتاج بما لا يقل عن ذلك كله أهمية أن نطور طريقة للتعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال المدي القصير والمتوسط, فهي قبل وبعد كل شيء القوة العظمي الوحيدة الباقية في العالم, وتلتحم مع أوروبا في حلف الأطلنطي ومع روسيا بمجلس مشترك, ومع العالم كله بعلاقات تجارية واستثمارية لا تماثلها فيها دولة أخري, وموعدنا الأسبوع القادم. |
|
|
|
|
|