ملفات الأهرام

42266‏السنة 126-العدد2002اغسطس26‏17من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

بطالة الشباب والمتعلمين في مصر‏..‏
الوضع الراهن وآليات المواجهة
بقلم : أحمد السيد النجار

يشكل عنصر العمل بمستوياته المهارية المختلفة أهم عناصر الإنتاج باعتباره العنصر القادر علي تحقيق التفاعل بين باقي عناصر الإنتاج لخلق الإنتاج السلعي والخدمي‏.‏ وقوة العمل بهذا المعني هي العنصر الإنتاجي الحاسم أو هي الشرط الضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية والتقدم الشامل في أي دولة‏.‏ ونظرا لأن قوة العمل هي عنصر إنساني فإن عملها أو تعطلها له أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية خاصة أن المتعطلين منها هم في الغالب من الشباب سواء في مصر أو في أي دولة أخري‏.‏ كما أن إنتاجية قوة العمل التي تتحدد بمستواها التعليمي والمهاري وبمدي حداثة الفن الإنتاجي الذي تعمل في إطاره وبالذات مدي حداثة الآلات التي تستخدمها ومدي كفاءة النظام الإداري ومدي تطور البنية الأساسية والخدمات المساعدة‏...‏ هذه الإنتاجية تشكل عاملا محددا رئيسيا للقدرة التنافسية لأي اقتصاد‏.‏
وتتزايد الوطأة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبطالة كلما تركزت في المتعلمين وفي الفئات العمرية التي تندرج تحت تصنيف الشباب حيث تكون الطاقة المهدرة من عنصر العمل أكثر كفاءة وقدرة علي العمل كما أن حيويتها السياسية تكون أعلي ويكون استعداد هذه الفئات للعنف السياسي والجنائي أعلي بحكم السن الصغيرة والخبرة الحياتية المحدودة والإحباط الشديد الذي تولده حالة التعطل التي تصدم كل طموحات التحقق للشباب بعنف وبلا هوادة‏.‏ كذلك فإن جانبا كبيرا من الشباب المتعطلين يكون في مرحلة تكوين المستقبل المهني والحياة المستقلة علي المستوي الاجتماعي وبالتالي يشكل التعطل بالنسبة لهذا الجزء إطالة لأمد استمراره في حالة اعتماد علي أسرته أو بمعني آخر بقاءه عالة عليهم وهي حالة تخلق توترات اجتماعية أسرية فضلا عما تخلقه من نقمة من الشباب المتعطلين علي الدولة المقصرة في حقهم وعلي المجتمع عموما وأحيانا علي الطبقة العليا من رجال الأعمال الذين يملكون الكثير وتقدم لهم الدولة الكثير ولا يقومون بدور مؤثر في تشغيل الاقتصاد وخلق فرص العمل‏.‏

البيانات المختلفة بشأن البطالة في مصر‏:‏
هناك اختلاف حول العدد الحقيقي للعاطلين ومعدل البطالة في مصر في الوقت الراهن حيث تقدم الحكومة والجهاز الإحصائي الرسمي التابع لها بيانات يختلف بشأنها المتخصصون فضلا عن أنها تختلف عن البيانات التي يقدمها صندوق النقد والبنك الدوليان‏.‏ لكن الجميع يقرون بأن الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت في مصر في عام‏2001‏ قبل أحداث‏11‏ سبتمبر وبعدها قد أدت إلي تزايد معدل البطالة علي نحو سريع‏.‏ وقد بلغ عدد العاطلين في مصر نحو‏1.78‏ مليون عاطل في بداية عام‏2002‏ بما يعني أن معدل البطالة قد بلغ نحو‏9.1%‏ في بداية العام المذكور طبقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر‏.‏
وبالمقابل تشير بيانات البنك المركزي المصري في نشرته الإحصائية الشهرية الصادرة في إبريل عام‏2002‏ إلي أن عدد العاطلين في مصر ثابت عند‏1.5‏ مليون عاطل من العام المالي ـ‏1997/1996‏ وحتي العام المالي‏2001/2000.‏ وبالتالي فإن معدل البطالة قد اتخذ اتجاها تراجعيا مستمرا بلا انقطاع منذ العام المالي‏1997/1996‏ عندما سجل‏8.80%‏ وحتي العام المالي‏2001/2000‏ حينما بلغ‏7.6%‏ وفقا للبيانات الحكومية التي تشير أيضا إلي أن تعداد قوة العمل المحتملة‏(‏ عاملين وعاطلين‏)‏ قد بلغ‏19.5‏ مليون نسمة في العام المالي‏2001/2000‏ يعمل منهم‏18‏ مليونا بينما يوجد‏1.5‏ مليون منهم في حالة تعطل أو بطالة‏.‏ وهذه البيانات تختلف عن البيانات التي أوردها صندوق النقد الدولي في تقريره
‏(InternationalFinancialStatisticsYearbook2001)‏
والتي تشير إلي أن معدل البطالة في مصر قد تزايد بشكل دائم منذ عام‏1992‏ عندما سجل‏9%‏ حتي بلغ‏11.3%‏ في عام‏1995‏ وهو العام الذي تتوقف عنده بيانات صندوق النقد الدولي لعدم توافر بيانات يمكن للصندوق أن يأخذ بها بالنسبة للسنوات التالية علي عام‏1995.‏

ويمكن الوصول إلي بيان آخر‏,‏ يستدل منه علي كثافة طلب التوظيف‏,‏ وذلك من واقع بيانات رسمية أيضا أعلنتها اللجنة العليا للتشغيل برئاسة رئيس الوزراء الحالي عند تصنيفها للمتقدمين لشغل‏170‏ ألف وظيفة حكومية تم الإعلان عنها عام‏2001‏ فقد بلغ عدد من قاموا بسحب استمارات طلب التشغيل للتقدم لشغل فرص العمل المذكورة نحو‏7‏ ملايين شخص‏.‏ وقد بلغ عدد الطلبات التي قدمت فعليا لشغل هذه الوظائف التي لا يتجاوز عددها‏170‏ ألف وظيفة نحو‏4.40‏ مليون طلب حيث تراجع بعض ممن سحبوا الاستمارات عن التقدم بسبب ضعف المرتبات التي قد تقل في بعض الأحيان عن نفقات الانتقال والترتيبات الحياتية اللازمة لشغل الوظيفة أو بسبب اليأس من إمكانية الحصول علي هذه الوظيفة أصلا في ظل محدودية فرص العمل التي أعلنت عنها الحكومة مقارنة بعدد المتقدمين لها أو بسبب التصور بأن الواسطة سوف تقوم بدور مهم في تحديد من يشغل الوظائف المعروضة‏.‏
وقد أشارت اللجنة الوزارية العليا للتشغيل برئاسة رئيس الوزراء إلي أن‏53.5%‏ من بين‏4.40‏ مليون تقدموا لشغل الوظائف الحكومية لا تنطبق عليهم الشروط‏.‏

وهذا يعني أن‏46.5%‏ منهم أي نحو‏2.05‏ مليون تنطبق عليهم الشروط وأولها كونهم عاطلين‏.‏ وهذا الرقم يزيد بأكثر من‏500‏ ألف علي عدد العاطلين وفقا للبيانات الحكومية عن عام‏2001,‏ كما أن معدل البطالة يرتفع تبعا لهذا العدد من العاطلين إلي‏10.5%‏ وفقا لعدد قوة العمل في عام‏2001‏ بدلا من الرقم الرسمي البالغ‏7.6%.‏
وإذا تأملنا من اعتبرت الحكومة أن الشروط لا تنطبق عليهم سنجد أنها اعتبرت أن‏10%‏ من عدد المتقدمين أي نحو‏440‏ ألفا لا تنطبق عليهم الشروط لأنهم بلا مؤهلات‏.‏ كما أنها اعتبرت أن‏6.5%‏ من المتقدمين أي نحو‏286‏ ألفا لا تنطبق عليهم الشروط لأنهم إما من خريجي ما قبل عام‏1984(88‏ ألف عاطل‏)‏ وإما من خريجي عام‏2001(198‏ ألف عاطل‏)‏ لكنهم عاطلون في النهاية‏.‏

كما أنها اعتبرت أن‏10%‏ من المتقدمين أي نحو‏440‏ ألفا لا تنطبق عليهم الشروط لأنهم يعملون في أعمال مؤقتة وغير دائمة وغير مؤمن عليهم‏.‏
أما أغرب قرار اتخذته اللجنة الوزارية العليا للتشغيل فهو اعتبار أن شروط التشغيل لا تنطبق علي‏15%‏ من عدد المتقدمين أي نحو‏660‏ ألفا باعتبارهم من النساء من خريجات النظام التعليمي اللاتي تزوجن ويعشن حياة مستقرة‏!!‏ وكأن زواج المرأة واستقرارها يخرجها في العرف الحكومي المصري من الحاجة للعمل وربما من قوة العمل رغم أنهن في سن العمل ويرغبن في العمل وقادرات عليه‏!!‏
وبناء علي البيانات الواردة في التصريحات المذكورة آنفا فإن عدد العاطلين وفقا لهذا المصدر الحكومي يصبح‏3.436‏ مليون عاطل هم عبارة عن‏2.05‏ مليون عاطل اعتبرت الحكومة أنهم تنطبق عليهم شروط التشغيل الحكومي ونحو‏660‏ ألف امرأة مؤهلة وقادرة طلبت العمل وهي في سن النشاط الاقتصادي ونحو‏440‏ ألف عاطل من غير المؤهلين ونحو‏286‏ ألفا من العاطلين من خريجي النظام التعليمي قبل عام‏1984‏ أو بعد عام‏2000,‏ وإذا حسبنا معدل البطالة بناء علي هذا الرقم وعلي التعداد الحكومي لقوة العمل فإنه يصبح‏17.6%‏ في عام‏2001,‏ وهو ما يزيد كثيرا علي ضعف معدل البطالة المعتمد كبيان رسمي للحكومة‏.‏

بطالة الشباب والمتعلمين‏:‏
تتركز البطالة في مصر في الفئات العمرية الشابة بشكل أساسي‏.‏ كما أن غالبية المتعطلين من الشباب هم من المتعلمين وهو ما يزيد الخسارة الاقتصادية والاجتماعية لمصر من تعطل قوة عمل شابة ومتعلمة تم إنفاق الكثير عليها من اجل التعليم ثم تتعرض للإهدار بالتعطل في بلد نام يحتاج لتوظيف كل عناصر الإنتاج التي يملكها من أجل تحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي‏.‏
بناء علي بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر فإنه في عام‏1999‏ كان عدد العاطلين من الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين‏40,15‏ عاما قد بلغ نحو‏1.47‏ مليون عاطل بما شكل نحو‏99%‏ من عدد العاطلين في العام المذكور والذي كان قد بلغ نحو‏1.48‏ مليون عاطل وفقا للبيانات الحكومية الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر‏.‏ وتركزت البطالة بشكل أساسي في الفئة الأكثر شبابا ممن تتراوح أعمارهم بين‏30,15‏ عاما‏,‏ حيث بلغ عدد العاطلين منهم في عام‏1999‏ وفقا للبيانات الحكومية الرسمية نحو‏1.31‏ مليون عاطل بما شكل أكثر من‏88%‏ من عدد العاطلين في مصر في العام المذكور‏.‏ وهذا يعني بشكل قاطع أن البطالة في مصر هي بطالة شباب في الأساس‏.‏ وهو أمر منطقي إلي حد كبير لأن الشباب الذين اكتمل تعليمهم ويحاولون الدخول لسوق العمل هم الذين يكونون عرضة أكثر من غيرهم للتعطل لفترات طويلة في بلد تنتشر فيه البطالة ويعاني أزمة اقتصادية هيكلية طويلة الأمد‏.‏

وإذا عدنا للبيانات التي استخرجناها من بيانات اللجنة العليا للتشغيل برئاسة رئيس الوزراء الحالي فإن العدد الإجمالي للمتعطلين بلغ‏3.436‏ مليون عاطل‏,‏ منهم نحو‏3‏ ملايين متعلم‏.‏ وهذا يعني أن المتعلمين يشكلون نحو‏87.3%‏ من عدد المتعطلين‏.‏ وهو ما يوضح حجم الإهدار الاقتصادي ـ الاجتماعي الذي تمثله البطالة التي تتركز أساسا في الشباب المتعلمين‏.‏
وبرغم وجود برنامج حكومي لمواجهة أزمة البطالة إلا أنه ركز بصورة أساسية علي تعيين أعداد كبيرة في الجهاز الحكومي وهي تعيينات سوف تعني علي الأرجح زيادة البطالة المقنعة المعيقة للعمل والتي تعد أسوأ من البطالة السافرة كما ركز علي برامج التدريب التي لا تعني ايجاد فرص عمل علي الإطلاق لأن دورها هو تحسين القدرات والمهارات وليس خلق فرص العمل‏.‏ كما ركز البرنامج الحكومي علي ما يسمي بالإقراض الشعبي‏.‏ وبرغم أهمية هذا البرنامج إلا أنه يحتاج لتمويل أكبر كثيرا ولتطوير السياسة المصرفية حتي يكون هناك تحيز للمشروعات الصغيرة بصفة عامة من خلال خفض أسعار الإقراض لها بشكل تمييزي‏.‏ كما أن نجاح المشروعات الصغيرة مرهون بوجود حضانات قومية حقيقية مكونة من مسئولين حكوميين مؤمنين بقضية مواجهة البطالة وتشغيل الشباب ومكونة أيضا من خبراء ومختصين وممثلين لأحزاب المعارضة ويكون دورها هو ضمان جدوي المشروعات الصغيرة والتنسيق بينها لضمان تنوعها وعدم تكرارها والرقابة علي المواصفات القياسية لإنتاجها وضمان التسويق المحلي والخارجي الطويل الأجل لها من خلال ربطها بقنوات تسويق مضمونة‏.‏

تصور لكيفية حل مشكلة البطالة في مصر‏:‏
يشكل المستوي الحالي للبطالة في مصر هدرا اقتصاديا لأهم عناصر الإنتاج وينطوي علي مخاطر سياسية واجتماعية بما يطرح التساؤل الأكثر إلحاحا حول كيفية معالجة أزمة البطالة في مصر‏.‏ ويمكن تركيز آليات معالجة أزمة البطالة في مصر في النقاط التالية‏:‏
أ ـ تدقيق البيانات الرسمية إلي أقصي درجة وتطوير آليات غير حكومية للمساعدة في حصر العاطلين لضمان أقصي درجة من الحيدة والنزاهة للوقوف علي الوضع الحقيقي لحجم ومعدل البطالة في مصر كأساس لأي خطة حقيقية لمواجهة البطالة في مصر‏.‏

ب ـ هناك ضرورة للتركيز علي القطاعين‏:‏ العائلي والحكومي لخلق الوظائف لأن عدد فرص العمل الدائمة التي خلقتها الاستثمارات المصرية والأجنبية التي تم تنفيذها أو مازالت تحت التنفيذ والمنشأة وفقا لقانون الاستثمار في داخل مصر وفي المناطق الحرة منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين وحتي منتصف عام‏2001‏ قد بلغ مليون فرصة عمل وبالتحديد‏1022251‏ فرصة عمل وبلغت التكاليف الاستثمارية للمشروعات التي استوعبت هؤلاء العاملين العاملين نحو‏249733‏ مليون جنيه حسب بيانات الهيئة العامة للاستثمار‏.‏ وهذا يعني أن تكلفة فرصة العمل الدائمة في هذه المشروعات بلغت‏244.3‏ ألف جنيه‏.‏
وترتيبا علي هذا فإن المراهنة علي القطاع الخاص الاستثماري لايجاد فرص العمل هي مراهنة خاسرة في الأجلين القصير والمتوسط علي الاقل وهذا يعني ضرورة التركيز علي رفع مستوي التشغيل عبر القطاع العائلي والخاص الصغير والحكومي في الأجلين القصير والمتوسط بما يتطلبه ذلك من تغييرات في المنطق الذي يحكم التعامل الحكومي والمصرفي مع هذه القطاعات المرشحة لاستيعاب العمالة‏.‏
ج‏-‏ من الضروري تغيير السياسة المصرفية لتنحاز لصغار ومتوسطي المقترضين من القطاع العائلي والمعني بإقامة المشروعات الصغيرة بما يعنيه ذلك من تخفيف السياسة النقدية عند التعامل معهم أي تخفيض سعر الإقراض وتقديم ميزات مالية ونقدية لهم بالارتباط مع تشغيلهم للعمالة‏.‏

د ـ التركيز علي قطاع الصناعة في أي برنامج للتطوير الاقتصادي ورفع مستوي التشغيل لأن القيود المائية تضع سقفا لفرص التوسع الزراعي الأفقي‏.‏ ويمكن النظر لهيكل الواردات الصناعية المصرية كمرشد للصناعات التي يمكن إنشاؤها وتطويرها وهي الصناعات التي يوجد طلب فعال علي إنتاجها‏.‏ وهناك فرصة تاريخية في الوقت الراهن لجذب رؤوس الأموال العربية التي كانت تهاجر الي الدول الصناعية المتقدمة وبالذات الي الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لكي تتوطن في البلدان العربية وبالذات في مصر وذلك بعد تصاعد موجة العنصرية والكراهية للعرب والمسلمين في الغرب سواء كانوا مقيمين أو سياح بعد عاصفة التغيرات التي ضربت نيويورك وواشنطن في سبتمبر من عام‏2001‏ والتي أعقبتها اندلاع الحرب الأمريكية في أفغانستان‏.‏ لكن هذا الجذب للاستثمارات العربية يتطلب تفاعلا مباشرا مع كبار المستثمرين منهم من قبل رجال الأعمال المصريين والإدارة الاقتصادية المصرية فضلا عن أنه يتطلب تحسين مستوي الشفافية في الاقتصاد المصري والقضاء علي الفساد وإنهاء المعاملة التمييزية لبعض رجال الأعمال أيا كان سببها السياسي أو الاقتصادي‏.‏
هـ ـ هناك ضرورة لإعادة هيكلة الانفاق العام من أجل ايجاد فرص عمل حقيقية ومستمرة في مشروعات انتاجية دون الخضوع لأي ابتزاز أيديولوجي حول ضرورة انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي المباشر‏.‏ وتشير البيانات الرسمية المتداولة الي أن الإنفاق العام علي البنية الأساسية في مصر قد بلغ‏353‏ مليار جنيه مصري خلال العشرين عاما الماضية‏.‏ ومن المفترض أن هذا الإنفاق الهائل علي البنية الأساسية يهيئ الظروف المناسبة لنشوء استثمارات خاصة محلية أو أجنبية واستثمارات عائلية تستثمر هذه البنية الأساسية حتي لا تتقادم وتتزايد تكاليف صيانتها أو إعادة بنائها دون أن تكون قد استثمرت الاستثمار المطلوب‏.‏ لكن ما تم إنشاؤه من مشروعات استثمارية وبدأت النشاط فعليا داخل مصر وفي المناطق الحرة التابعة لها منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي وحتي منتصف عام‏2001‏ لم يتجاوز‏3509‏ مشروعات بلغت قيمة رأسمالها المصدر‏64531‏ مليون جنيه وبلغت تكاليفها الاستثمارية‏104777‏ مليون جنيه مصري‏.‏ وهذا يعني أن قيمة رأس المال المصدر لهذه المشروعات لم يتجاوز‏18.3%‏ من قيمة ما أنفق علي البنية الأساسية خلال العشرين عاما الأخيرة أما قيمة التكاليف الاستثمارية فإنها لم تتجاوز‏29.7%‏ من قيمة ما انفق علي البنية الأساسية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين‏.‏

وهذا يعني باختصار أن أداء القطاع الخاص لم يكن متناسبا مع حجم ما تم بناؤه من بنية أساسية وهو لم يؤد الي خلق وظائف تتناسب مع ما أنفق علي البنية الأساسية لتهيئة أفضل وضع له‏.‏ لكن من الضروري الإشارة الي أن تطوير البنية الأساسية كان ضرورة في كل الأحوال والمشكلة فقط هي في ضخامة حجم ما أنفق عليها وضعف الاستثمارات الخاصة المصرية والأجنبية في الوقت ذاته هذا بغض النظر عن أن مواصفات البنية الأساسية وبالذات الطرق لا تتناسب مع حجم ما أنفق عليه‏.‏ وبالتالي فإن الإنفاق الحكومي كان يجب أن يتوجه جانب منه لإنشاء مشروعات إنتاجية صناعية وزراعية تستثمر هذه البنية الأساسية التي أنفق عليها هذا الانفاق الهائل‏.‏ وإذا كان ذلك واجبا في الماضي فإنه ضرورة في الفترة القادمة كآلية رئيسية لتخفيف البطالة عبر خلق فرص عمل حقيقية وليس عبر إضافة أعداد كبيرة للبطالة المقنعة في الجهاز الحكومي فالمطلوب هو التوسع في الوحدات الإنتاجية العامة‏(‏ أي القطاع العام‏)‏ لايجاد فرص عمل حقيقية تحقق إضافة للناتج المحلي والاقتصاد المصري‏.‏
و ـ بناء حضانات حكومية حقيقية للمشروعات الصغيرة حيث تستوعب المشروعات الصغيرة في كل بلدان العالم العدد الأكبر من قوة العمل وهي بهذا المعني تتسم بأهمية كبيرة في أي بلد يعاني البطالة ويرغب في إنهائها مثل مصر‏.‏ لكن مصر مازالت تفتقد حتي الآن وجود حضانات حقيقية للمشروعات الصغيرة تسهم في عمل دراسة جدوي لكل منها وفي التنسيق بينها وفي ضمان التسويق طويل الأجل لها بربطها بمشروعات عملاقة أو بضمان التصدير ومراقبة مواصفات منتجاتها‏.‏

وكل هذه الأمور في مجموعها يمكن أن تسهم في زيادة قدرة الاقتصاد المصري علي خلق فرص العمل بالتكامل مع سياسات مالية ونقدية مواتية لتحقيق نمو حقيقي في الاقتصاد الذي من طبيعته أن يؤدي الي خلق المزيد من فرص العمل لأن مشكلة البطالة والكثير من المشاكل الاقتصادية المصرية ناجمة عن ضعف الجهود التنموية وعن انخفاض معدل الاستثمار عما يقتضيه تحقيق النمو الاقتصادي السريع‏.‏ وفي هذا الصدد فإن خفض سعر الفائدة وسعر الإقراض يبدو ضرورة قصوي لإنعاش الاقتصاد وتشجيع الاقتراض لإقامة المشروعات الحقيقية‏.‏ ورغم أن المعدلات المرتفعة للفائدة وبالتالي للإقراض في مصر أعلي كثيرا من المعدلات المناظرة علي العملات الحرة الرئيسية في الوقت الراهن بما يجعل تخفيض معدلات الفائدة والإقراض غير مؤثرة في جاذبية الجنيه كوعاء للادخار إلا أن عدم استقرار سعر صرف الجنيه هو الذي يؤثر سلبيا علي جاذبية هذا الوعاء وبالتالي فإن أي تخفيف للسياسات النقدية أي تخفيض سعر الفائدة والإقراض لابد وأن يتوافق مع سياسة نقدية تضمن استقرار سعر صرف الجنيه المصري بشكل قوي وواضح‏.‏ وإن كان من الضروري الإشارة إلي أن خفض سعر الفائدة والإقراض يمكن أن يؤدي إلي زيادة الاستهلاك فإذا لم
يكن الاقتصاد المحلي قادرا علي الاستجابة لهذه الزيادة فإن البديل يكون هو زيادة الواردات بصورة تؤدي للمزيد من اختلال الموازين الخارجية بكل الآثار السلبية لذلك علي الاقتصاد المصري‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية