أعمدة

42266‏السنة 126-العدد2002اغسطس26‏17من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

سياسة خارجية
بقلم : عطيه عيسوي

الحرب الصامتة
مثلما تدور في صمت الحرب الأهلية التي راح ضحيتها نحو‏250‏ ألف شخص في بوروندي منذ عام‏1993,‏ بدأت في صمت جولة مباحثات جديدة بين الحكومة التي تهيمن عليها عرقية التوتسي وجماعتن متمردتن تمثلان عرقية الهوتو‏(‏ الأغلبية‏)‏ في محاولة جديدة لإنهاء الحرب لايبدو أنها سيكتب لها النجاح مثل سابقاتها‏.‏

المباحثات بدأت في تنزانيا المجاورة وبوساطة من جنوب أفريقيا بين وفد من حكومة الرئيس بيير بويويا ووفدين يمثلان جماعة القوي المدافعة عن الديمقراطية وجماعة قوات التحرير الوطنية اللتين تدافعان عن حقوق الهوتو وتطالبان بتمثيل متساو لهم مع التوتسي في الجيش والبرلمان والحكومة الانتقالية التي ستدير شئون البلاد حتي اجراء انتخابات ديمقراطية بعد ثلاث سنوات من ابرام اتفاق سلام‏.‏ كما تطالبان بالافراج عن‏11‏ ألف معتقل سياسي وإغلاق معسكرات تجميع الشباب الهوتو التي تحتجز فيها الحكومة نحو‏320‏ ألفا منهم بدعوي حماية المدنيين من هجماتهم‏.‏

اندلعت حرب بوروندي الدموية عقب اغتيال أول رئيس منتخب ديمقراطيا من الهوتو عام‏1993‏ علي أيدي متطرفين من التوتسي لم يعجبهم أن يتساوي الهوتو معهم في الحقوق وفقا لدستور‏1992,‏ برغم انهم الأغلبية الساحقة بل والمفروض أن يكون لهم العدد الأكبر من المناصب والوظائف‏.‏ لكن التوتسي‏(14%‏ فقط من السكان‏)‏ الذين احتضنهم المستعمرون واتخذوا منهم حلفاء ووفروا لهم المنح الدراسية وفرص التعليم والتدريب علي حساب الأغلبية يرون أن الهوتو لا يستحقون ذلك‏,‏ لأنهم الأفقر والأقل تعليما‏,‏ ولا يفهمون سوي رعي الماشية وفلاحة الأرض‏!‏

وبينما رضي الهوتو بهذه القسمة‏(50%)‏ مع التوتسي لأنهم يعلمون أن عدد المتعلمين منهم قليل لدرجة أنه تعذر استكمال العدد المخصص لهم من أعضاء المحكمة العليا‏,‏ ولا البعثات الدبلوماسية عام‏1994,‏ هب المتطرفون التوتسي ليطيحوا بالرئيس المنتخب ميليشوار ندادي‏,‏ وأجبروا الرئيس الذي خلفه علي اللجوء إلي السفارة الأمريكية‏,‏ واستولوا علي الحكم من جديد ليضمنوا بقاء كل شيء في أيديهم والتمتع بكل المزايا‏,‏ ومازالوا يهيمنون علي الجيش لدرجة ان نسبة الهوتو فيه لا تتجاوز‏10%‏ برغم أنهم يشكلون‏85%‏ من الشعب‏!‏

وتكمن صعوبة المفاوضات الحالية في أن المتمردين منقسمون بشأن مطالب الهوتو لدرجة انقسام الجماعة الواحدة إلي أكثر من فصيل وتمركز اتباع كل منها في واحدة من دول الجوار مما يصعب معه السيطرة عليهم وإلزامهم بتنفيذ أي اتفاق‏.‏ كما أن هناك متشددين علي الجانب الآخر غير راضين عن أي تنازلات للهوتو‏,‏ وسيعملون علي افشال أي اتفاق ولو وصل الأمر إلي قلب نظام الحكم‏.‏

يضاف إلي ذلك الزحام السكاني الشديد في بلد صغير جدا‏(6.5‏ مليون نسمة‏)‏ الأمر الذي ولد الاحتكاك والنزاع والقتال ودفع الناس إلي سكني الغابات‏,‏ لدرجة أن الحيوانات المفترسة نفسها هربت منهم وفقا لاحدي الروايات ذات المغزي‏,‏ ولم يعد هناك سوي أفراس النهر والتماسيح التي قد تضطر إلي الرحيل إذا وجد البورونديون وسيلة للإقامة في الأنهار‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية