الكتاب

42259‏السنة 126-العدد2002اغسطس19‏10 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

التراث الفلسطيني‏..‏ ونداء اليونسكو‏!!‏
بقلم : د‏.‏ مصطفي عبدالغني

حيرني كثيرا هذا النداء
هل يهتم به أحد‏..‏
وهل يستطيع اليونسكو ـ اللجنة الوطنية التابعة للأمم المتحدة ـ ان تفعل شيئا تحت مظلة العولمة الأمريكية وغطرستها‏..‏
وهل تستطيع الجامعة العربية القيام بأي دور في غياب‏(‏ الفعل‏)‏ العربي‏,‏ وفي مواجهة الوحدة الأوروبية في الشمال ومنطق عسكرة العولمة في الولايات المتحدة الأمريكية؟

ثم هل يستطيع المثقفون ـ أي مثقفين؟ أو ضمير المثقفين أن يفعلوا شيئا ـ أي شئ ـ في عصر القوة القطبية العاتية في عالمنا؟
من يهتم حقا ـ في هذا العالم الوحشي العنيف ـ بمصير أية جماعة تفتقد اللغة العالمية الوحيدة المفهومة في عالمنا‏:‏ القوة‏,‏ وتقبع تحت مسميات التراث والحضارة‏(‏ التي كانت‏)‏ في أقصي الأرض؟

ومن يهتم ـ حقا ـ بالحقوق أو كلمات من مثل المقاومة أو حركة التحرير الوطني في عصر العولمة الأمريكية والعنصرية الصهيونية البغيضة؟
من يستطيع‏(‏ إلزام‏)‏ إسرائيل باحترام المعاهدات الدولية‏,‏ ونحن نسمع من زمان اتفاقية تسمي لاهاي‏1954‏ واتفاقية جنيف الرابعة قبلها‏1949.‏
سألت نفسي كثيرا‏,‏ فلم أجد جوابا‏,‏ غير أني ـ الآن ـ أجد الحيرة ـ في عيون السادة القراء‏,‏ وقبلها وجدت الغضب الحائر في عيون عدد كبير من كبار المثقفين حين عرض عليهم الأمر برسالة رسمية‏,‏ وكادت الأوراق تطوي لولا أن ابديت رغبتي بين السادة الكبار من مثقفي مصر أن أحاول التعبير عن هذه‏(‏ الحالة‏)‏ ـ مثل عديد من الحالات التي تتكرر‏,‏ وان يكون تعبيري مكتوبا ومنشورا‏.‏
فلنعد قليلا إلي الوراء‏,‏ ونتعرف علي مايحدث في هذا العالم‏.‏

أو لأعد ـ علي المستوي الشخصي ـ إلي ما اشعل في عقلي كل مايحدث في ابادة الإنسان و‏(‏التراث‏)‏ العربي الفلسطيني إثر موقف معين‏.‏
منذ شهر أويزيد جاءنا في المجلس الأعلي للثقافة‏(‏ شعبة الدراسات الأدبية‏)‏ خطاب موجه من وزارة الثقافة عن اللجنة الوطنية لليونسكو عن وزير الثقافة والإعلام الفلسطيني بشأن‏(‏ كما نقرأ‏)‏ العدوان العسكري الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني‏,‏ هذا العدوان الذي استهدف تدمير وتخريب انجازات الشعب الفلسطيني منذ اتفاقية أوسلو‏..‏ كل انجازات الماضي والحاضر‏.‏

تدمير التراث الفلسطيني كله ـ إذن ـ منذ بداية التسعينيات‏,‏ حتي اللحظة الراهنة ورحنا نستعيد أخبارا تشبه النواح الذي لا يتوقف عن إبادة ثراثنا العربي ضمن الأفعال الشائنة التي تقوم بها إسرائيل في جميع المدن والقري والمخيمات الفلسطينية منذ‏29‏ مارس من هذا العام‏,‏ فراحت تدمر وتخرب وتبيد كل انجازات التراث في القرون السابقة وانجازات الثقافة والأدب والتعليم منذ اتفاقية أوسلو‏1993‏ في نهج‏(‏ بربري‏)‏ وتميز تخريبي‏(‏ عنصري‏)‏ بغيض‏.‏
ولنستعرض أهم ماجاء في هذا الخطاب ـ ويعلمه الكثير منا ـ قبل أن نعود إلي اسئلتنا الحيري تقول الأمثلة التي تتكرر ـ علي الاستشارة فقط ـ إن‏:‏

في وزارة الثقافة احتل الجنود الإسرائيليون الهمج المبني وحولوه إلي مركز للاعتقال والاستجواب بعد أن دمروا بالكامل جميع المحتويات بما في ذلك المكتبة الثقافية‏,‏ ارشيف السينما‏..‏ عشرات اللوحات الفنية‏..‏ مختبر لتدريب منتجي الأفلام الصغار‏,‏ الكاميرات والاستوديوهات والأجهزة الخاصة بمحطة موسيقي الشباب بالإضافة إلي مواد ومعدات ثقافية أخري‏.‏
كما قام الجنود الإسرائيليون بسرقة قطع أثرية ومجموعة كاملة من العملات الفلسطينية القديمة وأجهزة كمبيوتر‏,‏ وأشياء ثمينة أخري‏,‏ ودمروا شبكة التليفونات والكهرباء والإنترنت في مدينة نابلس القديمة‏,‏ قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بهجوم وحشي وبربري دمرت البلدة القديمة من خلاله في مدينة نابلس التي تعتبر مدينة تاريخية وتراثية فريدة ومركزا حضاريا في فلسطين‏.‏

أما البلدة القديمة التي تحتوي علي ممتلكات ثقافية وتراثية فيعود تاريخها إلي عام‏70‏ ق‏.‏م‏.‏
وقد قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتخريب وتدمير عدد من الجوامع مثل الجامع الكبير‏,‏ جامع الخضراء‏,‏ جامع النصر التي يعود تاريخها إلي عهد الأيوبيين والعثمانيين‏.‏

ودمرت هذه القوات مصانع الصابون الفلسطينية والتقليدية في البلدة القديمة والتي تعود للطراز المعماري المملوكي والعثماني‏,‏ كما أصاب التدمير بعض مواقع واحياء اثرية قديمة مثل المدرج الروماني وساحة التوتة والآبار الرومانية‏.‏
وشمل التدمير أيضا ديرا قديما في حي الياسمينة وهو تابع لكنيسة قديمة تعود إلي الفترة الصليبية وكذلك بعض القصور القديمة منها قصر عبدالهادي وقصر النمر وقصر طوقان‏.‏

ولا تنتهي الممارسات الوحشية لتصل إلي اقصاها في وزارة التربية والتعليم فنري أشكالا همجية من‏:‏
ـ الاقتحام العنيف المدمر للابنية والخرائط فضلا عن السرقة‏.‏

ـ سرقة حتي الأبواب والمكاتب والملفات والكتب والوثائق وأجهزة الحاسوب والديسكات والسيرفر والفيديو‏.‏
ـ تفجير حتي الأبواب المعدنية وسقوط القواطع والتخريب‏.‏
ـ تحويل أكثر من خمسين مدرسة لتصبح ثكنات عسكرية‏.‏

وصل الأمر إلي التعليم العالي والبحث العلمي فرأينا الكثير من صور الاقتحام والتفجير والتدمير بشكل همجي مخيف‏.‏
ـ وتفجير أجهزة الحاسوب وآلات التصوير والوثائق والطابعات والأجهزة المرئية والمسموعة لتقوم بتفجيرها ومرة واحدة‏.‏
ـ وتفجير الأبواب والنوافذ والجدران والقواطع واحرقت السجاد والمكاتب والأثاث‏.‏

ـ احتلال جامعة النجاح في نابلس وسيطرة علي جامعة القدس المفتوحة والمؤسسات الأهلية‏..‏ إلخ‏.‏ هل نستمع الآن إلي تبجح وسائل الصحافة الأجنبية بأن إسرائيل دولة تحترم الثقافة حقا ولا تمارس الإبادة أو هدم الحضارة‏.‏
ونخرج من الرسالة الفلسطينية أو اليونسكية‏!!‏ حتي تستمر وكالات الأنباء العربية والغربية لتنقل لنا مشاهد وصورا محزنة‏:‏
ـ تحطيم الأبنية بكل مافيها من ثقافة وتراث لمجرد أنها فلسطينية‏.‏
ـ تدمير كل محطات التليفزيون والاذاعات الخاصة‏.‏
ـ تدمير كل شئ عن البث والفن والموسيقي‏.‏

تنقل لنا الكاتبة الفلسطينية المعروفة سحر خليفة التي خرجت من رام الله منذ عدة أيام فقط هذه الصورة‏:‏ احتل الإسرائيليون وزارة الثقافة الفلسطينية‏..‏ لشهر ونصف شهر‏,‏ وعندما ذهبنا إلي وزارة الثقافة بعد خروجهم منها وجدنا داخل المكاتب اطنانا من الفضلات والبراز وزجاجات البول التي كانت أصلا زجاجات معدنية‏..‏ فضلا عن تلطيخ الحائط والملفات والاثاث بالبراز والبول وسائر المخلفات‏.‏
والصور لا تنتهي‏,‏ والمشاهد لا تنقطع‏,‏ وفلا تزال القوات التترية تمارس هوايتها الوحيدة في الدخول والخروج من المدن والقري‏,‏ وتحطم كل رموز التراث وصور الثقافة‏,‏ وتغلق كل الطرق أمام الصحفيين والكتاب وطلبة الجامعات‏.‏
هل نتحدث عن حضارة إسرائيل التي ترددها في العالم‏,‏ أن نعود إلي ديمقراطية إسرائيل التي مازال بعض كتابنا مخدوعين بها‏,‏ أم نشير إلي الفولكلور الإسرائيلي المنهوب والمسروق من التراث العربي أو الصور والمشاهد القائمة التي لا تنتهي؟‏.‏

‏}}‏
والآن لنعد إلي هذه الأوراق التي بين أيدينا سواء من اللجنة الوطنية الفلسطينية أو اللجنة الوطنية الليونسكو‏,‏ ونتمهل عند تساؤلاتنا
الحيري الكثيرة
فبمجرد أن تمهلنا استغاثة المسئول الفلسطيني‏,‏ أو الكتاب اليونسكي‏(‏ نسبة إلي اليونسكو‏)‏ في لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلي للثقافة ـ ضمن لجان أخري ـ واستمعنا إلي اشارات د‏.‏ صلاح فضل واستعراضه لهذه الاستغاثة العربية أو النداء اليونسكي حتي اندهشنا‏:‏
ـ ماذا نفعل الآن؟
ـ وإذا أردنا أن نفعل شيئا فماذا يمكن أن نكون فاعلين؟

ـ وما هو موقفنا من لجان تقصي الحقائق التي أعلن عنها من آن لآخر أمام الاعتداءات الإسرائيلية علي التراث العربي الفلسطيني؟
ـ وما أهمية كل هذه الاجتماعات والندوات التي تعقد من زمن في بلادنا للحث علي الإدانة أو الاتهام؟
ـ هل ندعو‏,‏ مع من يدعو‏,‏ إلي اقامة محكمة لجرائم الحرب ضد الثقافة؟
ـ وإذا دعونا إلي ذلك‏,‏ وتحمسنا له‏,‏ ووقفت بجانبنا الهيئات الأجنبية وبعض المثقفين الغربيين فمن يعنيه الأمر‏,‏ أقصد‏,‏ من يستطيع أن يهتم بذلك بهدف تغييره؟ من يملك؟
ـ ماذا نفعل بالاستغاثة العربية؟
ـ أو يفعل النداء اليونسكي للعالم؟
ـ من يجيبنا ونحن نحتفل ـ مازلنا ـ بذكري مرور نصف قرن علي ثورة يوليو وعبدالناصر؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية