|
|
حيرني كثيرا هذا النداء هل يهتم به أحد.. وهل يستطيع اليونسكو ـ اللجنة الوطنية التابعة للأمم المتحدة ـ ان تفعل شيئا تحت مظلة العولمة الأمريكية وغطرستها.. وهل تستطيع الجامعة العربية القيام بأي دور في غياب( الفعل) العربي, وفي مواجهة الوحدة الأوروبية في الشمال ومنطق عسكرة العولمة في الولايات المتحدة الأمريكية؟
ثم هل يستطيع المثقفون ـ أي مثقفين؟ أو ضمير المثقفين أن يفعلوا شيئا ـ أي شئ ـ في عصر القوة القطبية العاتية في عالمنا؟ من يهتم حقا ـ في هذا العالم الوحشي العنيف ـ بمصير أية جماعة تفتقد اللغة العالمية الوحيدة المفهومة في عالمنا: القوة, وتقبع تحت مسميات التراث والحضارة( التي كانت) في أقصي الأرض؟
ومن يهتم ـ حقا ـ بالحقوق أو كلمات من مثل المقاومة أو حركة التحرير الوطني في عصر العولمة الأمريكية والعنصرية الصهيونية البغيضة؟ من يستطيع( إلزام) إسرائيل باحترام المعاهدات الدولية, ونحن نسمع من زمان اتفاقية تسمي لاهاي1954 واتفاقية جنيف الرابعة قبلها1949. سألت نفسي كثيرا, فلم أجد جوابا, غير أني ـ الآن ـ أجد الحيرة ـ في عيون السادة القراء, وقبلها وجدت الغضب الحائر في عيون عدد كبير من كبار المثقفين حين عرض عليهم الأمر برسالة رسمية, وكادت الأوراق تطوي لولا أن ابديت رغبتي بين السادة الكبار من مثقفي مصر أن أحاول التعبير عن هذه( الحالة) ـ مثل عديد من الحالات التي تتكرر, وان يكون تعبيري مكتوبا ومنشورا. فلنعد قليلا إلي الوراء, ونتعرف علي مايحدث في هذا العالم.
أو لأعد ـ علي المستوي الشخصي ـ إلي ما اشعل في عقلي كل مايحدث في ابادة الإنسان و(التراث) العربي الفلسطيني إثر موقف معين. منذ شهر أويزيد جاءنا في المجلس الأعلي للثقافة( شعبة الدراسات الأدبية) خطاب موجه من وزارة الثقافة عن اللجنة الوطنية لليونسكو عن وزير الثقافة والإعلام الفلسطيني بشأن( كما نقرأ) العدوان العسكري الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني, هذا العدوان الذي استهدف تدمير وتخريب انجازات الشعب الفلسطيني منذ اتفاقية أوسلو.. كل انجازات الماضي والحاضر.
تدمير التراث الفلسطيني كله ـ إذن ـ منذ بداية التسعينيات, حتي اللحظة الراهنة ورحنا نستعيد أخبارا تشبه النواح الذي لا يتوقف عن إبادة ثراثنا العربي ضمن الأفعال الشائنة التي تقوم بها إسرائيل في جميع المدن والقري والمخيمات الفلسطينية منذ29 مارس من هذا العام, فراحت تدمر وتخرب وتبيد كل انجازات التراث في القرون السابقة وانجازات الثقافة والأدب والتعليم منذ اتفاقية أوسلو1993 في نهج( بربري) وتميز تخريبي( عنصري) بغيض. ولنستعرض أهم ماجاء في هذا الخطاب ـ ويعلمه الكثير منا ـ قبل أن نعود إلي اسئلتنا الحيري تقول الأمثلة التي تتكرر ـ علي الاستشارة فقط ـ إن:
في وزارة الثقافة احتل الجنود الإسرائيليون الهمج المبني وحولوه إلي مركز للاعتقال والاستجواب بعد أن دمروا بالكامل جميع المحتويات بما في ذلك المكتبة الثقافية, ارشيف السينما.. عشرات اللوحات الفنية.. مختبر لتدريب منتجي الأفلام الصغار, الكاميرات والاستوديوهات والأجهزة الخاصة بمحطة موسيقي الشباب بالإضافة إلي مواد ومعدات ثقافية أخري. كما قام الجنود الإسرائيليون بسرقة قطع أثرية ومجموعة كاملة من العملات الفلسطينية القديمة وأجهزة كمبيوتر, وأشياء ثمينة أخري, ودمروا شبكة التليفونات والكهرباء والإنترنت في مدينة نابلس القديمة, قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بهجوم وحشي وبربري دمرت البلدة القديمة من خلاله في مدينة نابلس التي تعتبر مدينة تاريخية وتراثية فريدة ومركزا حضاريا في فلسطين.
أما البلدة القديمة التي تحتوي علي ممتلكات ثقافية وتراثية فيعود تاريخها إلي عام70 ق.م. وقد قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتخريب وتدمير عدد من الجوامع مثل الجامع الكبير, جامع الخضراء, جامع النصر التي يعود تاريخها إلي عهد الأيوبيين والعثمانيين.
ودمرت هذه القوات مصانع الصابون الفلسطينية والتقليدية في البلدة القديمة والتي تعود للطراز المعماري المملوكي والعثماني, كما أصاب التدمير بعض مواقع واحياء اثرية قديمة مثل المدرج الروماني وساحة التوتة والآبار الرومانية. وشمل التدمير أيضا ديرا قديما في حي الياسمينة وهو تابع لكنيسة قديمة تعود إلي الفترة الصليبية وكذلك بعض القصور القديمة منها قصر عبدالهادي وقصر النمر وقصر طوقان.
ولا تنتهي الممارسات الوحشية لتصل إلي اقصاها في وزارة التربية والتعليم فنري أشكالا همجية من: ـ الاقتحام العنيف المدمر للابنية والخرائط فضلا عن السرقة.
ـ سرقة حتي الأبواب والمكاتب والملفات والكتب والوثائق وأجهزة الحاسوب والديسكات والسيرفر والفيديو. ـ تفجير حتي الأبواب المعدنية وسقوط القواطع والتخريب. ـ تحويل أكثر من خمسين مدرسة لتصبح ثكنات عسكرية.
وصل الأمر إلي التعليم العالي والبحث العلمي فرأينا الكثير من صور الاقتحام والتفجير والتدمير بشكل همجي مخيف. ـ وتفجير أجهزة الحاسوب وآلات التصوير والوثائق والطابعات والأجهزة المرئية والمسموعة لتقوم بتفجيرها ومرة واحدة. ـ وتفجير الأبواب والنوافذ والجدران والقواطع واحرقت السجاد والمكاتب والأثاث.
ـ احتلال جامعة النجاح في نابلس وسيطرة علي جامعة القدس المفتوحة والمؤسسات الأهلية.. إلخ. هل نستمع الآن إلي تبجح وسائل الصحافة الأجنبية بأن إسرائيل دولة تحترم الثقافة حقا ولا تمارس الإبادة أو هدم الحضارة. ونخرج من الرسالة الفلسطينية أو اليونسكية!! حتي تستمر وكالات الأنباء العربية والغربية لتنقل لنا مشاهد وصورا محزنة: ـ تحطيم الأبنية بكل مافيها من ثقافة وتراث لمجرد أنها فلسطينية. ـ تدمير كل محطات التليفزيون والاذاعات الخاصة. ـ تدمير كل شئ عن البث والفن والموسيقي.
تنقل لنا الكاتبة الفلسطينية المعروفة سحر خليفة التي خرجت من رام الله منذ عدة أيام فقط هذه الصورة: احتل الإسرائيليون وزارة الثقافة الفلسطينية.. لشهر ونصف شهر, وعندما ذهبنا إلي وزارة الثقافة بعد خروجهم منها وجدنا داخل المكاتب اطنانا من الفضلات والبراز وزجاجات البول التي كانت أصلا زجاجات معدنية.. فضلا عن تلطيخ الحائط والملفات والاثاث بالبراز والبول وسائر المخلفات. والصور لا تنتهي, والمشاهد لا تنقطع, وفلا تزال القوات التترية تمارس هوايتها الوحيدة في الدخول والخروج من المدن والقري, وتحطم كل رموز التراث وصور الثقافة, وتغلق كل الطرق أمام الصحفيين والكتاب وطلبة الجامعات. هل نتحدث عن حضارة إسرائيل التي ترددها في العالم, أن نعود إلي ديمقراطية إسرائيل التي مازال بعض كتابنا مخدوعين بها, أم نشير إلي الفولكلور الإسرائيلي المنهوب والمسروق من التراث العربي أو الصور والمشاهد القائمة التي لا تنتهي؟.
}} والآن لنعد إلي هذه الأوراق التي بين أيدينا سواء من اللجنة الوطنية الفلسطينية أو اللجنة الوطنية الليونسكو, ونتمهل عند تساؤلاتنا الحيري الكثيرة فبمجرد أن تمهلنا استغاثة المسئول الفلسطيني, أو الكتاب اليونسكي( نسبة إلي اليونسكو) في لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلي للثقافة ـ ضمن لجان أخري ـ واستمعنا إلي اشارات د. صلاح فضل واستعراضه لهذه الاستغاثة العربية أو النداء اليونسكي حتي اندهشنا: ـ ماذا نفعل الآن؟ ـ وإذا أردنا أن نفعل شيئا فماذا يمكن أن نكون فاعلين؟
ـ وما هو موقفنا من لجان تقصي الحقائق التي أعلن عنها من آن لآخر أمام الاعتداءات الإسرائيلية علي التراث العربي الفلسطيني؟ ـ وما أهمية كل هذه الاجتماعات والندوات التي تعقد من زمن في بلادنا للحث علي الإدانة أو الاتهام؟ ـ هل ندعو, مع من يدعو, إلي اقامة محكمة لجرائم الحرب ضد الثقافة؟ ـ وإذا دعونا إلي ذلك, وتحمسنا له, ووقفت بجانبنا الهيئات الأجنبية وبعض المثقفين الغربيين فمن يعنيه الأمر, أقصد, من يستطيع أن يهتم بذلك بهدف تغييره؟ من يملك؟ ـ ماذا نفعل بالاستغاثة العربية؟ ـ أو يفعل النداء اليونسكي للعالم؟ ـ من يجيبنا ونحن نحتفل ـ مازلنا ـ بذكري مرور نصف قرن علي ثورة يوليو وعبدالناصر؟
|
|
|
|
|
|