|
|
 |
سألني كاميرون بار مراسل جريدة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية عن أحداث11 سبتمبر2001 بمناسبة قرب الذكري السنوية الأولي لتلك الهجمة التي رجت الولايات المتحدة رجا, فقلت إن أكثر مايؤسف له هو أن السياسة الأمريكية لم تستخلص من هذا الحدث, ماانطوي عليه من دروس وعبر, وقلت: لقد مرت الأمة الأمريكية بمرحلة اتسمت بالهجومية الشديدة, وكان ذلك مفهوما كرد فعل أولي لهذه الضربة المفاجئة التي كشفت أكثر الأوتار حساسية في الجهاز العصبي الامريكي, كنا نتصور أن ذلك سيفسح المجال بالتدريح لمرحلة من مساءلة الذات عن أسباب ماحدث ومدي مسئولية السياسية الأمريكية نفسها عن هذا الشعور العارم بالغضب ضدها. وقد صرنا الآن علي بعد أيام فقط من الذكري الأولي ومازالت الولايات المتحدة غير قادرة علي تخطي مرحلة رد الفعل الأولي, وبعد أن ضربت أفغانستان هاهي تسعي الآن لتكرار نفس التجربة في العراق.
وقال لي مراسل الصحيفة الأمريكية: لقد سألت الولايات المتحدة نفسها بعد أحداث سبتمبر2001 السؤال الذي تتحدث عنه وهو لماذا يكرهوننا؟, وأذكر أننا في جريدة كريستيان ساينس مونيتور وضعنا هذا السؤال كعنوان رئيسي للجريدة. قلت: المهم ليس السؤال وإنما الجواب وحين حدثتك عن مساءلة الذات فقد كنت أقصد أن تصل الولايات المتحدة عن طريق مثل هذا السؤال إلي الجواب الذي يكشف لها حقيقة الخلل القائم في تعامل هذه القوة العظمي مع بقية شعوب العالم, والذي قد يؤدي إلي مراجعة السياسية الخارجية الأمريكية, ليس فقط في الشرق الأوسط وإنما في أجزاء أخري أيضا من العالم, لكن ذلك لم يحدث, لقد اكتفيتم بتوجيه السؤال لكنكم لم تصلوا إلي الجواب, أو لعلي أقول لم تصلوا إلي الجواب الصحيح, فقد قرأت بعض الإجابات الساذجة التي تدعو إلي السخرية مثل القول بأنهم يحقدون علينا لأننا أقوي دولة في العالم, ولأننا أغني دولة في العالم, ولأننا أنجح دولة في العالم, ومع تسليمي بكل أفعل التفضيل هذه إلا أنني أري ـ ويري معي العالم كله تقريبا ـ أن السبب في هذا الغضب العارم ضد أمريكا والذي أدي إلي ماحدث في سبتمبر منذ عام مضي, يكمن في الجانب الآخر مما تمثله أمريكا, فهو ليس في قوتها أو غناها أو نجاحها, وإنما في الظلم الذي تمارسه علي شعوب الأرض خاصة الشعوب العربية والإسلامية مستخدمة قوتها هذه وغناها ونجاحها وحتي الآن ليس هناك أي دليل في الممارسات السياسية والامريكية يدل علي أنه قد حدثت أي مراجعة لمثل هذه السلبيات الظالمة التي أدت لما حدث في سبتمبر, بل لقد زادت السياسة الأمريكية شراسة, وجاء الدمار الذي أحدثه الامريكيون في أفغانستان كنموذج لما يريدون تطبيقه في أجزاء أخري من العالم تبدأ بالعراق وتمتد إلي إيران لتعود فتطول دولا عربية أخري تحدث عنها أخيرا تقرير لجنة السياسات بوزارة الدفاع الامريكية( البنتاجون).
وهنا قد يجدر بنا أن نفتح قوسا صغيرا لكي نتحدث عن الفاعل الحقيقي في أحداث سبتمبر2001 طالما أن هذا هو موضوعنا, لنقول إننا نتحدث عن الشرق الأوسط وعلاقته بما حدث ليس لأنه ثبت بالدليل القاطع أننا نحن الفاعلون, وإنما لأنه هذا هو ماقالته لنا الولايات المتحدة( دون أن تقدم الدليل القاطع), ولقد صدرت في هذا الصدد كتابات كثيرة تتشكك في مثل هذه الرواية التي أرادت الولايات المتحدة إلصاق التهمة فيها بالعرب والمسلمين, وأراد بعض هؤلاء الأخيرين من موطنهم في الأحراش إدعاء ماتمثله هذه الضربة من دقة التخطيط وامتلاك القوة, وفي هذا الصدد فقد صدر أخيرا في فرنسا كتاب خطير يؤكد ببعض الأدلة التي وصل إليها أن العرب المسلمين بعيدون تماما عما حدث في نيويورك قبل عام مضي. لكن الولايات المتحدة اختارت أن تتعامل مع هذا الحدث باعتبار أن الفاعل فيه هو بالفعل العرب المسلمون, بل لقد وصلت في تأكيداتها إلي القول إن الفاعلين بشكل أساسي مواطنون من السعودية ومصر, وهذا هو مايعنينا هنا, فنحن لسنا بصدد تحقيق جنائي لمعرفة شخصية الفاعل, وإنما نحاول أن نري رد فعل ماحدث علي السياسة الأمريكية, فإذا كانت الولايات المتحدة تري أن الفاعل هو الشرق الأوسط العربي المسلم, فماذا فعلت في إطار البحث من دوافع هذا الفاعل في السياسة الأمريكية والذي دفعه إلي هذا الفعل العنيف وغير المسبوق, وهنا مكمن المشكلة, وهي أن الولايات المتحدة لم تفعل شيئا, بل لقد ازدادت السياسة الأمريكية شراسة في المنطقة, وصارت صورة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أكثر قبحا الآن مما كانت عليه قبل سبتمبر2001, ففي الوقت الذي أصبحت الولايات المتحدة تهدد وتتوعد دول المنطقة بأن تفعل بها مافعلت في أفغانستان التي دمرت تدميرا كاملا بعد التدخل الأمريكي, وطال هذا التوعد والتهديد بعض حلفاء امريكا أنفسهم في المنطقة, فإن وضع العرب والمسلمين داخل الولايات المتحدة أيضا قد ساء بشكل كبير مما كان قبل عام مضي حتي وصل إلي الحضيض, فمازال هناك في السجون الأمريكية مئات وليس عشرات من مواطني الشرق الأوسط الذي لاينتمون كلهم للدين الإسلامي, ولقد كان لمصر165 مواطنا تحت الاعتقال وصلوا الآن إلي مايقرب من20 شخصا, وهذه هي الأرقام الرسمية التي قدمتها السلطات الأمريكية للسفير المصري في واشنطن السيد نبيل فهمي, والتي تتعامل السلطات المصرية علي أساسها, لكن الدلائل تؤكد أن العدد أكبر من ذلك بكثير, فهناك في السجون الامريكية من المصريين والعرب المسلمين من لايعلم أحد عنهم شيئا, ولايتولي الدفاع عنهم أحد.
ولقد روي لي صديق مصري يعمل في مجال البنوك أن ابنه الذي يدرس بجامعة نيويورك تلقي خطابا من إدارة الجامعة يقول له مامعناه: أنت بوصفك من الشرق الأوسط فإنك معرض في أي وقت لإلقاء القبض عليك, وذلك في إطار التحقيق الجنائي الذي مازال يجري حول أحداث11 سبتمبر وإذا حدث لك فعليك أن تخطر محاميك علي أسرع وجه حتي لو قيل لك ألا تفعل ذلك, وعليك أن تعلم أحدا بأنك قد تم إلقاء القبض عليك حتي لو اقتضي الأمر أن تصرخ وتحدث ضجيجا حتي تلفت نظر من حولك إلي أنك قد اعتقلت(!!!) وأذكر أنني طمأنت صديقي آنذاك وقلت له إن جامعة نيويورك التي يدرس بها ابنك جامعة محترمة, فلدي خطاب من جامعة أخري وجهه مكتب شئون الطلاب بها إلي طلاب الشرق الأوسط قائلا لهم إنهم بعد ماحدث يوم11 سبتمبر لن يتمتعوا بأي مزايا في الجامعة وأنهم في زي من خدمات الجامعة سيأتي ترتيبهم في النهاية(!!!) وتشير كل الدلائل إلي أن تلك لم تكن ردة فعل وقتية لما حدث منذ عام مضي وإنما هي سياسة مستمرة حتي بعد مرور سنة علي الحدث, فقد قرأت أخيرا مقالا لجريدة واشنطن بوست نقلته عنها جريدة هيرالد تريبيون يقول إن السلطات الأمريكية وضعت أخيرا أكثر من500 منشأة اقتصادية وتجارية يملكها مواطنون من الشرق الأوسط تحت المراقبة لمعرفة ماإذا كانت هذه المنشآت تجمع أموالا بطرق إجرامية لإرسالها إلي المنظمات الإرهابية في الخارج, وتلك هي كلمات المقال بالحرف الواحد.
وقالت الجريدة إن معظم هذه المنشآت صغيرة في الحجم ورأس مالها محدود, والبعض منها مملوك ليس فقط للعرب وإنما أيضا لباكستانيين أوإيرانيين, ولقد تحدث جون فوربس مسئول الجمارك الامريكي إلي كاتب المقال بطريقة عنصرية عن هذه المنشآت الصغيرة تعبر عن قدر كبير من الاحتقار ينم بدوره عن نوعية المعاملة التي يلقاها من يتم التحقيق معهم في هذا الشأن, فقد قال الرجل: لقد كنا منذ11 سبتمبر2001 نسعي للإمساك بالجرذان الكبيرة, لكنا اكتشفنا أننا في تعقبنا لتلك الجرذان تركنا الكثير من النمل يهرب(!!), وأكد الرجل أن تلك هي المرحلة الثانية فيما يجري من تحقيقات داخل الولايات المتحدة والتي لن يسلم منها كبير أو صغير. ولقد وصلت هذه الحملة إلي ربط الإرهاب بكفاح الشعب الفلسطيني الواقع تحت الإحتلال, فقد صرح مسئول آخر لم يحدد المقال اسمه بأنهم يحققون الآن فيما لو كانت أموال بعض هذه المنشآت تذهب لتمويل العمليات الاستشهادية ضد إسرائيل(!!) قائلا إن تنظيم القاعدة في أفغانستان وحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين كلها حلقات متصلة في مسلسل واحد للإرهاب(!!!).
إن حقيقة مايقوله هذا المسئول غير المسمي في جهات التحقيق الأمريكية هو أن كل من لاترضي عنه أمريكا هوعدو إرهابي, وكل من ترضي عنه هو صديق مسالم, وهكذا يصبح الكفاح من أجل الاستقلال إرهابا ويصبح شارون ـ كما وصفه الرئيس بوش نفسه أكثر من مرة رجل سلام, وهكذا يصبح كل مواطن عربي أو مسلم متهما ينبغي إلقاء القبض عليه والتحقيق معه, وهذا هو الإرهاب بعينه, ولقد جاءت كلمة الحق في ذلك ليس من رجال السياسة وإنما من الممثل الأمريكي المعروف وودي هارلسون الذي نشرت مجلة نيوزويك في عددها الأخير مقولة له تقول: إن الحرب ضد الإرهاب هي الإرهاب.
إن هذه الرؤية المريضة للعالم التي مازالت الولايات المتحدة أسيرة لها حتي بعد مرور سنة كاملة علي ماحدث في سبتمبر2001 لايمكن أن تؤدي إلا لمزيد من سوء الفهم بين السياسة الأمريكية والعالم أجمع ومزيد من المواجهة الخطيرة في الشرق الأوسط, وحين أقول العالم أجمع فذلك لأن عدم الرضا عن السياسة الأمريكية لم يعد خاصية عربية أو إسلامية فقط وإنما امتد ليشمل العالم كله بما فيه حلفاء أمريكا أنفسهم في أوروبا مثلا حيث يتحفظ الأوروبيون الآن علي خطط أمريكا لضرب العراق التي يمكن أن تفجر المنطقة تماما, وعلي الانحياز الكامل لإسرائيل الذي يزيد من إشعال الموقف ويبعد من احتمالات السلام. وقلت للمراسل الأمريكي: إذا كانت السياسة الأمريكية تري أن كل من هو من الشرق الأوسط متهم وأن كل منشأة اقتصادية عربية أو إسلامية سواء كانت من الجرذان أو النمل متهمة, وأن كفاح الشعب الفلسطيني ضد الإحتلال هو إرهاب, وأن الدول العربية والإسلامية متهمة وبالتالي يجب أن تلقي مصير أفغانستان, فإن ذلك يعني أن أمريكا لم تتعلم الدرس وهذا مما يؤسف له ليس فقط من أجل أمريكا وإنما من أجل مستقبل العالم كله وإمكانات التفاهم الدولي الذي يمكن أن يحيلنا إلي مرحلة من الوفاق العالمي, أو يقذف بنا إلي حرب من نوع جديد تتوعد فيها الولايات المتحدة العالم كله وتتدخل بقواتها العسكرية لتدمر كل مالايعجبها حتي الجرذان و النمل, فلندع الله أن يهدي الجميع, وأن تكون الولايات المتحدة في الذكري السنوية المقبلة قد فهمت أخيرا هذا العالم الذي تتزعمه حتي لاتؤدي بنا إلي كوارث جديدة لاتسلم هذه المرة. |
|
|
|
|
|