يمر حزب العمل من الآن وحتي شهر نوفمبر القادم بمرحلة شديدة الحساسية سيكون لها الكثير من التداعيات علي وضع ومستقبل الحزب في الحياة السياسية في إسرائيل. فالحزب سوف يشهد الانتخابات الداخلية لاختيار رئيس جديد للحزب. وتكتسب تلك الانتخابات أهميتها من أنها تأتي عقب' فضيحة' الانتخابات التي جرت في مطلع شهر سبتمبر الماضي لاختيار رئيس للحزب عقب استقالة إيهود باراك في فبراير عام2001 بين المرشحين إبرهام بورج وبنيامين بن أليعازر حيث قدم بن أليعازر طعونا بأن الانتخابات قد تم تزويرها لمصلحة بورج ومن ثم تم إعادة الانتخابات في41 مركز اقتراع في نهاية شهر ديسمبر الماضي فاز علي إثرها بنيامين بن أليعازر برئاسة الحزب. ومن ناحية ثانية يخوض تلك الانتخابات إضافة إلي كل من بن أليعازر وحاييم رامون الجنرال عميرام متسناع رئيس بلدية حيفا الذي تتوقع له استطلاعات الرأي العام أن يحصل علي47% من أصوات حزب العمل مقابل تراجع كل من بن اليعازر ورامون. ويبني الكثير من حمائم حزب العمل أملا كبيرا علي فوز متسناع' لترميم' شعبية حزب العمل في الساحة الإسرائيلية. يعاني حزب العمل منذ رحيل اسحاق رابين من أزمة قيادات كبري أو زعامات تاريخية ذات شعبية يعتد بها. فعلي مستوي رئاسة الوزراء انعكست أزمة القيادات التي يعاني منها حزب العمل في تنحي الحزب عن رئاسة الوزراء في الانتخابات التي جرت بعد اغتياله حينما خسر شيمون بيريز أمام نيتانياهو ثم عاد إليها بقيادة إيهود باراك الذي لم يكمل مدته في رئاسة الوزراء حيث دعا إلي انتخابات مبكرة في مطلع عام2001 مني فيها بهزيمة ساحقة أمام أرييل شارون وهي الهزيمة التي أشارت بشكل واضح إلي المأزق الذي بات يعانية حزب العمل فيما يتعلق بشعبيته في الشارع الإسرائيلي.
وأما علي مستوي وجود الحزب في الكينست فقد تراجع هذا الوجود بشكل كبير حيث فقد الحزب حوالي48% من نسبة مقاعده داخل الكنيست خلال ثمانية أعوام. فقد ظل حزب العمل أكبر الأحزاب الإسرائيلية تمثيلا في الكينست منذ نشأة الدولة الإسرائيلية بما مكنه من تشكيل كل الحكومات التي تألفت بين عامي1949 و1977 كما شارك في حكومة الوحدة الوطنية بين عامي1984 و1988. كما لم يقل تمثيل الحزب في الكينست طوال تاريخه عن34 مقعدا إنه في الانتخابات الأخيرة تدهور موقفه فيها ووصل عدد مقاعده إلي23 مقعدا فقط بعدما كانت34 مقعدا أي في انتخابات1996 وفي انتخابات1992 كانت44 مقعدا. كما تشير نتائج الانتخابات الأخيرة إلي تناقص شعبية الحزب داخل الشارع الإسرائيلي. وسيطرة أفكار الجناح اليميني المتشدد علي المجتمع الإسرائيلي لاسيما في القضايا المتعلقة بكيفية معالجة الملف الفلسطيني. وفي الحقيقة فإن ثمة أسبابا كثيرة' للترهل' أو المأزق الذي يمر به حزب العمل في الساحة السياسية الإسرائيلية بل إن هذا' الترهل' يبدو انعكاسا أو تعبيرا صادقا عن الوضع المتردي الذي وصل إليه معسكر اليسار بصفة عامة في إسرائيل. فقد تحول الكثير من أنصار اليسار إلي تأييد شارون فطبقا لاستطلاع الرأي العام الذي أجرته القناة الأولي في التليفزيون الإسرائيلي في الثامن والعشرين من مايو الماضي اتضح أن أكثر من نصف المصوتين لليسار يرون في شارون أفضل مرشح يمكن أن يتقدم للتنافس علي رئاسة الوزراء بل ويفضلونه حتي علي زعيم حزب العمل بن أليعازر وزعيم المعارضة اليسارية في البرلمان يوسي ساريد.
ومن ناحية ثانية فإن مشاركة حزب العمل في الحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون قد هزت إلي حد بعيد صورة حزب العمل لدي الإسرائيليين وغطت علي التمايزات أو الفروق الأيديولوجية بين اليسار واليمين في إسرائيل حتي بات من الصعب علي الإسرائيليين التمييز بين الحزبين أو كما يقول عكيفا الدار ـ المعلق السياسي في صحيفة هاآرتس- فإن' المرء قد يضطر لاستخدام ميكروسكوب لكي يشخص الفروق الأيديولوجية بين حزبي الليكود والعمل'. وقد أدي ذلك ـ كما يقول شلومو بن عامي ـ بالكثير من الإسرائيليين الذين كانوا محسوبين علي الوسط بشكل خاص إلي التساؤل قائلين:' إن كان حزب العمل لا يشارك فقط في حكومة شارون بل يتولي تنفيذ سياساته الأمنية عبر وزير الدفاع بن أليعازر زعيم حزب العمل ويسوق مواقفه السياسية عبر وزير الخارجية شيمون بيريز الرجل الثاني في الحزب.. فلماذا لا نختصر الطريق ونؤيد شارون والليكود من خلفه'. ومن ناحية ثالثة فإن تطبيق نظام الانتخاب المباشر لاختيار رئيس الوزراء في عام1996 قد أدي ذلك إلي تراجع قوة الأحزاب ذات التوجهات الأيديولوجية بينما نمت بشكل سريع الأحزاب الدينية والحركات ذات المنطلقات الإثنية. وكان من الطبيعي أن تتراجع قوة كل من حزب العمل والليكود وإن كان تراجع حزب العمل الأكثر علي ما سبقت الإشارة.
ومن ناحية رابعة فإن انجراف الشارع الإسرائيلي نحو اليمين علي خلفية فشل الصفقة التي قدمها باراك ثم اندلاع انتفاضة الأقصي قد قلص كثيرا من صوت اليسار في إسرائيل حيث بات الصوت الأعلي هو للتعامل الأمني ومؤيديه من اليمين واليمين المتطرف ومن ثم حدث انزواء لحزب العمل واليسار بصفة عامة. والمعضلة التي تواجه حزب العمل حاليا هي أنه في ظل حالة الترهل التي يعانيها منها فإنه مقبل علي انتخابات مؤكدة هي انتخاباته الداخلية وانتخابات' محتملة' هي انتخابات رئاسة الوزراء فيما لو دعا شارون لانتخابات مبكرة وهو الأمر الذي يضع الحزب في موقف شديد الصعوبة. فالحكومة الإسرائيلية التي يشارك فيها الحزب لم تنجح بعد في حسم الملف الفلسطيني كما أنها تواجه وضعا اقتصاديا غير مستقر وغير مرض للكثير من الإسرائيليين ويتحمل حزب العمل الكثير من المسئولية إن لم تكن المسئولية كلها عن هذا الوضع بمشاركته في الحكومة فأمام الناخب الإسرائيلي سيكون الحزب هو المسئول الأول لأن هذه الحكومة ما كانت لتستمر لو انسحب منها حزب العمل.
ومن ثم فإنه لو نفذ شارون تهديد بحل البرلمان ودعا إلي انتخابات مبكرة في أوائل العام القادم فيما لو لم يقر البرلمان ميزانية العام الجديد فسوف يضع حزب العمل أمام أمرين أو موقفين أحلاهما مر: ففي حالة ما إذا كان الفائز في انتخابات حزب العمل ليس بنيامين بن أليعازر فإن ذلك يعني أنه لن يكون لدي الفائز الوقت الكافي للدعاية والتجهيز للانتخابات بما يعني في النهاية أن احتمالات خسارته تكون واردة أما في حالة فوز بن أليعازر فإن احتمالات فوز شارون عليه ستكون علي الأرجح كبيرة حيث يعتبر بن أليعازر المسئول الأول عن مأزق حزب العمل فالرجل يشارك في حكومة الليكود وهو من صقور حزب العمل بل إن فوزه في انتخابات الحزب في العام الماضي يرجع بشكل كبير إلي انجراف الشارع الإسرائيلي إلي اليمين أصلا. ويعني ذلك في النهاية أن معاقبة الناخب الإسرائيلي لحزب العمل ستكون في شخص بن أليعازر.
أما في حالة عدم الدعوة إلي انتخابات مبكرة وفوز بن أليعازر في انتخابات الحزب فإن ذلك سيعني تكريسا لأزمة الحزب واستمرارا في تشويه صورة الحزب لدي الشارع الإسرائيلي أما إذا خسر بن أليعازر انتخابات الحزب فإن الباب سيكون مفتوحا لاحتمالات كثيرة لعل أهمها أن يقرر الحزب الانسحاب من الحكومة لاسيما إذا كان الفائز هو متسناع الذي يري في نفسه الخليفة الحقيقي لاسحاق رابين. فهل ينجح حزب العمل في اجتياز مفترق الطرق الجديد الذي تفرضه عليه الأحداث خاصة بعدما أصبحت الفرصة سانحة في ظل إلغاء نظام الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء الإسرائيلي. وهل ينجح خليفة رابين الجديد في إحياء تراث أسلافه. |