تقارير المراسلين

42259‏السنة 126-العدد2002اغسطس19‏10 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

وراء الأحداث
أمريكا اللاتينية
هل استعدت لمواجهة عدوي أزمة الأرجنتين؟‏!‏

كتب : د‏.‏ سعيد اللاوندي
الطوابير هى سمة الحياة فى الارجنتين
سكب وزير الخزانة الأمريكي باول أونيل‏)‏ الزيت علي النار عندما أعرب عن مخاوفه من أن تدخل المساعدات التي تقدمها الولايات المتحد لدول امريكا اللاتيتية ضمن حسابات سرية في سويسرا‏,‏ في اشارة إلي أن الفساد في امريكا الجنوبية لم يعد له سقف‏,‏ لأنه شمل كل الأشخاص‏(‏ القياديين‏)‏ وتغلغل في جميع القطاعات بحيث اصبح قاموسا للحياة في هذه المنطقة التي كانت بعض دولها مثل أوروجواي تعرف بسويسرا أمريكا الجنوبية لما حققته من درجة أعلي في الرفاهية التي ينعم بها أهلها‏..‏ أيا كان الحال‏,‏ فالثابت أن الولايات المتحدة بدأت تستشعر درجة قصوي من القلق لما يحدث داخل الأرجنتين‏,‏ ليس فقط لأن سقوط الأرجنتين هو دليل علي افلاس السياسة الخارجية الأمريكية‏.(‏ كما تقول هيرالد تريبيون‏)‏ وانما أيضا لأن هذا السقوط يحمل فألا سيئا بالنسبة للغرب‏(‏ من حيث كونه فضاء سياسيا متجانسا‏)‏ مثلما كان سقوط حائط برلين مؤشرا علي سقوط الكتلة الشرقية في تسعينات القرن العشرين‏..‏ ويذهب نفر من المحللين إلي القول بأن هذه الأزمة الطاحنة التي تعيشها الأرجنتين منذ فترة سببها المباشر جملة من الأزمات الصغيرة المختومة بخاتم صنع في واشنطن‏..‏ لأن الأرجنيتن كانت من أكثر الدول النامية تصديقا للوعود الأمريكية‏,‏ فروجت بهمة ونشاط بالغين ـ لمذهب النيوليبرالية‏,‏ ولم تتردد في تثبيت سعر عملتها الوطنية ـ البيزو ـ مقابل الدولار ونعمت لفترة جد قصيرة بتدفق الاستثمارات عليها‏,‏ لكنها سرعان ما انزلقت نحو الانهيار‏,‏ وبات انصار الأمس ومشجعو سياسة ليبرالية السوق هم انفسهم من يلومون الضحايا‏,‏ حدث ذلك ـ بالطبع ـ بعد فوات الأوان‏!‏

ومما زاد نيران الأزمة في الأرجنتين اشتعالا أن صندوق النقد الدولي الذي يعتبره الكثيرون ـ وهم علي حق ـ فرعا لوزارة الخزانة الأمريكية‏!)‏ لم يحاول تقديم النصح للأرجنتين علي الرغم من أن خبراءه كانوا يتوقعون المنحدر الذي وقعت فيه الأرجنتين‏,‏ ولم يعد يجدي معه التقشف الذي اعلنته الحكومة الأرجنتينية كسياسة عامة في البلاد وهكذا فإن الولايات المتحدة ليست بريئة تماما مما حدث‏(‏ ويحدث‏)‏ في الأرجنتين‏,‏ بل ان عامة الشعب الذين يخرجون بين وقت وأخر حاملين الكاسارولات ويطالبون بالطعام لأطفالهم يعرفون جيدا أن واشنطن هي التي قادت بلادهم إلي المقصلة‏!!‏
فالبطالة تضاعفت مرتين‏,‏ وخسرت العملة الوطنية‏(‏ البيزو‏)70%‏ من قيمتها بعد مساواتها بالدولار وأصبحت قدرة البلاد علي تسديد الديون البالغة‏(100‏ مليار دولار‏)‏ شبه معدومة‏,‏ بينما اغلقت المصارف والمؤسسات المالية أبوابها أمام التدهور الحاد في أسواق المال‏,‏ وهكذا اصبحت الأرجنتين بحق ـ علي شفا الانهيار الكامل‏!‏

الخطير في الأمر‏,‏ وهو ما تسعي الولايات المتحدة إلي تطويقه حاليا ـ هو أن عدوي المرض الأرجنتيني بدأت تنتقل إلي بقية جسد قارة أمريكا اللاتينية‏,‏ إلي حد يصدق عليه القول ان الأزمة التي تتفجر في اسواق الأرجنتين لا يسمع صداها إلا في بنوك اورجواي‏,‏ و مصارف البرازيل‏,‏ ومزارع كولومبيا‏,‏ ومحلات المكسيك و الأكوادور وشيلي‏.‏ فالمظاهرات التي تندلع بين وقت وأخر في احدي هذه الدول تشبه في الشكل والمضمون مظاهرات الأرجنتين‏..‏ وهذا امر طبيعي‏,‏ لأن الداء واحد وكذلك الأعراض‏,‏ ومنها أن العملات الوطنية لهذه الدول قد خسرت نسبة كبيرة من قيمتها امام الدولار‏(‏ العظيم‏)‏ وكذلك مرض الفساد قد استشري في كل الأرجاء وطال جميع القطاعات‏,‏ كما أنهار فيها جميعا سباق المواد الأولية ـ علي نحو ما تذكر صحيفة لوموند ـ وبينما الولايات المتحدة مشغولة بحربها ضد الإرهاب فإن دولا أخري مثل بوليفيا‏,‏ وكولومبيا‏,‏ واكوادور وبيرو‏,‏ وفنزويلا تواجه قدرها السياسي الغامض بصعوبة بالغة‏..‏ إلي حد أن دولا بعينها مثل بيرو قد تخلت عن مبدأ الخصخصة أمام سخط الشعب ومظاهراته الصاخبة‏,‏ الأمر الذي حسبه المحللون تراجعا مخيفا ينذر بكثير من الشرور‏!‏ اما البرازيل فتعيش أجواء عاصفة أشعرت المستثمرين بالخوف فضلا عن اشتداد ملفات الأزمة الاقتصادية من جانب‏,‏ وعدم الاستقرار السياسي من جانب آخر‏,‏ بحيث تشكل كل هذه العوامل كوكتيل من الفوضي التي قد لا تبقي ولا تذر في حالة الغليان التي لم تعد بعيدة علي كل حال‏.‏

المؤسف ان الأرجنتين التي تقود بحالتها الراهنة قاطرة الانهيارات في أمريكا اللاتينية‏,‏ عجزت تماما عن إحداث أي تثبيت للأوضاع كما فشلت في اقامة حواجز لمنع تداعيات الأزمة‏..‏ والشيء نفسه يتكرر في الدول الأخري مثل اوروجواي التي لن تنجح ـ بحسب المحللين الغربيين ـ المساعدة الأمريكية البالغة‏1.5‏ مليار دولار في أن توقف انهياراتها التي تتسابق مع الزمن في التراجع‏..‏
صحيح قد تعود بعض البنوك إلي فتح ابوابها واستقبال روادها‏,‏ وقد تقاوم عمليتها الوطنية بعضا من الوقت أمام طغيان وسطوة الدولار‏,‏ لكن النهاية لابد قادمة بعدما كسرت مسبحة السقوط حبة وراء أخري‏!‏

الموقف في كولومبيا ليس بأحسن حالا‏,‏ فالقيادة هناك ورثت دولة عاجزة عن مواجهة العنف والتطرف سواء بين اليسار أو داخل البرلمان‏(‏ بين اليمين‏).‏
وتتوالي قصة السقوط فصولا في الأكوادور‏,‏ التي استشري الفساد في أوصالها‏,‏ بحيث يكلفها سنويا ملياري دولار‏.‏

وهكذا اصبحت امريكا اللاتينية غارقة بحق في جملة من الصعوبات والتحديات الشائكة التي لا أفق لها خصوصا إذا وضعتا في الاعتبار أن الشعور في هذه القارة الجنوبية قد بلغ السيل الزبي بالنسبة لقدرتها علي التحمل بعد أن ضاقت درعا بوعود زائفة بدت كالسراب الذي يحسبه الظمأن ماء‏,‏ فإذا أدركه وجده دخانا أو خيالا او اوهاما‏!‏ هذا ما توصي به المظاهرات التي عمت كاراكاس في فنزويلا مؤخرا‏,‏ التي وزعت منشورات تصف الرئيس الفنزويلي بانه سفاح‏!‏
وفي المحاكم حيث تجري محاكمة بعض النرالات‏,‏ يقذف المتظاهرون القضاة بالطوب لأنهم فقدوا الثقة في وجودهم‏,‏ ودورهم كرجال قانون في المجتمع بعدما كشفت الوقائع تميزهم للرئيس الفنزويلي‏,‏ وتضحيتهم بالصالح العام‏!‏

ويتحدث المحللون عن معجزة هرقلية لانتشال فنزويلا من مستقبل غير واعد ينتظرها‏.‏
الطريف ان رجال الدين في بعض دول امريكا الجنوبية و خصوصا الأرجنتين قد لجأوا إلي تفسير لاهوتي للأزمة‏,‏ ففي صحيفة كورييري ديلايسرا الايطالية اوضح أحد الأساقفة ان الأزمة سببها البعد عن السماء‏,‏ وكثرة الذنوب‏,‏ وطالب الشعوب بالاعتراف بالذنب وطلب الرحمة‏!‏

أما علي الطرف الأخر فيقف المعجبون بالعم سام‏,‏ ويؤكدون ان الأمل معقود علي صندوق النقد الدولي‏,‏ والبنك الدولي‏,‏ ويذكرون أن أمريكا هي التي بيدها الخلاص من كل الأزمات شرط أن تقوم بدورها كرجل مطافيء‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية