|
رسالة فرانكفورت: عبدالعظيم حماد |
 |
بنهاية هذا العام يكتمل مرور10 سنوات علي ظهور مصطلح العولمة كوصف للاتجاه الذي يسير فيه الاقتصاد العالمي نحو الاندماج في سوق واحدة.. ومثل مصطلحات كثيرة سبقته في ميادين السياسة والاقتصاد من العقد الاجتماعي إلي الليبرالية فالاشتراكية, فالنظام العالمي الجديد... الخ.. فإن مصطلح العولمة ذاته تحول إلي مايشبه الايديولوجية أو الموضة الفكرية, وكان ذلك سببا في إحاطة المصطلح بمبالغات مقصودة أو غير مقصودة, معه وضده ومثل كل المصطلحات التي سبقته, وبسبب تلك المبالغات بقي المصطلح وتطبيقاته طوال السنوات العشر الماضية, بمنأي عن الفحص والتقويم الجادين. ونقدم اليوم احدي المحاولات الجادة لفحص وتقويم العولمة نظرية وتطبيقا بعد مرور عقد كامل من الزمان علي التبشير بها أصبحت خلاله علي كل لسان من نيويورك حتي طوكيو, ومن القطب الشمالي إلي القطب الجنوبي, قام بهذه المحاولة لجنة خاصة في البوندستاج الألماني برئاسة الدكتور ارنيست أولريتش ثون فايتكر واسم هذه اللجنة هو اللجنة البرلمانية الخاصة لاستقصاء آثار العولمة علي الاقتصاد العالمي أما الخلفية السياسية والمهنية لرئيس اللجنة فهي عضويته في الحزب الاشتراكي الحاكم في ألمانيا, وبهذا فإن يمثل اليسار الديمقراطي الأوروبي بحكم التفاعل الوثيق بين جميع الاحزاب الاشتراكية الأوروبية, كما أنه عضو في نادي روما للاقتصاد الدولي, وفضلا عن ذلك فهو ايضا رئيس معهد فيبرتال الألماني للبحوث الاقتصادية, وبالطبع فسوف نري مع السطور التالية ان هذه الرؤية الأوروبية لحصاد عقد من العولمة متأثرة بقوة بأدبيات منظمة آتاك المناهضة لتطبيقات العولمة طوال العقد الماضي, وهي منظمة أوروبية لكن مركز الثقل فيها يقع في ألمانيا وتحديدا في مدينة فرانكفورت العاصمة المالية للاتحاد الأوروبي.
الجدد في النظرية من حيث النظرية تعترف لجنة أولريتش ثون فايتكر بأن الاتجاه نحو تحرير الاسواق وإلغاء أو الحد من الحواجز الجمركية هو اتجاه قديم بما يكفي لاعتبار كلمة العولمة ليست أكثر من بدعة لغوية, ولكن تضافرت مجموعة من الاحداث لكي تنبه هواة التنظير إلي الحاجة إلي مصطلح جديد يصف هذا الاتجاه نحو تحرير الأسواق ومايستتبعه من تعاظم التأثير المتبادل بين اقتصادات الدول القومية, هذه الاحداث باختصار هي مظاهرات النساء في بنجالور الهندية سنة1993 ضد القواعد التي وضعتها منظمة الجات في جولة أوروجواي في ذلك العام لتنظيم تداول المنتجات الزراعية, وكان هؤلاء النسوة تخشين من ان يؤدي وضع تجارة البدور الزراعية في ايدي الشركات الدولية إلي حرمانهن من مصدر دخولهن المتمثل في استنبات بذور محلية, هنا اتضح ان تأثير قواعد التجارة الدولية يمكن ان يمس امرأة في قرية هندية مغمورة, ويدفعها إلي الحركة السياسية. القوة الدافعة الثانية وراء ظهور مصطلح العولمة حسب تقرير اللجنة الألمانية هي ظهور الانترنت التي سهلت تقارب الشركات والعارضين أما القوة الثالثة فكانت انهيار نظام القطبية الثنائية في العلاقات الدولية أو المحصلة الاقتصادية لهذا الانهيار فكانت هي انتقاد حاجة الغرب الرأسمالي إلي تقديم الدليل علي أنه نظام الاقتصادي هو الأحسن واصبح علي مديري الشركات أن يوجهوا اهتمامهم إلي حملة الأسهم الذين سرعان مااكتشفوا بدورهم أن الاستثمار المباشر في طريق البورصة وليس من خلال البنوك وشركات التمويل كما جرت العادة من قبل يمكن ان يدر عائدا أكبر, فظهرت الرأسمالية الشعبية, وأعيد اختراع مبدأ الحرية الاقتصادية المطلقة لدرجة ان معهد آدم سميث أبوعلم الاقتصاد ومؤسس مذهب آدم بيل ولم يمر اصدر بطاقات لتهنئة بعيد الميلاد في ذلك العام كتب عليها تحت صورة الرجل آدم سميث.. بطل العولمة. وكان لهذا الحماس مايبرره فقد حققت العولمة نجاحا يتلوه نجاح, فقد ارتبط تقدم العولمة بالتحول الديمقراطي في أوروبا الوسطي والشرقية وآسيا وافريقيا.
التطبيق حسب رؤية لجنة تون فايتكر لم يستمر هذا النجاح, أو أنه علي الأقل لم يكن نجاحا دون ثمن باهظ في أغلب الاحوال. من الناحية الاقتصادية والاجتماعية اتسعت الهوة بين الاغنثاء والفقراء بصورة مفزعة, ففي سبعينيات القرن الماضي كانت هذه الهوة بين أغني20% من السكان وأفقر20% منهم تقدر بـ30 ضعفا, ولكنها صارت74 ضعفا في عام2001, في الوقت ذاته فإن نسبة الفقراء آخذة في الازدياد ـ مع الاعتراف باطراد تحسن مستوي معيشة الفقراء, بينما يواصل عدد المليونيرات والمليارديرات في العالم ارتفاعه بمعدلات اسرع كثيرا من ذي قبل.
بعبارة خالية من الارقام فإن حصاد عقد من العولمة من الناحية الاقتصادية هو أننا نصطدم بعولمة توجد عددا هائلا من الخاسرين علي الرغم من انها تزيد من الانتاج العالمي بقدر كبير, وتنتج عددا من الفائزين الافراد, وعددا من المناطق الفائزة في العالم, والأخطر هنا هو أن الخاسرين ليست لديهم وسائل للتأثير في مجري العولمة, مع أنهم يمتلكون حق التصويت في مجتمعات ديمقراطية, والسبب هو أن قضايا العولمة لايمكن البت فيها في نطاق الدولة القومية. وهنا ندخل مع لجنة ثون فايتكر إلي جوهر أزمة العولمة, وفي الوقت نفسه نتناول التطبيق السياسي للعولمة بعد أن رأينا توا ما أدي إليه تطبيقها اقتصاديا واجتماعيا, لقد كان النظام الديمقراطي التقليدي يعمل جيدا في تحقيق توازن السوق القومية, لأن الدولة كانت ولاتزال تملك موقفا تفاوضيا قويا في مواجهة الاستثمارات وقوي السوق, ولأن السوق كانت محدودة جغرافيا بالحدود الجغرافية لسيادة الدولة, أما عندما اتسعت السوق لتشمل العالم كله فيما ظلت سيادة الدولة محدودة بنطاقها الجغرافي, فقد انطلقت قوي السوق في مباراة بنج بونج بنظام الغالب مستمر علي حد تعبير البروفيسور أو لريتش ذاته, وهذا هو ما أدي إلي تكاثر الخاسرين, وقلة الفائزين. من هذه النقطة ننتقل إلي الابداع الحقيقي في فقد العولمة الذي يعود الفضل فيه إلي حركة اتاك فقد لاحظت هذه الحركة أن أهم أدوات العولمة, وهو التحويلات الرأسمالية قصيرة الأجل من مضاربة إلي قروض.. الخ. تمشي بين الأسواق أمنة مطمئنة لايحكمها سوي البحث عن الربح حتي لو أدي ذلك إلي انهيارا قتصاديات قومية كاملة. كما حدث للنمور الآسيوية, ثم ان ليس هناك مايمنع وقوع تواطؤ وفساد لضمان الربح لتك التحويلات في قفزتها من هنا إلي هناك, ومن ثم جعلت الحركة بطلها الأساس هو فرض ضرائب دولية علي هذه التحويلات لكي تستخدم في تمويل تنمية ضحايا العولمة أي الخاسرين بلغة تقرير لجنة ثون فايتكر علي أن تقوم بجمع هذه الضرائب وتوزيعها سلطة دولية تنشأ خصيصا لإدارة عولمة غير متوحشة, وبهذا تخضع التحويلات والمضاربات لرقابة مؤسسة ديمقراطية وفي الوقت نفسه يتحقق شئ من التوازن في السوق العالمية.
مقترحات للمواجهة من هذا الابداع النقدي لحركة آتاك التي تحولت في أوائل هذا العام إلي منظمة سياسية دائمة لها مجلس إدارة ومقر وأمانة عامة ومتحدث رسمي وتتبعها فروع وأقسام بحثية.. تبدأ مقترحات البروفيسور ثون فايتكر ولجنته الآثار المدمرة للعولمة كما طبقت في العقد الماضي, ولانكتفي هنا بوصف الآثار بالسلبية لأنها لاتهدد فقط الاستقرار السياسي والاقتصادي والرفاهية في كثير من بلدان العالم الاقل نموا ولكنها تهدد ايضا صميم الديمقراطية التي ناضلت الشعوب الأوروبية والطبقات الفقيرة قرونا وراء قرون من أجل الحصول عليها. تقول اللجنة إن الاسم العريض للعلاج المقترح سياسيا هو إعادة اختراع الديمقراطية ذاتها, فقد ظهرت الديمقراطية ـ كما نعرفها حاليا ـ أو بالأحري اخترعت لحكم الدولة القومية, ولكننا في حاجة إلي نوع من الديمقراطية العالمية.
ويعترف رئيس اللجنة البرلمانية الألمانية لاستقصاء آثار العولمة بأنه لايملك وصفة نهائية لتفاصيل هذا العلاج, ولكنه يقدم أفكارا تنطوي تحت ثلاثة مبادئ رئيسة, الأول منبثق من نظام الدولة القومية الديمقراطية حيث تتعاقد الدول الديقمراطية علي قواعد لادارة شئون العالم المختلفة علي نحو مواثيق حقوق الإنسان والمرأة والطفل والمعاهدات الدولية لحماية البيئة ومحاربة الفقر ومنع الانتشار النووي ومنع انتاج وتداول الألغام..الخ بحيث يمتد هذا المفهوم التضامني إلي تنظيم الأسواق, لكن عيب هذه الأمثلة أن المواطن لن يكون لديه مدخل مباشر للتأثير فيها كماتقضي قواعد الديمقراطية الحقيقية في الدول القومية, ومع ذلك فبعض الشر أهون من الشر كله. أما المبدأ الثاني فيتعلق بالقطاع الخاص الذي هو المسئول الاساسي عن انتاج الفائض في الاسواق, وإذا كان هذا القطاع الخاص يضم شركات صغيرة ومتوسطة وكبيرة تتصرف وفق معايير التخطيط الدقيق والنزاهة فإنه يضم ايضا حيوانات ضارية, هي التي يتوجب علي الرأي العام العالمي, وعلي الحكومات البحث عن وسائل لعقابها, والأمثلة عديدة يكتفي منها أو لريتش بمكافحة تشغيل الاطفال, ومكافحة استنزاف الموارد العالمية. ويتعلق المبدأ الثالث بمجتمعات الدول القومية أو مايسميه التقرير بالمجتمع ككل, والمقصود هنا هو تنشيط قوي المجتمع المدني لتستخدم كأداة ضبط ورقابة علي تطبيقات العولمة علي أن تتطور هذه المنظمات إلي شبكة دولية علي غرار حركة آتاك ومنظمة العفو الدولية, ويقول إنه لولا ظهور حركة اتاك المناهضة للعولمة لكان الافق خاليا من أي آمال في مواجهة الآثار المدمرة لهذه العولمة, وكانت النتيجة حتي في العقد الماضي أسوأ بكثير.
التكنولوجيا والعولمة ينتقل التقرير بعد ذلك إلي بحث إمكان التقدم التكنولوجي في ترويض وحش العولمة الذي يبتلع موارد الأرض لصالح جماعة الاقوياء أو الفائزين, ويضرب التقرير المثل هنا بألمانيا ذاتها, إذ وفقا للمعايير الدولية فإن الألمان يشغلون ـ بحكم تقدمهم الصناعي ـ مساحة ثلاثة ملايين ومائتي ألف كيلومتر من كوكب الأرض في حين أن مساحة ألمانيا نفسها لاتتجاوز370 ألف كيلومتر, بمعني ان سكان ألمانيا يستهلكون من موارد الأرض مايفوق مساحة بلدهم بعشرة أضعاف تقريبا, وهذا لاشك علي حساب سكان آخرين في هذه الأرض, وبالطبع لايطالب أحد الألمان أو غيرهم من سكان الدول المتقدمة بوقف تقدمهم, ولكن المطلوب هو أن يوجه التقدم التكنولوجي لتخفيف وطأة المتقدمين علي الأرض, فمثلا يجب أن يكون هدفا سياسيا واجتماعيا انتاج سيارة تستهلك لترين من الوقود لقطع مسافة مائة كيلومتر بدلا من السيارة الحالية التي تستهلك8 ليترات من الوقود لقطع المسافة نفسها, كما يجب البحث عن وسائل لتخفيض ماتخلفه الصناعة من ثاني أكسيد الكربون بمقدار النصف لأن هذا يعني تخفيض مانستهلكه من موارد بمعدل النصف. إلي جانب ذلك ينيغي ان يسهم التقدم التكنولوجي في مضاعفة معدل التنمية في أقاليم العالم الفقيرة بأربعة اضعاف علي الأقل والخلاصة أن يجب إعادة تكييف التقدم التكنولوجي في الدول الصناعية ليكون في خدمة البشرية كلها من أجل تفادي تلك الآثار المدمرة لعملية العولمة, والتي قد تقود إلي تدمير العولمة نفسها, عندما يؤدي افقار الفقراء إلي تحول الأغنياء ليأكل بعضهم بعضا.
اكتمل الآن عرض الرؤية الألمانية الأوروبية لحصاد عقد من العولمة.. والسؤال الختامي من جانبنا: هل هذه المقترحات أو غيرها قابلة للتحقيق أم انها مجرد حلم طوباوي ؟ إن هذه ليست رؤية فيلسوف ولكنها رؤية سياسيين منتخبين يرأسهم سياسي هو عالم في الاقتصاد في ذات الوقت وبالتالي فهي رؤية قابلة للتطبيق عمليا, وبالطبع فإن التطور السياسي في أوروبا نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية قابل فعلا لأن يمتد إلي النطاق العالمي, ولكن المشكلة هي أن الولايات المتحدة في ظل سيطرة اليمين ومحافظيه الجدد علي البيت الأبيض ترفض هذه الرؤية جملة وتفصيلا. وبالتالي واختصارا لوقت والجهد, ينبغي أن يتوجه نضال الجميع نحو افشال مخططات ذلك اليمين الأمريكي للانفراد بإدارة العالم والعولمة, حتي تتمكن القوي المؤمنة بعالم متضامن في السياسة الأمريكية من السيطرة علي دفة الأمور هناك. |
|
|
|
|
|