قضايا و اراء

42259‏السنة 126-العدد2002اغسطس19‏10 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

شهادة حق
هواء‏...‏ فالصو‏!!‏
بقلم : المستشار الدكتور علي فاضل حسن

نري الفنان الكبير يوسف وهبي في الفيلم الاسطوري غزل البنات مندهشا من توقيت زيارة ابنة مراد باشا ليلي مراد له مع الأستاذ حمام نجيب الريحاني الساعة الثانية صباحا‏...‏ فيجيبه الأخير إحنا في الحقيقة دولقت كنا بنشم هواء‏...‏ أصل هوا النهار‏...‏ فالصو‏...‏ مش قد كدة‏!!.‏
واليوم‏...‏ وللعجب أضحي هواء مصر المحروسة‏...‏ بعد نصف قرن‏...‏ سواء نهارا أو ليلا‏...‏ فالصو‏!!....‏ ولم يبق أمامنا إلا استيراد الهواء النقي من الخارج‏!!‏

يتساءل كل مأزوم محموم من هوائنا الفاسد‏....‏ متي نأخذ المسألة مأخذ الجد‏...‏ إن صرعي التلوث بلغ تعدادهم في العام الواحد‏3400‏ مواطن غير‏15‏ ألف مصاب بالالتهاب الشعبي المزمن و‏226‏ ألفا آخرين بامراض الجهاز التنفسي‏,‏ عدا ثمانية ملايين عانوا نوبات ربو‏...‏ ومن لطف البارئ أن امدنا بحواس محدودة المدي لو كشف عنها الغطاء لمتنا هلعا قبل أن تغتالنا معاول التلوث‏!!‏ فالجو الذي قدر لنا أن نتنفسه في أيامنا هذه مشبع بالسموم النواقع‏...‏ وأولها غاز ثاني أكسيد الكربون ــ نسبته في القاهرة من‏8,5‏ ميكروجرام إلي‏9‏ ميكو جرامات ترتفع إلي‏350‏ ميكو جراما في المتر المربع خلال السحابة السوداء‏,‏ بينما الحد الاقصي المسموح به عالميا‏6‏ ميكروجرامات‏,‏ وثانيهما الجسيمات العالقة بالهواء المدمرة للصحة العامة الحاوية لثاني أكسيد الكربون واكاسيد النتروجين والمركبات العضوية الزاخرة بالدوكسين‏...‏ المسببة للسرطان ــ معدلها من‏360‏ ميكروجرام يقفز إلي‏550‏ ميكروجرامات في المتر المربع‏(‏ درجة الأمان العالمي‏90‏ ميكروجرامات علي الأكثر‏).‏
وثالثهما غاز الأوزون الناجم عن تفاعل النتروجين مع الهيدروكربونات بفعل اشعة الشمس بلغ‏380‏ ميكروجرامات في الساعة عام‏1999‏ متحديا رقم السلامة الدولي‏(120‏ ميكروجراما ولا ينبئنك عن واقع تردي الأوضاع البيئية المطردة في منطقتنا العربية مثل خبراء عالميين واضعي تقرير الأمم المتحدة جيو‏3‏ وشايعهم في رأيهم ورؤياهم علماء بمنظومة تحسين البيئة الهوائية بالمركز القومي للبحوث ما فتئوا يوجهون تحذيرات وإنذارات لم نحاول أبدا سماع أحاسيسها‏...‏ فهناك المنشآت الصناعية المسجلة وعددها‏12600‏ تنتج الاسمنت والبترول والسيراميك والطوب وتدير محطات القوي الكهربية تنتشر في حلوان والتبين وشبرا الخيمة وامبابة‏...‏ في حين يتغلغل‏4‏ آلاف مصنع في أحشاء القاهرة تضم كسارات ومسابك وفواخير ومخابز‏...‏ وإن كان العارفون ببواطن الأمور يقدرونها بأربعة أضعاف مما يعدون‏!!..‏ أما السيارات التي تجوب شارع العاصمة نافثة عوادمها فلا تقل عن ثلاثة ملايين يحتاج‏85%‏ منها إلي ضبط محركاتها‏...‏ وكيف لنا ذلك ونحن لا نملك سوي محطة اختبار وحيدة معطلة في إنتظار تحديد تعريفة الفحص‏!...‏

ويؤجج مأساة التلوث تضخم المحروقات إذ تستحوذ القاهرة بمفردها علي‏52%‏ من الطاقة الحرارية المستخدمة في مصر‏,‏ فتحرق‏2,2‏ مليون طن غاز ومليوني طن ديزل وسولار و‏1,25‏ مليون طن بنزين فضلا علي‏4‏ ملايين طن مازوت‏,‏ وهو الافدح خطرا لاحتوائه علي‏3,5%‏ كبريت متجاوزا الحد القانوني‏(1,5%).‏
ولا يفوت التلوث الإلكتروني أن يدلي بدلائه في بيئتنا العبثية‏...‏ حولنا الآن موجات كهرومغناطيسية تبثها محطات الإرسال الأرضية أو المركبة في سفن الفضاء أو أقمار التجسس‏...‏ ناهيك عن المولدات والمحولات الكهربية ذات القدرة الفائقة المخصصة لماكينات اللحام وأفران الصهر وأحواض الطلاء‏,‏ ومعامل التحليل والأشعة السينية والمسح الذري والحواسب الكبيرة‏...‏ إلي جانب الاجهزة العادية سيما الميكروويف‏....‏ ولا نستثني منها الهاتف المحمول‏....‏ وتشير أصابع اتهام الاطباء إليها كأسباب للسرطان‏,‏ واعتلال القلب واختلال المخ‏.‏

ونحن في لهفة التضرع للخالق أن يحفظ علينا نفوسنا‏...‏ قد شحت لدينا الرياح في شراع الأمل إزاء إقدام المسئولين علي نصب حوائل الوقاية‏...‏ فهي معروفة مألوفة‏...‏ النظافة‏...‏ وإحكام الرقابة‏...‏ ثم فك الزحام الخانق الزاعق‏....‏ ونثره في الصحراء‏...‏ بدلا من أن نظل في هذا الجو المربد المعتكر نردد مع الشاعر‏:‏
وطاولت الأرض السماء سفاهة
وقال الدجي للشمس لونك حالك‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية