قضايا و اراء

42259‏السنة 126-العدد2002اغسطس19‏10 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

نافذة فكر
للديمقراطية ذراعان وفلسفة ومنطق‏1‏
بقلم : محمود شكري

لم يطاوعني قلمي للكتابة إلا عن الشأن المصري‏,‏ فقد شعرت وبحق أن وطني مستهدف‏,‏ وان مستقبله مهدد تهديدا حقيقيا‏..‏ فقوي الاستعمار الجديد لم تعد تكتفي بمحاصرة مصر وتطويقها‏,‏ بل إن مصر قد أصبحت الآن مستهدفة بصورة مباشرة من الاستعمار الجديد‏,‏ فقد بدأت تتردد عبارات في العديد من وسائل الإعلام الغربي والأمريكي ومنسوبة إلي مصادر موثوق في صحة مصادرها وتقديراتها‏,‏ أن هناك مخططات تحاك للنيل من مصر‏,‏ خاصة بعد أن اختطت مصر موقفا عروبيا يرفض ضرب العراق‏,‏ وبعد أن تحدت الإرادة الصهيونية ورفضت اقرار وقبول مبدأ عزل ياسر عرفات الرئيس المنتخب لفلسطين‏,‏ اضافة إلي رفضها الانصياع للضغوط الأمريكية المباشرة لتبرئة مواطن مصري يحمل الجنسية الأمريكية المكتسبة‏,‏ من حكم قضائي مصري صحيح‏,‏ صدر ضده للمرة الثانية‏,‏ بموجب قانون وضعي مصري مطبق علي جميع رعاياها‏,‏ ومن مستويين قضائيين نزيهين ومختلفين ـ وهو ما استوجب صدور قرار عن الإدارة الأمريكية برفض منح مصر معونات اضافية‏,‏ ولا يطالب أي عاقل مصر بأن تعادي الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ بل ان تسعي لتصحيح مسار العلاقات ـ بقدر الامكان ـ بالصورة التي تسمح لمصر بالتمسك بأهدافها الاسراتيجية ومبادئها القومية ـ فالانصياع المصري الأعمي للولايات المتحدة لن يعزز من الموقف المصري بل سيضعفه‏.‏

ودعونا نضع الحقائق مجردة‏:‏ فالولايات المتحدة وفقا لمحددات التوازن الاستراتيجي الدولي‏,‏ تعتبر القوة الأوحد في عالم اليوم‏,‏ والحكومة العالمية التي فرضت نفسها علي النظام الدولي الراهن كأمر واقع‏
DEFACTO‏
فهي التي تحدد محاور الشر الدولية والقوي والجماعات التي تدعم الإرهاب‏,‏ كما أنها هي التي تفرض المقاطعة علي من تراه من الدول‏,‏ وتجاهر بأنها ستغير أنظمة الدول ذات السيادة بالقوة المسلحة‏,‏ والبدء بالعراق في طريق قد يمتد إلي دول أخري لم تنشر اسماؤها بعد في صحيفة وقائعها‏,‏ كما وأنها تفرض تغيير القيادات الشرعية التي انتخبت بأسلوب ديمقراطي بالقوة‏,‏ وتختار قيادات بديلة موالية لها ولخطها علي نمط قرضاي أفغانستان‏,‏ وتمسك بسوط سبتمبر الأسود لترهب به كل من تطاوعه نفسه أن يعصي‏,‏ وتجبر السودان علي قبول بروتوكول ماشاكوس الذي يكرس حق تقرير المصير والانفصال بين شمال السودان وجنوبه بعد ستة أعوام‏,‏ وتنحي مصر عن المشاركة في اجتماعات ماشاكوس ـ رغم تقديرها لأهمية الشأن السوداني بالنسبة للأمن الوطني المصري ـ وقصر الحضور علي من اختارته هي من جيران السودان‏,‏ إلا ان قوة الموقف المصري تستند إلي معامل وزنها الاقليمي الذي يضعها كعنصر مميز في نطاق الموقف الجيواستراتيجي لمنطقة الشرق الأوسط‏.‏

أما عن الصحافة المصرية‏,‏ والتي بدأت تخطو أولي خطواتها كمنبر للرأي المصري الحر تجاه الاستعمار الجديد‏,‏ فقد أصبحت مستهدفة هي الأخري فتارة تتهم جريدة من اعرق وأقوي الجرائد العربية بأنها تعادي السامية ويطلب من رئيس تحريرها ـ الذي يمثل القلم المصري بل والعربي المعتدل والمتعقل ـ للحضور أمام القضاء الفرنسي للتحقيق معه في تهمة منسوبة لجريدته وهي التحريض علي معاداة السامية‏,‏ وذلك أن الجريدة التي يرأسها قد نشرت مقال رأي لكاتب وطني مصري له تاريخه المشهود كصحفي لامع وكاتب مصري ليبرالي الفكر والقلم ـ ويعلو في قدراته الحرفية والثقافية علي الظاهرة الأمريكية المسماة بتوماس فريدمان الكاتب السياسي في جريدة النيويورك تايمز والذي أطلقت يده للنيل من رموز مصر وسيادتها وقضائها النزيه ـ وتارة أخري توصف الصحافة المصرية بأنها تتبع خطا معاديا للولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ وهو منطق غير مقبول من دولة تعتبر نفسها قلعة للديمقراطية وحرية الرأي‏,‏ وتفاخر بان رئيس جمهوريتها قد عين بحكم قضائي‏.‏
ودعونا نواجه الواقع بشجاعة وصدق‏,‏ فمشاكلنا الداخلية هي نقطة الضعف الرئيسية بالنسبة للواقع المصري المعاصر‏,‏ فالوضع الاقتصادي الداخلي أصبح يمثل مشكلة‏,‏ حتي لو وصفها المسئولون المصريون ـ وهو ما نوافقهم عليه ـ بأنها ليست مستعصية‏,‏ إلا انه من المقطوع به أن الاقتصاد المصري يعاني ازمة حادة‏,‏ وتحتاج إلي علاج سريع وجريء ونافذ‏.‏

واقتناعي أن أهم مشكلة يعاني منها الوضع الاقتصادي المصري هي مشكلة البطالة التي اراها قنبلة موقوتة يمكن ان تفجر مشاكل اجتماعية وأمنية واقتصادية خطيرة‏..‏ فالبطالة تمثل إهدارا للطاقة البشرية المصرية التي تحمل المجتمع في سبيل تنميتها الجزء الأكبر من مقدراته ـ خاصة في ضوء مجانية التعليم بمراحله المختلفة والتي تتحمل نفقاته الطائلة ميزانية الدولة بالكامل ـ كما وان زيادة معدل البطالة سوف تضاعف من حدة الكساد الاقتصادي‏,‏ اضافة إلي أن تزايد حدة البطالة سوف يقلل من فرص الزواج ويزيد من معدل الانحراف الأخلاقي‏,‏ فضلا عن ان البطالة سوف تؤدي إلي زيادة حدة مانواجهه الآن من مشكلة انحدار معدل الأمان الاجتماعي والجريمة والادمان وغيرها من الآفات الاجتماعية والأمنية‏..‏ ودعونا نقولها بكل وضوح إن حل مشكلة البطالة لا يمكن ان يتحقق بالتعيينات التي تتم سنويا في الوظائف الحكومية ـ والتي لاتتعدي‏350‏ ألف وظيفة سنويا علي أحسن الفروض ـ كما أن تصو أن القطاع الخاص المصري ـ مع ما تواجهه السوق المصرية حاليا من حالة كساد ـ يمكنه أن يفك رموز معادلة البطالة المستعصية‏,‏ هو نوع من تسطيح الأمور الذي لا يتناسب مع خطورة الموقف الراهن‏,‏ اضافة إلي ما تقدم فان فرضية توفير الاستثمارات عن طريق تشجيع الادخار الداخلي هي مسألة تتعارض تماما مع أسلوب الحل المتكامل لمشاكل الاقتصاد المصري في المرحلة الراهنة‏,‏ ذلك أن رفع سعر الفائدة لتشجيع الادخار سوف يؤدي إلي زيادة ودائع البنوك إلا انه سيزيد من حدة مشكلة الكساد ونقص السيولة في السوق المصرية ـ باعتبار أن زيادة الادخار الداخلي سيأتي علي حساب تقليص القوة الشرائية الداخلية‏,‏ أما الحصول علي استثمارات من الخارج فهي معادلة صعبة ومعقدة‏,‏ لان احد طرفي هذه المعادلة هو الخضوع للاحكام السياسية التي تتبع مسلسل الحصول علي الاستثمار والتمويل الدولي‏,‏ أما الطرف الآخر لهذه المعادلة فمحتواه أن أحكام الدخول في منظومة الشركات متعدية الجنسيات والقارات‏,‏ لها أحكامها ومتطلباتها التي تؤثر علي الداخل المصري تحديدا‏,‏ وتعتمد علي فرضية مدي قدرة مصر علي قبول الأحكام السياسية المفروضة للدخول في منظومة الرأسمالية العالمية‏..‏ وعليه فان المحصلة النهائية لهذه المعادلة تقطع بوجوب تنازل مصر عن جزء ليس بيسير من وضعها الاقليمي وأهدافها السياسية العربية لصالح أهداف ومصالح الدور الصهيونية الأمريكي الاقليمي‏,‏ ليسمح لمصر بالدخول كعضو منتسب في منظومة الحصول علي الاستثمارات والتنمية من الخارج ـ وخاصة في إطار منظومة الشركات العملاقة‏,‏ وعليه فان رسم الدخول المصري الفعلي لنادي الاستثمارات الأجنبية العملاقة يمكن ترجمته عمليا‏,‏ بقبول مصر بالهيمنة الإسرائيلية الاقليمية‏,‏ في إطار منظومة شرق أوسطية نواتها إسرائيل‏,‏ ومجالها الحيوي هو المشرق العربي‏,‏ وهدفها السيطرة علي مقدرات المنطقة العربية‏.‏

اما عن المشكلة الثانية التي كانت مثار قلقي الشديد فهي الوضع السياسي الداخلي في مصر‏,‏ فالواقع المصري يشهد فورة في وسائل التعبير عن الرأي‏,‏ لا تواكبها وتلازمها دفعة علي مسرح الاداء السياسي في مصر‏,‏ فالكل يتحدث والغالبية تنتقد بأسلوب غير موضوعي‏,‏ واحزاب المعارضة تنتقد الحكومة علي صفحات جرائدها والصحافة الصفراء تمارس دورها باقتدار في الهاب مشاعر الجماهير وتعميق زعزعة السلم والأمان الاجتماعي الداخلي‏,‏ أما الاحزاب السياسية وكوادرها فهي تعيش في حالة عزلة تامة عن الجماهير التي تحتاج في هذه الفترة ـ تحديدا ـ إلي جرعة من الممارسة السياسية الواعية التي تشعر الجماهير بأنها مشاركة وليست معزولة عن الأحداث‏.‏
ولن استرسل في رصد محددات هذه الظاهرة‏,‏ إلا أنني سأشير فحسب إلي بعض من نماذجها‏,‏ للتدليل علي تعاظم حجم المشكلة‏,‏ فالغالبية باتت تتشفي فيمن سقطوا تحت مقصلة مافيا ونواب القروض البنكية‏,‏ وظاهرة هرب كبار الدائنين للبنوك في الخارج تحت بصر ونظر المسئولين‏,‏ ورفض مديني المليارات من الدولارات المسحوبة من ودائع المصريين بالبنوك المصرية التصالح وفقا للضمانات التي قدمها السيد رئيس الوزراء وانحراف بعض المسئولين وصدور احكام قضائية ضدهم‏,‏ واتهام البعض الآخر بالرشوة‏.‏

وأصبحت النغمة السائدة في الشارع المصري ان ما انكشف هو قمة جبل الجليد‏,‏ وأننا نعيش مرحلة انفلات في مفاتيح الموقف الداخلي‏,‏ واقتناعي أن المعيار الوحيد الذي يضمن عودة الأمان ـ وليس الأمن ـ للشارع المصري‏,‏ وهو الشفافية والانسجام الاجتماعي عبر نظام سياسي يعتمد علي ذراعي الديمقراطية وهما التعددية الحزبية الفاعلة وحرية الرأي الواعي وفي إطار فلسفة ومنطق الديمقراطية باعتبارها اداة شعبية هدفها وصول الأصلح من الاحزاب الشعبية إلي سدة الحكم‏,‏ من خلال احزاب قوية وفاعلة ـ وليس في نطاق حزب واحد قوي وشرذمة من الأحزاب غير الفاعلة ومستقلين لايشكلون قوة ضغط ككتلة برلمانية معارضة ـ ودور هذا التشكيل البرلماني ـ من أغلبية أو تكتل ومعارضة ـ كجهاز رقابي اساسي علي السلطة التنفيذية‏,‏ وتشريعي مهمته مراجعة القوانين واجازتها‏,‏ وبهذا النمط سوف يشعر الشعب بأنه مشارك في القرار‏,‏ ومحاط علما بما يحدث‏,‏ وانه مسئول عما يتم‏.‏
اضافة إلي ما تقدم فان علي الإعلام والصحافة المصرية في هذه المرحلة التمسك بروح ميثاق الشرف المهني‏,‏ والنقد بهدف كشف الأخطاء وليس تضخيمها وتعميمها‏,‏ وعدم اطلاق الاحكام الكلية علي قضايا فردية‏,‏ وأنا وان كنت ارفض بالمطلق تكميم الأقلام أو إسكات الأفواه‏,‏ إلا أنني أطالب في هذه المرحلة بان تتمسك الصحافة والإعلام المصري بميثاق شرف المهنة والذي يستهدف في الاساس الحفاظ علي السلام الاجتماعي الداخلي‏,‏ ومراعاة الحكمة والتروي والقانون عند معالجة المشاكل الداخلية وعدم اطلاق الاتهامات علي عواهنها‏,‏ فالإعلام رسالة اجتماعية‏,‏ والصحافة خادم للرأي العام الحر النزيه‏.‏

ودعونا خلال هذه المرحلة العصيبة التي تواجه فيه مصرنا محاولات النيل منها‏,‏ ان نتمسك ببعض الاصوليات والمبادئ ولانحيد عنها‏,‏ وأهمها‏:‏
ان مصر لايمكن ان تصبح دولة هامشية‏,‏ أو مصر التايوانية ـ أي ان تكون تايوان أخري حسبما اراد لها توماس فريدمان المعجزة الصهيونية ـ وعليه فعلينا أن نرفض المنطق الانهزامي الذي يروج له البعض من أن الدور القيادي الاقليمي لمصر قد انتهي‏,‏ وخير لها أن تقبل بالمنطق الانعزالي الذي خططه لها الاستعمار الجديد‏,‏ لتنعم بسيف المغز ونعيمه وبالاستثمارات الاجنبية‏,‏ ذلك أن قدر مصر يحتم عليها أن تعيش دورها‏,‏ والذي يلزمها بأن يكون لها وضع قيادي وزعامي إقليمي ـ والعربي تحديدا ـ مهما كره الكارهون‏,‏ فاعتقال مصر داخل اراضيها ـ خاصة مع زيادة وزن إسرائيل والنفوذ الصهيوني العالمي ـ يتعارض بالمطلق مع محددات الأمن الوطني المصري‏.‏

أما القاعدة الثانية التي يلزم أن نحرص عليها فهي التسليم بأن التهديد الأول للأمن القومي المصري يتمركز في أهداف إسرائيل التوسعية‏,‏ وان الاستسلام لمخططات إسرائيل ـ المغلفة بعبارات طنانة وجذابة ـ يعني عمليا تقليص ـ بل وضمور ـ الدور المصري علي اعتبار أن المعادلة المصرية الإسرائيلية هي معادلة صفرية يلزم أن يكون فيها غالب ومغلوب‏,‏ ويقينا فإنني لا أحرض علي التحرش بإسرائيل‏,‏ بل التصدي لها بأسلوب الردع الايجابي الذكي‏,‏ الذي يجعلها تحسب حساب أية مواجهة مع مصر‏.‏
أما القاعدة الثالثة التي يلزم أن نتمسك بها‏,‏ فهي حقيقة أكدها التاريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر مؤداها أن مصر لن تقوي في الخارج إلا لو كانت قوية بالداخل‏..‏ فاطلاق الشعارات النارية والخطب الرنانة‏,‏ لم يعد له وزن في نطاق آليات عصر الاستعمار والعولمة الجديد‏,‏ وانما المطلوب هو رسم خطة مستقبلية‏,‏ تتحدي الزمن‏,‏ ونلتزم بتنفيذها بكل صرامة‏,‏ لاصلاح البيت المصري من الداخل‏,‏ والنهوض اقتصاديا وعلميا وفنيا وثقافيا بمصر‏,‏ وملاحقة ركب التقدم المذهل الذي يعبره عالم اليوم‏,‏ مع اعتبار أن تحقيق هذه المحددات يعد مسألة حياة أو موت لمصر وشعبها‏,‏ ويقينا فانه سيكون من المتلازمات الحتمية لتلك المرحلة‏,‏ ضرورة تحمل الشعب المصري لتبعات وتضحيات مرحلة إعادة الاصلاح والتعمير للبيت المصري‏,‏ ولكي يمكن قبوله هذه التضحيات برضا‏,‏ فانه يلزم توافر نظام ديمقراطي سليم‏,‏ يشعر المواطن المصري بأنه مشارك في إدارة شئون بلده وليس مجرد مشاهد‏,‏ ويلزم ان تكون ذراعا الديمقراطية هما التعددية الحزبية الحقيقية التي تعطي جميع الاحزاب فرصا متكافئة للوصول إلي الحكم‏,‏ وتفعيل المعارضة البرلمانية الحقيقية ـ وليست الشكلية ـ وكفالة حرية التعبير ال
موضوعي عن الرأي سواء في الإطار السياسي أو البرلماني أو الصحفي والإعلامي‏,‏ لتسود الشفافية المناخ السياسي المصري‏.‏
وهنا يتوقف القلم عن الكلام المباح‏,‏ ليستعيد قواه‏,‏ ويتعرض لموضوع ذراعي الديمقراطية وفلسفتها ومنطقها في المقال المقبل بإن الله‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية