|
|
والدكتور عبدالرحمن بدوي يعتبر في مقدمة المدافعين عن الحضارة العربية الإسلامية في عالمنا العربي, ولا مبالغة أو تزيد إن قلنا إنه ليس هناك عالم أو مفكر آخر يطاوله في هذا المجال, حيث اتسم دفاعه عن هذه الحضارة بالحجة والمنطق, متضمنا كتابها المبين, ورسولها الكريم, وفكرها المستنير, ورجالاتها الخالدين, كما اشتمل علي فلسفتها وعلومها وفنونها وصناعاتها. كل ذلك بمنهج يجمع من إقبال وحماسة المسلم المؤمن الذي يدافع عن عقيدته, ودقة وموضوعية العالم المفكر الذي يهمه الوصول إلي الحقيقة دون تهويل بشأن هذه الحضارة أو تهوين من شأنها. وقد وجه دفاعه لافتراءات هؤلاء المستشرقين الذين تجاهلوا فضل هذه الحضارة التي أنارت ظلام أوروبا في العصور الوسطي, ووضعت مبادئ وأسس نهضتها الحديثة, وهو ما أعترف به المنصفون من الأجانب.
وإذا ما اخترنا البداية من هذا الرصد الفكري المذهل الذي قام به الدكتور بدوي في كتبه المؤلفة والمحققة والمترجمة, وهو دور واسع المدي, عميق الأثر, شمل العلوم, كما شمل الصناعات, ولم يقتصر علي الفلسفة والعلوم الطبيعية والفيزيائية والرياضيات, بل امتد كذلك إلي الأدب الشعر منه والقصص, وإلي الفن المعمار منه والموسيقي. ويحدد بداية هذا الدور في واحد من هذه الكتب هو دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي حيث يذكر أن عملية الاخصاب بين الفكر العربي البالغ كمال تطوره, وبين العقل الأوروبي وهو بسبيل يقظته وتلمس طريقه كانت في منطقتين الأولي في مدينة طليطلة بأسبانيا, والثانية صقلية وجنوب إيطاليا, خصوصا في عهد ملوك النورمان وأشهرهم روجار الثاني( المتوفي في عام1157 م) وفردريك الثاني( المتوفي عام1250) حيث مثلت هاتان المنطقتان نقطتي التلاقي, بين الثقافة الإسلامية الزاهرة, وبين العقلية الأوروبية الناشئة ـ لوجودهما علي الحدود بين دار الإسلام وبين أوروبا.
وبعد تحديده لبداية هذا الدور ومكانه نجده يسجل أوجه هذا التأثير, فمثلا الأدب العربي أثر في تكوين الشعر الأوروبي خاصة فيما تركه الشعراء المسلمون من أمثال أحمد بن عبدربه, ولسان الدين بن الخطيب, وابن زهر. ولم يقتصر مجال التأثير علي شعر الفصحي, وإنما تجاوزه إلي الزجل من خلال ماكتبه ابن قزمان, هذا إلي جانب تأثير القصص العربية في تطور بل ونشأة الأدب القصصي في أوروبا. كذلك هناك دور للعرب المسلمين في تكوين الفكر العلمي الأوروبي, خاصة فيما ابتكر علماء المسلمين من المعارف العلمية مثل الخوارزمي في الرياضة, والفرغاني في الفلك, وابن الهيثم في الفيزياء, وابن حيان في الكيمياء, والرازي في الطب.. إلي آخر هذه السلسلة الذهبية من علماء المسلمين الذين أثروا تأثيرا مباشرا في تكوين الفكر العلمي بأوروبا.
كذلك يسجل الدكتور بدوي أنه حتي التصوف الإسلامي قد أثر في نشأة التصوف الأوروبي, منبها إلي أن هذا الجانب لم يعد من الممكن انكاره بعد الدراسات الممتازة التي قام بها نفر من العلماء الأجانب المنصفين وفي مقدمتهم الأسباني أسين بلاسيوس. ولعله يحمل ثلاثة موضوعات في هذا المجال ظهر فيها التأثير الإسلامي في أوروبا أولها تأثير ابن عباد الرندي في الصوفي الأسباني يوحنا الصليبي, وثانيها حجة الإسلام الإمام الغزالي وتأثيره في دفاع الفيلسوف بسكال عن الدين, وثالثها تأثير ابن عربي في تصورات شاعر إيطاليا دانتي في الكوميديا الإلهية.
وفي الفلسفة يسجل الدكتور بدوي أن دور العرب في بناء الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطي كان دورا مزدوجا فقد مثل دور الرسول الحامل لهم رسالة اليونان في الفلسفة,. كما مثل دور المؤثر بما ابتكروا وانتجوا من فلسفات لمفكرين مسلمين خالدين يتقدمهم ابن سينا والغزالي والكندي والفارابي وابن رشد, وفي علم الاجتماع تأثر علماء أوروبا بما ابتكر ابن خلدون من نظريات. وغير ذلك من تأثيرات للعرب المسلمين في أوروبا سواء في الموسيقي أو الغناء أو المعارف العملية كصناعة السكر والصابون والورق وغيرها.
ولا يقتصر دفاع الدكتور عبدالرحمن بدوي عن الحضارة الإسلامية علي رصد دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي, وإنما له اسهامات تطبيقية أخري سواء في تحقيق الذات العربي الإسلامي, أو في الترجمة والنقل عن الأجانب لعلنا هنا نذكر بعض عناوين كتبه الخاصة بذلك ومنها: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية, وشخصيات قلقة في الإسلام أو أرسطو عند العرب, وشهيدة العشق الإلهي, وشطحات الصوفية, وأبوزيد البسطامي, والتوحيد.. الإشارات الإلهية, والحس والمحسوس لابن رشد, والبرهان لابن سينا, ومختار الحكم لإبن فاتك, والخوارج والشيعة, ومؤلفات الغزالي,و رسائل ابن سبعين, وفن الشعر لإبن سينا, وفضائح الباطنية للغزالي, ورسائل الاسكندر الأفروديسي والفرق الاسلامية في الشرق الإفريقيرسائل الكندي وصوان الحكمة لأبي سليمان السجستاني وتاريخ التصوف في الإسلام, وغير ذلك من كتب توضح دور الحضارة الإسلامية وقيمة هذا الدور. وأخيرا يتوج الدكتور بدوي دفاعه عن الحضارة الإسلامية بكتابين صدرا باللغة الفرنسية في السنوات الأخيرة من حياته أحدهما دفاع عن القرآن ضد منتقديه, والثاني دفاع عن النبي, والكتابان ضد المنتقدين من المستشرقين. حيث تصدي الدكتور بدوي للدفاع عن الإسلام كتابا ورسولا ضد هذه الحملة المسعورة التي تشن في السنوات الأخيرة بأوروبا ضد الإسلام والمسلمين. حيث سجل أن القرآن الكريم باعتباره الركيزة الأساسية للإسلام قد تعرض لهجمات وافتراءات سواء في الشرق أو في الغرب, وكان ذلك بدءا من النصف الأول الهجري السابع الميلادي واستمرت هذه الهجمات والافتراءات إلي اليوم. وقد ذكر الدكتور بدوي في دفاعه جملة أسباب متنها جهل المهاجمين من المستشرقين باللغة العربية, كذلك ضحالة ونقص معلوماتهم عن المصادر الإسلامية, وسيطرة الحقد علي الإسلام في أوروبا الذي ورثوه ورضعوه منذ طفولتهم علي عقولهم وتسببه في عمي بصيرتهم, وأخيرا نقل المستشرفين الأكاذيب حول القرآن والإسلام وبعضهم من بعض دون مراجعة أو تثبت وتأكيدهم لها, وتمثلها في كتاباتهم.
إلي آخر هذه الأسباب التي أوردها الدكتور بدوي والتي كشفت جهلهم الفاضح بحقائق الإسلام دينا وكتابا ورسولا. متخذا أسلوبا إسلاميا صرفا خلاصته البحث الوثائقي الموضوعي. الذي يكشف جهل هؤلاء المستشرقين الذين يزعمون العلم, ولا يقدمون سوي الضلال والخداع للقارئ الذي سرعان ما يصدق هذه الافتراءات والأكاذيب. والتي دائما ما يتعرض لها الإسلام منذ ظهر إلي اليوم. ومع ذلك يخرج منها منتصرا وأكثر قوة{ وبعد فهذه مجرد إشارة إلي دفاع الدكتور بدوي عن الحضارة الإسلامية. |
|
|
|
|
|