قضايا و اراء

42259‏السنة 126-العدد2002اغسطس19‏10 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

قضايا معاصرة
ماذا يبقي من الدكتور عبدالرحمن بدوي؟‏(2)‏
دفاع مجيد عن الحضارة الإسلامية
بقلم ‏:‏ سامح كريم

والدكتور عبدالرحمن بدوي يعتبر في مقدمة المدافعين عن الحضارة العربية الإسلامية في عالمنا العربي‏,‏ ولا مبالغة أو تزيد إن قلنا إنه ليس هناك عالم أو مفكر آخر يطاوله في هذا المجال‏,‏ حيث اتسم دفاعه عن هذه الحضارة بالحجة والمنطق‏,‏ متضمنا كتابها المبين‏,‏ ورسولها الكريم‏,‏ وفكرها المستنير‏,‏ ورجالاتها الخالدين‏,‏ كما اشتمل علي فلسفتها وعلومها وفنونها وصناعاتها‏.‏ كل ذلك بمنهج يجمع من إقبال وحماسة المسلم المؤمن الذي يدافع عن عقيدته‏,‏ ودقة وموضوعية العالم المفكر الذي يهمه الوصول إلي الحقيقة دون تهويل بشأن هذه الحضارة أو تهوين من شأنها‏.‏
وقد وجه دفاعه لافتراءات هؤلاء المستشرقين الذين تجاهلوا فضل هذه الحضارة التي أنارت ظلام أوروبا في العصور الوسطي‏,‏ ووضعت مبادئ وأسس نهضتها الحديثة‏,‏ وهو ما أعترف به المنصفون من الأجانب‏.‏

وإذا ما اخترنا البداية من هذا الرصد الفكري المذهل الذي قام به الدكتور بدوي في كتبه المؤلفة والمحققة والمترجمة‏,‏ وهو دور واسع المدي‏,‏ عميق الأثر‏,‏ شمل العلوم‏,‏ كما شمل الصناعات‏,‏ ولم يقتصر علي الفلسفة والعلوم الطبيعية والفيزيائية والرياضيات‏,‏ بل امتد كذلك إلي الأدب الشعر منه والقصص‏,‏ وإلي الفن المعمار منه والموسيقي‏.‏
ويحدد بداية هذا الدور في واحد من هذه الكتب هو دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي حيث يذكر أن عملية الاخصاب بين الفكر العربي البالغ كمال تطوره‏,‏ وبين العقل الأوروبي وهو بسبيل يقظته وتلمس طريقه كانت في منطقتين الأولي في مدينة طليطلة بأسبانيا‏,‏ والثانية صقلية وجنوب إيطاليا‏,‏ خصوصا في عهد ملوك النورمان وأشهرهم روجار الثاني‏(‏ المتوفي في عام‏1157‏ م‏)‏ وفردريك الثاني‏(‏ المتوفي عام‏1250)‏ حيث مثلت هاتان المنطقتان نقطتي التلاقي‏,‏ بين الثقافة الإسلامية الزاهرة‏,‏ وبين العقلية الأوروبية الناشئة ـ لوجودهما علي الحدود بين دار الإسلام وبين أوروبا‏.‏

وبعد تحديده لبداية هذا الدور ومكانه نجده يسجل أوجه هذا التأثير‏,‏ فمثلا الأدب العربي أثر في تكوين الشعر الأوروبي خاصة فيما تركه الشعراء المسلمون من أمثال أحمد بن عبدربه‏,‏ ولسان الدين بن الخطيب‏,‏ وابن زهر‏.‏ ولم يقتصر مجال التأثير علي شعر الفصحي‏,‏ وإنما تجاوزه إلي الزجل من خلال ماكتبه ابن قزمان‏,‏ هذا إلي جانب تأثير القصص العربية في تطور بل ونشأة الأدب القصصي في أوروبا‏.‏
كذلك هناك دور للعرب المسلمين في تكوين الفكر العلمي الأوروبي‏,‏ خاصة فيما ابتكر علماء المسلمين من المعارف العلمية مثل الخوارزمي في الرياضة‏,‏ والفرغاني في الفلك‏,‏ وابن الهيثم في الفيزياء‏,‏ وابن حيان في الكيمياء‏,‏ والرازي في الطب‏..‏ إلي آخر هذه السلسلة الذهبية من علماء المسلمين الذين أثروا تأثيرا مباشرا في تكوين الفكر العلمي بأوروبا‏.‏

كذلك يسجل الدكتور بدوي أنه حتي التصوف الإسلامي قد أثر في نشأة التصوف الأوروبي‏,‏ منبها إلي أن هذا الجانب لم يعد من الممكن انكاره بعد الدراسات الممتازة التي قام بها نفر من العلماء الأجانب المنصفين وفي مقدمتهم الأسباني أسين بلاسيوس‏.‏
ولعله يحمل ثلاثة موضوعات في هذا المجال ظهر فيها التأثير الإسلامي في أوروبا أولها تأثير ابن عباد الرندي في الصوفي الأسباني يوحنا الصليبي‏,‏ وثانيها حجة الإسلام الإمام الغزالي وتأثيره في دفاع الفيلسوف بسكال عن الدين‏,‏ وثالثها تأثير ابن عربي في تصورات شاعر إيطاليا دانتي في الكوميديا الإلهية‏.‏

وفي الفلسفة يسجل الدكتور بدوي أن دور العرب في بناء الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطي كان دورا مزدوجا فقد مثل دور الرسول الحامل لهم رسالة اليونان في الفلسفة‏,.‏ كما مثل دور المؤثر بما ابتكروا وانتجوا من فلسفات لمفكرين مسلمين خالدين يتقدمهم ابن سينا والغزالي والكندي والفارابي وابن رشد‏,‏ وفي علم الاجتماع تأثر علماء أوروبا بما ابتكر ابن خلدون من نظريات‏.‏
وغير ذلك من تأثيرات للعرب المسلمين في أوروبا سواء في الموسيقي أو الغناء أو المعارف العملية كصناعة السكر والصابون والورق وغيرها‏.‏

ولا يقتصر دفاع الدكتور عبدالرحمن بدوي عن الحضارة الإسلامية علي رصد دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي‏,‏ وإنما له اسهامات تطبيقية أخري سواء في تحقيق الذات العربي الإسلامي‏,‏ أو في الترجمة والنقل عن الأجانب لعلنا هنا نذكر بعض عناوين كتبه الخاصة بذلك ومنها‏:‏ التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية‏,‏ وشخصيات قلقة في الإسلام أو أرسطو عند العرب‏,‏ وشهيدة العشق الإلهي‏,‏ وشطحات الصوفية‏,‏ وأبوزيد البسطامي‏,‏ والتوحيد‏..‏ الإشارات الإلهية‏,‏ والحس والمحسوس لابن رشد‏,‏ والبرهان لابن سينا‏,‏ ومختار الحكم لإبن فاتك‏,‏ والخوارج والشيعة‏,‏ ومؤلفات الغزالي‏,‏و رسائل ابن سبعين‏,‏ وفن الشعر لإبن سينا‏,‏ وفضائح الباطنية للغزالي‏,‏ ورسائل الاسكندر الأفروديسي والفرق الاسلامية في الشرق الإفريقيرسائل الكندي وصوان الحكمة لأبي سليمان السجستاني وتاريخ التصوف في الإسلام‏,‏ وغير ذلك من كتب توضح دور الحضارة الإسلامية وقيمة هذا الدور‏.‏
وأخيرا يتوج الدكتور بدوي دفاعه عن الحضارة الإسلامية بكتابين صدرا باللغة الفرنسية في السنوات الأخيرة من حياته أحدهما دفاع عن القرآن ضد منتقديه‏,‏ والثاني دفاع عن النبي‏,‏ والكتابان ضد المنتقدين من المستشرقين‏.‏ حيث تصدي الدكتور بدوي للدفاع عن الإسلام كتابا ورسولا ضد هذه الحملة المسعورة التي تشن في السنوات الأخيرة بأوروبا ضد الإسلام والمسلمين‏.‏ حيث سجل أن القرآن الكريم باعتباره الركيزة الأساسية للإسلام قد تعرض لهجمات وافتراءات سواء في الشرق أو في الغرب‏,‏ وكان ذلك بدءا من النصف الأول الهجري السابع الميلادي واستمرت هذه الهجمات والافتراءات إلي اليوم‏.‏ وقد ذكر الدكتور بدوي في دفاعه جملة أسباب متنها جهل المهاجمين من المستشرقين باللغة العربية‏,‏ كذلك ضحالة ونقص معلوماتهم عن المصادر الإسلامية‏,‏ وسيطرة الحقد علي الإسلام في أوروبا الذي ورثوه ورضعوه منذ طفولتهم علي عقولهم وتسببه في عمي بصيرتهم‏,‏ وأخيرا نقل المستشرفين الأكاذيب حول القرآن والإسلام وبعضهم من بعض دون مراجعة أو تثبت وتأكيدهم لها‏,‏ وتمثلها في كتاباتهم‏.‏

إلي آخر هذه الأسباب التي أوردها الدكتور بدوي والتي كشفت جهلهم الفاضح بحقائق الإسلام دينا وكتابا ورسولا‏.‏ متخذا أسلوبا إسلاميا صرفا خلاصته البحث الوثائقي الموضوعي‏.‏ الذي يكشف جهل هؤلاء المستشرقين الذين يزعمون العلم‏,‏ ولا يقدمون سوي الضلال والخداع للقارئ الذي سرعان ما يصدق هذه الافتراءات والأكاذيب‏.‏ والتي دائما ما يتعرض لها الإسلام منذ ظهر إلي اليوم‏.‏ ومع ذلك يخرج منها منتصرا وأكثر قوة‏{‏ وبعد فهذه مجرد إشارة إلي دفاع الدكتور بدوي عن الحضارة الإسلامية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية