|
|
تبدأ السياسة بالقوة ولكنها لا تنتهي عندها إنها تبدأ من القوة لأنها ترتبط وجودا وعدما بظاهرة السلطة والدولة, والسياسيون العظام في التاريخ كانوا أيضا بناة دول ومؤسسات وبعضهم جمع بين مهارات الحرب والتشريع والبناء الاقتصادي والرقي العقلي والثقافي, هكذا كان الرعامسة الأوائل في مصر القديمة والاسكندر الأكبر في مقدونيا واليونان والخليفة معاوية بن ابي سفيان في دمشق, وفي العصر الحديث ثمة نماذج كثيرة مثل نابليون في فرنسا الثورية وبمسارك في ألمانيا المحافظة. وكثيرا ما يقع تجاهل هذا الدرس الأول للسياسة فتنزل بالمجتمع اخطاء أو كوارث كثيرة, ففي واقعنا العربي الراهن لم يكن توقيع اتفاق اوسلو هو اهم اخطاء أبو عمار, بل ربما لم يكن ليحسب في التاريخ كخطأ لو أنه استثمر ما منحه له هذا الاتفاق لبناء مجتمع سياسي فلسطيني حيوي وقادر علي بناء عناصر قوته او حتي مجرد جمعها في حزمة واحدة, فالفلسطينيون من اكثر الشعوب العربية تعليما واكثرها تمتعا بمهارات السوق والاقتصاد واشدها بطولية, ولكن ابو عمار فضل بدلا من ذلك التركيز علي ضبط المجتمع الفلسطيني, وليس بناءه كأمة ومجتمع, ومن هنا جاء تركيزه علي تضخيم المؤسسات الامنية التي انخرطت في تأكيد وتعزيز هيمنتها علي المجتمع والتنافس فيما بينها تحضيرا لمعركة الخلافة, وارتبطت بذلك اوضاع سياسية تنافسية وتناحرية فرقت شمل مجتمع سياسي مثقف ثقافة عالية ومزود بعناصر جوهرية للقوة في مواجهة المحتل. كما ان السياسات المالية والاقتصادية عموما جاءت تعسفية وطفيلية وبعيدة كثيرا عما يلزم لحفز الطاقات وبناء قاعدة سليمة للانتاج تنزع الاقتصاد من قبضة الهيمنة الاسرائيلية, ولهذا عندما انبثقت الانتفاضة كان لابد أن تعتمد علي ظواهر البطولة الفردية اكثر منها علي قواعد منظمة لحشد القوة والابتكار أو علي الاقل التنظيم والقيادة.
التعددية لا تنتهي السياسة عند القوة, فالسياسة القائمة علي القوة وحدها لا تفترق كثيرا عن البلطجة التي قد تليق بعصابة ولكنها لا ترسي قواعد دولة أو نضال منظم, فالسياسة لابد ان تترافق مع شرعية أو منطق يقوم علي مفهوم ما للحق والعقل, لقد تغلب بسمارك علي فرنسا في اثناء حكم نابليون الثالث وكان يستطيع ان يمضي في احتلالها, ولكنه لم يفعل, فإزالة فرنسا كانت تخل بالتوازن والتعدد الضروري للقوي في أوروبا ــ ولو ان التوازن قد اختل تماما لكانت أوروبا قد اتحدت ضده وحرمته من قوته بل ومن حلمه في توحيد المانيا. وإذا كان الابقاء علي التعدد والتوازن النسبي ضروريا في معترك العلاقات الدولية فهو اكثر لزوما داخل اي مجتمع حديث, ما يجعل التعدد والتوازن النسبي في الداخل اكثر لزوما وضرورة ليس مجرد احترام قواعد الشرعية المنبثقة عن الفكرة الجمهورية أو الديموقراطية, بل يذهب الامر إلي أعمق من ذلك كثيرا ــ فالابقاء علي التعددية واحترام اصولها ولزومها هو الامر الفارق بين السياسة واللاسياسة أو بين السلام الاهلي الحقيقي حتي لو كان هناك شئ من التوتر والحرب الاهلية الفعلية حتي لو كان الاستقرار يسود علي السطح.
فالسياسة هي في القلب والجوهر إدارة التعدد ــ لا تنفصل هذه الإدارة عن القوة التي تتجسد داخليا في شكل سلطة ــ ولا مناص لأي سياسة من استخدام القوة ــ فالقانون أو التشريع نفسه هو بنهاية المطاف قوة مفروضة بصورة منظمة, وفي حالات استثنائية من التاريخ السياسي لأي مجتمع لحظات تحتم فيها الظروف استئصال قوة سياسية داخلية عن طريق القانون او حتي اساليب الحرب, ولكن إدارة أي مجتمع وكأنه في حالة حرب دائمة يفضي حتما إلي تقويض المجتمع نفسه فلا مكان لمجتمع في أي زمان أو مكان لا ينهض سوي علي الخوف من السلطة او القوة, بل ان اخلاء المجتمع من التعددية يفضي حتما إلي تجريده من الحيوية, وليس فقط من الديمقراطية, وفي اللحظات التي يحتاج فيها هذا المجتمع للتماسك بصورة تلقائية لن يجد ما يستند عليه من منظمات وروابط تحشد قواه, وتقوم بتعميق تماسكه وتوفر له الشعور بالتضامن والقوة سوي ما قد يكون ورثه من روابط تقليدية. ولذلك فأقوي التنظيمات السياسية القائمة فعلا الآن في المجتمعات العربية ليست الاحزاب السياسية أو المنظمات والفصائل الايديولوجية, بل وليس النقابات أو البرلمانات وإنما العشائر والقبائل والجمعيات القروية والمناطقية, ولم يكن ذلك هو الحال قبل ان تعصف الدولة العربية بالحقوق المدنية والسياسية وتضيق بالتعدد الفكري والسياسي إلي حد استئصاله بالقوة خلال العقود الخمسة الماضية, لقد وقع ذلك حتي في الأرض المحتلة, وقبل أن يحصل الشعب الفلسطيني علي دولة.
لماذا تتحد التعددية المنظمة مع السياسة؟ لأن أي مجتمع حتي لو كان غارقا في المثالية يفرز تعددية اجتماعية وفكرية بالضرورة التعددية الاجتماعية تتزايد وتتعمق مع الانتقال إلي الاقتصاد الحديث هي تعني هنا تباين واختلاف المصالح, وقمع التعددية يعني فرض هيمنة مصلحة قوة اجتماعية واحدة علي حساب القوي الاخري, وهو ما ينتهي حتما إلي الاحتكار والركود, فقمع التعدد في السوق يعني الاحتكار والركود الاقتصادي, وقمع التعدد في السياسة يعني الاحتكار والركود السياسي, والنتيجة في الحالتين مؤكدة وهي الركود الفكري وحرمان المجتمع من حيويته الذهنية التي هي اصل كل ثروة كما هي اصل كل قوة. ما يهمنا هنا هو مشكلة الثقافة ومدي استيعابها لضرورة السياسة, فثقافتنا العربية كانت, ومازالت كما قلنا حبيسة مفهوم الحق, وهي ثقافة لا سياسية, فاللاسياسة عادة ما تستند علي رؤية للعالم لا تري سوي حق مطلق وباطل مطلق, ومن وجهة نظر الحكومات هذه الرؤية للعالم تري الحق والحقيقة ناجزين ومحققين بالفعل, فلا حاجة لحق إضافي أو للتعرف علي حقائق اخري, وبالتالي يتم تجريد أي مفهوم أو بديل اخر من المشروعية وحجب الاعتراف عن كل من ليس الحاكم والموروث, ويتم تبرير العنف باسم الحق والباطل كما يتم تعيين الحاكم القائم حارسا علي الحقيقة والدين والوطن مهما يكن في الامر من زور أو بهتان, وهنا لا يفترق الحكام عن المعارضين, ففي التاريخ الإسلامي شكل الخوارج مثلا قوة مادية ومعنوية هائلة كان يمكنها الفوز بالسلطة لو اعترفت بالسياسة وادارتها بطريقة حسنة, ولكنها بسبب إنكارها للسياسة وإدارتها للصراع بطريقة بالغة العنف لم تترك في التاريخ الاسلامي سوي الالم والشك والدماء, وكثير من الخوف وقليل من الفكر.
الداخل والخارج واللاسياسة تعني بالضرورة أيضا سياسة واحدة أو بالاحري بديلا واحدا, فليس هناك من يستطيع نقد السياسة أو اللاسياسة أو تقديم بديل, وفي جميع الاحوال ينتهي الامر بكارثة حتي لو سماها الحكام بطولة او انتصارا, وهذا ما لحق بالعراق مرتين كما هو معروف, ولا يختلف الامر في بلاد عربية اخري انكرت واستنكرت السياسة الا في الدرجة ومساق الاحداث, وبعض الطبائع هذا نلحظ كيف تترابط المسألة بين الداخل والخارج, فإنكار السياسة في الداخل غالبا ما يجر معه انكارها في الخارج والعكس, فإذا المجتمع يصاب بوهن لا فقط في الداخل وإنما أيضا عندما يصادف الخصوم والاعداء في الخارج. وفي معظم الاحوال لا يجدي انكار السياسة والتعدد الا الي تنافس شرير, والعكس صحيح ايضا حيث يؤدي التنافس الشرير في نهاية المطاف إلي انكار التعدد وتمكن طرف ما من الغاء التعددية كلية, فتاريخنا العربي الحديث ينقسم إلي فترتين: الاولي سادتها إلي حد كبير منافسات سياسية لا تلتزم بقيد او شرط وهذه هي الفترة التي نسميها خطأ بالعصر الليبرالي, ادت هذه المنافسات الشريرة الي حدوث عدة انقلابات دستورية وسياسية في مصر فيما بين ثورتي1919 و1952 والي سوء سمعة الاحزاب واليأس من الطبقة السياسية والدستور الديمقراطي, وهو ما مهد لإلغاء الاحزاب والحياة السياسية كلها خلال النصف الثاني من القرن العشرين, اما في سوريا والعراق والسودان مثلا فقد طغت الانقلابات العسكرية التي عصفت بالاستقرار السياسي وبالقوة المجتمعية حتي حلت الشمولية وتجذرت.
فكأن السياسة لا تنتهي بالتعددية, فالسياسة هي إدارة التعدد للوصول إلي اهداف عامة ومشتركة, ويعني ذلك اولا تنظيم التعددية تنظيما منهجيا بدستور أو قانون, ولكن الاهم هو ان يحقق هذا التنظيم اهدافا عامة ومشتركة, فتسمح التعددية بازدهار الفكر والرقابة والمحاسبة والحريات العامة وتأكيد كرامة المواطن واعتزازه بالانتماء إلي بلاده, ويتم بناء التوافق علي الحد الادني الضروري من القيم المشتركة والمناسبة لتحقيق الحرية الجماعية والبناء الاقتصادي والاجتماعي سواء عن طريق تداول السلطة بالصورة المعتادة في المجتمعات الديمقراطية الغربية أو عن طريق نمط آخر من المشاركة في المسئولية والسلطة. فالسياسة الذكية أو الادارة الجيدة للتعددية هي تلك التي لا تستأصل طرفا أو قوة سياسية تتمتع بتأييد واسع نسبيا في المجتمع حتي لو كانت مرفوضة فكريا من الحكومة القائمة أو حتي من الاغلبية, بل ان السياسة الذكية هي تلك التي تعطي بصورة متواصلة انطباعا لمختلف القوي بأنها شريكة, ولو بمقدار في صنع القرار, فاستبعاد قوة ما من المشاركة بصورة دائمة حتي لو وقع الاعتراف القانوني بشرعية حضورها في الواقع يدفعها للبحث عن نظام بديل يسمح لها بالحضور الفعال وهو ما قد يعني دفعها للتآمر أو للثورة أو لاصطياد فرص الشعبية أو التحريض الدائم من تحت الأرض أو من فوقها, وعندما تحرم كل القوي بصورة دائمة من المشاركة في المسئولية واتخاذ القرار لابد أن يعود التنافس الشرير الذي يضعف المجتمع اخلاقيا وماديا من الداخل والخارج, وتقدم جميع الحالات العربية نماذج مثيرة وبالغة الدلالة علي صحة هذا الدرس المهم للسياسة, وحتي في الأرض المحتلة ادي هذا النوع الشرير من المنافسات الي إضفاء طابع فوضوي كامل علي النضال الوطني الفلسطيني في اخطر فصول تاريخه الطويل, وهو الفصل الانتفاضي الراهن, ويجمع كل المراقبين المناصرين للنضال الفلسطيني وللانتفاضة علي ان هذه المنافسات كانت ولاتزال اهم أسباب استمرار فشل الانتفاضة في تحقيق مكسب سياسي مهم رغم التضحيات والبطولات الملهمة والعظيمة. ولكن ذلك كله هو يشكل أو ينظم المجال السياسي, ولكن هناك معني آخر للسياسة وهو ما يتعلق بفعل أو ممارسة الادارة, ويمكننا ان نقرب هذا التمييز بين وجود لوحة الشطرنج من ناحية والقيام بتحركات فوقها من الطرفين المتقابلين للحصول علي الفوز من ناحية أخري أو الفارق بين وجود بطولة رياضية والخطط المحددة التي ينتهجها فريق ما وطريقته في اللعب للحصول علي كأس البطولة. |
|
|
|
|
|