|
|
تعيش بلدان المنطقة صراعا ضاريا يعود إلي حرص القوي المهيمنة في النظام العالمي الراهن علي إحكام السيطرة علي مستودع الوقود الحفري الهائل في المنطقة, وإلي زرع كيان عنصري ـ هو الوحيد الباقي من صنفه في العالم ـ في قلب البلدان العربية, عامل فرقة ونزاع, ونزف مستمر, ماديا وإنسانيا, ماكان له أن يقوم أو يستمر دون دعم مادي, معنوي هتئل من الغرب, خاصة الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل حتي أصبح يرشح نفسه لقيادة المنطقة, قهرا لأهلها, وعلي وجه الخصوص الشعب الفلسطيني. وقد تفاعل هذان التحديان, مع خلل جسيم في نظم الحكم العربية, في إنتاج مأساة الشعب الفلسطيني من ناحية, وإلي مرابطة قوات عسكرية أجنبية علي الأرض العربية بعد عقود من الاستقلال, وإلي معاناة العرب بعضا من أقسي أشكال عنت زمرة من القوي المهيمنة علي النظام العالمي الراهن وحيد القطب والذي يمارس تسلطا صارخا علي منظمة الأمم المتحدة ويقترف ازدواجية فاضحة في تطبيق المعايير التي يتنادي بها مثل حقوق الإنسان وأضحت هذه القوي المهيمنة تأخذ القانون بيدها تدخلا عسكريا سافرا حين تري في ذلك مصلحة لها دون اعتبار للشرعية الدولية, او حتي حقوق الإنسان التي تتشدق بها. كل هذا يوشك أن يهدر مصداقية المنظمة الدولية, وقيمة مواثيقها وعهودها, بل والقانون الدولي ذاته.
وتتبدي معاداة النظام العالمي الراهن, بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, للعرب في دعم الولايات المتحدة الامريكية لإسرائيل, شاملا تعطيل آليات الشرعية الدولية عبر إشهار الفيتو الأمريكي علي أي قرارات تدين إسرائيل,حتي تلك التي كانت تستهدف إقامة آلية دولية لحماية الفلسطينيين في أثناء عدوان إسرائيل الوحشي السافر عليهم مؤخرا, ولانعفي الولايات المتحدة من المسئولية. وقد تصاعدت جوانب هذه المعاناة مؤخرا ـ انظر في تزامن قصف العراق مع تزايد وحشية العدوان الإسرائيلي علي الشعب الفلسطيني, وآستمرار الحصار علي شعب العراق, وزيادة إحكام الحصار علي الشعب الفلسطيني, قبيل زيارة وزير الخارجية الأمريكي الأولي للمنطقة, وفي إعلانات امريكية بأن القدس هي عاصمة إسرائيل وعن عزم الولايات المتحدة علي نقل السفارة الامريكية لدي إسرائيل الي القدس ـ إلي درجة ألهبت الحس الشعبي العربي ضد الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة من جانب وصنيعتهما إسرائيل من جانب آخر بما أدي لقيام شرخ عميق بين الشعب العربي وأنظمة الحكم في المنطقة, سيما تلك المعتدلة, في المنظور الأمريكي ـ الإسرائيلي. بعد ذلك, هدد رئيس الولايات المتحدة بمقاطعة مؤتمر دولي لمناهضة العنصرية في محاولة لمنع المؤتمرين من مجرد مناقشة توصية بمساواة الصهيونية بالعنصرية( أين ذهب الالتزام بالدفاع عن الحريات ؟), وهو قرار كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اتخذته بما يقارب الإجماع ثم تنازلت عنه تحت ضغط القوي الغربية. وأعلن البيت الأبيض أن ذلك القرار اتخذ تأييدا لإسرائيل.
وفي النهاية ساوي الرئيس الأمريكي بين كل افعال المقاومة الفلسطينية والإرهاب مبررا ادعاء رئيس وزراء إسرائيل بأن جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين تدور في إطار حرب الرئيس الأمريكي علي الإرهاب. وقد بلغ تأييد الإدارة الأمريكية الأعمي لجرائم إسرائيل الوحشية ضد الشعب الفلسطيني البطل مبلغا يثير التساؤل عما إذا مابقي هناك أي فارق حقيقي بين الكيان الصهيوني العنصري والحكومة الأمريكية تحت الإدارة الحالية. ونظن أنه أصبح حريا بالعرب كافة. في منظور مصلحة الأمة العربية, ألا ينشئوا مثل هذه التفرقة. مغبة المشروع الصهيوني الاستعماري علي التنمية الإنسانسة في البلدان العربية
في الدائرة الأضيق, أي الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين الغالية, يترتب علي المشروع الصهيوني في المنطقة العربية إهدار خطير لفرص التنمية الإنسانية في البلدان العربية. ولا نقول في فلسطين. حيث تمتد معاناة الاحتلال الي عموم الشعب العربي, وإن اقتصر علي حدود فلسطين. هذا هو مغزي وحدة المصير العربي وتوحد باقي الشعب العربي مع الأخوة الفلسطينيين الذي يتبدي جليا كلما اشتدت ضائقة فلسطين. بداية يحرم الاحتلال الفلسطينيين جميعا من الحرية والكرامة الإنسانية ويهدر حقهم المعترف به دوليا في تقرير المصير.
ولكن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي ايضا تهدر الثروات والقدرات البشرية الفلسطينية, والأمن الفردي والجمعي, بل والحياة ذاتها, علي الأرض الفلسطينية المغتصبة. ولايخفي علي ذي عقل ان امتلاك إسرائيل لترسانة ضخمة من أسلحة الدمار الشامل دون رقابة دولية او رادع إقليمي او دولي, يزج بالمنطقة العربية وماحولها في سباق تسلح مستعر يستنزف موارد كانت جهود التنمية في المنطقة اولي بها.
كما ان استمرار إسرائيل تهديدا ملحا للأمن القومي لكثرة البلدان العربية وظف من قبل بعض نظم الحكم كتبرير للتضييق علي الحريات في البلدان العربية, وليس أبعد من هذا إهدار لفرص التنمية الإنسانية في عموم الوطن العربي. هذا عن الدائرة الأضيق لإضرار المشروع الصهيوني الاستعماري بفرص النهضة الإنسانية في الوطن العربي. غير أن للغرب دوره المباشر في الإضرار بفرص التنمية الإنسانية في البلدان العربية دون إنابة إسرائيل. وقد أسفر هذا الدور عن وجهه الأقبح في ظل النظام الدولي الراهن الذي اقتنصت الولايات المتحدة الأمريكية زعامته, جورا وقسرا, وإن تشدقت بمباديء سامية قل أن تحترمها, ذرا للرماد في العيون. بل إن الممارسة الفعلية تكشف عن إهدارالولايات المتحدة عمدا بعضا من أهم هذه المباديء مارأت في ذلك مصلحتها. والمثال الأهم علي ذلك في حالتنا هو دعم الولايات المتحدة لأنظمة حكم قهرية مادامت تحقق مصالحها في المنطقة. وعلي سبيل المثال يسود دوائر صنع السياسة الأمريكية, بحق في تقديرنا, اعتقاد بأن أنظمة حكم صالح حقيقية في المنطقة العربية لن يمكنها الصلح مع إسرائيل, فلتبق الأنظمة القهرية إذن ولتذهب المباديء الأمريكية, وحقوق الناس إلي الجحيم.
ولعل المنطقة العربية هي أشد مناطق العالم تضررا من هذا النظام الدولي المعوج فقد تعرضت بلدان المنطقة اكثر من أي منطقة اخري من العالم لفرض الحصار عليها. وقد بلغ السيل الزبي في الحصار المفروض علي العراق لمدة تربو علي سنوات عشر, والذي كلف شعبه, وأطفاله خاصة, تضحيات باهظة, وفي فرض مناطق للحظر الجوي في شمال وجنوب العراق دون أي سند من الشرعية الدولية. غير أن أخطر مظاهر إهدار الغرب, بزعامة الولايات المتحدة لفرص نهضة إنسانية في الوطن العربي تتبلور في عودة القوات العسكرية الغربية, أساسا الأمريكية, لاحتلال بقع عزيزة من بلدان عربية مختلفة, الأمر الذي يهدر حقوق الإنسان العربي في المواطنة الحرة الكريمة فلقد أخطرتنا الادارة الامريكية انها سوف تضرب العراق لامحالة, ولو منفردة ان اقتضي الأمر, يصير لزاما علي كل انسان تجري في عروقه دماء عربية أبية, خاصة إن كان يتبوأ مركز قرار, أن يمنع حلول هذه الكوارث. أما إن حلت فلن يكون هناك من عذر يقبله الشعب العربي, أو عاصم من غضبه الذي يمكن ان يكون جارفا لكل من ساهم في حلولها, فعلا او تسليما او حتي إغضاء, الي المكان الذي يستحق في سفر التاريخ.
خاتمة ليس القصد من هذا المقال, تأكيدا, إرجاع أزمة النهضة في المنطقة العربية في الجوهر الي مايسمي العوامل الخارجية, الامر الذي يستتبع احيانا تعليق فرص النهضة علي قيام بيئة إقليمية ودولية مواتية للنهضة, ويصب في النهاية في قعود الهمة العربية. فعند الكاتب ان العامل الحاسم في المواجهة الناجعة للتحديات الإقليمية والعالمية التي تحيط بالوطن العربي هو بناء القدرة العربية الذاتية في مجالات المعرفة والقدرات الإنتاجية, إضافة إلي الإمكانات العسكرية, علي مختلف صنوفها, والسياسية, ولاسبيل لكل هذا البناء بما يضمن الفلاح في المنظمور التاريخي الا بنشأة نسق راق من التعاون العربي يصل حد التكامل, نسميه منطقة مواطنة حرة عربية ينعم فيها كل عربي بحقوق المواطن في أي وجميع البلدان العربية, غير منقوصة. مثل هذا التصور الكفاحي لبناء القدرة الذاتية العربية هو الكفيل, حين يقوم بتعديل السياق الإقليمي والدولي لمصلحة مشروع للنهضة في الوطن العربي. |
|
|
|
|
|