قضايا و اراء

42259‏السنة 126-العدد2002اغسطس19‏10 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

جنوب الوادي
بقلم : د‏.‏ عادل صادق

إذا وقع عدوان علي مصريين من الخارج‏,‏ أي من قوي أجنبية‏,‏ فإن الإنسان يشعر بالغضب والرغبة في الثأر‏,‏ أما إذا وقع العدوان من مصريين علي مصريين‏,‏ فإن الإنسان يشعر بالحزن‏.‏ إذ أن الافتراض الطبيعي أننا جميعا نحن المصريين نسيج واحد يترابط بالحب‏,‏ وأن مصلحتنا واحدة وهمومنا ومشكلاتنا واحدة‏,‏ والافتراض أيضا أننا جميعا نشترك في أن عدونا واحد‏.‏
والاقتتال الذي وقع في الكشح منذ عام تقريبا ثم عاد وتكرر‏(‏ باختلاف الأسباب والملابسات‏)‏ في بيت علام أدمي قلوبنا جميعا كمصريين باختلاف أدياننا واختلاف تقسيمنا الجغرافي كسكان لجنوب الوادي وسكان لشمال الوادي‏.‏

وعلي الرغم مما يبدو ظاهريا من اختلاف أسباب الحادثتين‏(‏ الكشح وبيت علام‏),‏ فإن المتعمق في دراسة وفهم أنماط الشخصية وعلاقتها بالدوافع والسلوك واتصال ذلك بواقع اجتماعي تشكل علي مدي سنين تعد بالمئات أو حتي بالآلاف وارتباطا أيضا بواقع جغرافي معين قد يكون هو السبب الأساسي في تأكيد سمات معينة في الشخصية وفرض هذا الواقع الاجتماعي‏..‏ أقول إن المتعمق يستطيع أن يري أن الظاهرة في كلتا القريتين تعود إلي أسباب واحدة‏.‏
فالحادثتان وقعتا في الصعيد الجواني لمصر‏..‏ وكلمة الجواني نعني بها أعماق الصعيد أو الصعيد القح‏,‏ وهو مجتمع له سمات شديدة الخصوصية‏,‏ ربما تجعله يختلف وبشدة عن بقية سكان الوادي‏.‏

وعلي الرغم من أن سكان هذا الصعيد الجواني يعيشون علي جانبي الوادي‏,‏ فإن الجبال تشكل عمقا آخر ارتبط بحياتهم يلجأون إليها وقت الحاجة وهم الذين يعرفون مسالكها ودروبها الوعرة‏..‏ والحاجة نعني بها هنا الاختباء حين يكون هناك دافع للهروب والاختفاء عن العيون وأيضا لتخبئة ما يودون ألا تصل له عيون الآخرين‏..‏ هذا جعل الهروب سهلا ومواجهة السلطة أسهل وتخبئة السلاح أسهل وأسهل‏.‏
بالإضافة إلي ذلك ارتفاع درجة الحرارة صيفا وشدة برودة ليل الشتاء دون وجود ما يحمي من الحر وما يقي من البرد من تكنولوجيا حديثة‏,‏ مما يجعلهم معرضين بشكل مباشر لتقلبات الطبيعة الحادة ويواجهونها بصلابة وتحد‏..‏ وهؤلاء الصعايدة من أفضل عمال العالم الذين شيدوا ويشيدون الأبنية في أشد الأجواء حرارة في منطقة الخليج‏..‏ وهو معروف هناك باسم الصعيدي‏..‏ لهذا فهم أشداء البنية سمرتهم عميقة وإرادتهم من حديد‏.‏

هذا المجتمع شديد الخصوصية‏,‏ أصبحت له عاداته وتقاليده‏,‏ كما أصبح له أسلوب حياة مختلف كما اختلفت المفاهيم لديهم المتعلقة بالكثير من القيم‏,‏ الشرف والكرامة‏..‏ وهذه العزلة والحياة الصعبة أيضا جعلتهم يتسمون بالحدة وسهولة الاستثارة وعدم المرونة‏..‏ كما أن ضعف تأثير الإرادة في هذا المجتمع جعلهم ينشئون لأنفسهم قوانينهم الخاصة التي تنظم العلاقات الإنسانية‏..‏ قوانين ليست مكتوبة‏,‏ ولكن متعارف عليها وقابلة للتطبيق الفوري‏,‏ فلا يستطيع أحد أن يغازل ابنة جاره أو أن يأخذ قيراطا من أرضه أو ينال من كرامته عن طريق سب أو إهانة‏..‏ إن رد الفعل يكون قاسيا وفوريا ومضاعفا‏..‏
وبرغم ذلك فهم اناس طيبون جدا ويصدقونك لأنهم يفترضون في أي إنسان أن يكون صادقا إلي أن يثبت العكس‏.‏

وسكان الصعيد من أقباط ومسلمين شديدو التدين‏..‏ فأول ديانة للتوحيد جاءت من أقصي الصعيد‏,‏ ولهذا أيضا فهم شديدو الحساسية لأي شيء يتعلق بالدين‏..‏ وأي خلافات تنشأ بين الأقباط والمسلمين لا تنشأ نتيجة لتعصب أو تطرف ولكن لحساسية الإنسان الصعيدي بشكل عام لمقدساته‏,‏ للشرف والدين والكرامة‏..‏ فأهل الصعيد ليسوا متعصبين والعلاقات الأخوية المشبعة بالمحبة بين المسلمين والأقباط لا يصدقها أحد وليست موجودة في أي مكان في العالم‏,‏ حتي في البلاد التي تتزعم محاربة العنصرية والتعصب والدفاع عن حقوق الإنسان‏.‏
ولهذا‏,‏ فإن مشكلات الصعيد لن تحل بقوات الأمن ولن تحل بدخول التكنولوجيا الحديثة حياتهم‏,‏ وإنما تحل بالوعي وبتفهم طبيعة المشكلة‏,‏ وأنه لا حل إلا بتهيئة الظروف التي توجد تجانسا فعليا بين سكان الشمال وسكان الجنوب لهم أسلوب حياة واحد ويتفقون حول معان واحدة للمفاهيم والقيم ويلتزمون جميعا بالقانون الذي وضعته الدولة‏..‏ والأهم هو أن يكون للدولة احترامها وهيبتها‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية