ملفات الأهرام

42259‏السنة 126-العدد2002اغسطس19‏10 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

خمسون عاما علي ثورة يوليو‏:‏ مصر‏2052!![6]‏
بقلم : د‏.‏ عبدالمنعم سعيد

لأن لكل شيء نهاية‏,‏ فقد أشرفت هذه السلسلة من المقالات عن العيد الخمسيني لثورة يوليو‏1952‏ أن تصل الي نهايتها‏,‏ ولما كان الحديث منذ بدايته قائما علي أن الاحتفال والاحتفاء بالثورة مقصده هو المستقبل‏,‏ فإن هذا المقال سوف يركز علي هذه النقطة تحديدا‏,‏ خاصة أنه يكاد يكون الموضوع الغائب عن النقاش الوطني في مصر‏,‏ وكنقطة انطلاق للحديث فإن ما سبق من مقالات أشار الي أن الخمسين عاما التي مرت علي الثورة‏,‏ كانت فترة اكتمال ونضوج الدولة المصرية التي بدأ بناؤها منذ عام‏1805‏ عندما تولي محمد علي الكبير الحكم في البلاد‏,‏ وهي الدولة التي كان قد تم القضاء عليها تماما عبر غزوات وفتوحات متنوعة خلال ألفين من الأعوام سابقة تقريبا‏,‏ وخلال العقدين الأخيرين صارت مصر ولأول مرة منذ منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد دولة حرة من الاحتلال الأجنبي‏.‏
السؤال الآن هو ماذا بعد‏,‏ وماذا تفعل مصر بدولتها الحرة‏,‏ وما هو المقصد الذي تذهب إليه‏,‏ وهل نخبتها السياسية والفكرية متوافقة علي الاتجاه والهدف‏,‏ وما هي نقطة البداية‏,‏ أو ما الذي نفعله الآن تحديدا حتي نصل الي ما ينبغي أن نصل إليه؟‏.‏ وخلال حوار دار مع عدد من المثقفين‏,‏ قال الأستاذ محمد أنيس ـ وهو دبلوماسي مصري سابق وعمل بعد ذلك في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن ثم منظمة الأمم المتحدة للأطفال اليونيسيف ـ إن المجتمعات تتطور كلها عندما تبني لنفسها صورة في المستقبل‏,‏ فنقول ما الذي نريد أن تبدو عليه مصر بعد خمسين عاما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا‏.‏ وبعد ذلك نعود الي الخلف تدريجيا فنضع صورة أخري في منتصف المدة ـ أي بعد ربع قرن ـ توضح لنا ما الذي يجب أن يكون قد تحقق بالفعل آنذاك‏,‏ ويكون مقياسا للنجاح أو الفشل في الذهاب الي الهدف‏,‏ وبعد ذلك نعود الي الوقت الراهن لكي نقول ما الذي يجب عمله اليوم لكي نحقق حالة منتصف الطريق‏,‏ وصورة مصر التي نريدها بعد نصف قرن‏.‏

ولعل ذلك بيت القصيد في الحالة المصرية‏,‏ وهي أنه لا توجد لدينا صورة متكاملة‏,‏ ومتوافق عليها من قبل القوي السياسية والفكرية المختلفة‏,‏ لما يجب أن تكون عليه مصر بعد نصف قرن من الآن‏,‏ وعلي سبيل المثال فإن الأفكار التي طرحتها حكومات الحزب الوطني الديمقراطي المتعاقبة‏,‏ كلها تشير الي أن تكون الخمسين عاما المقبلة مشابهة للخمسين عاما الماضية من حيث دعم قوة الدولة‏,‏ فما هو مطروح علينا الآن ـ وحتي ينعقد المؤتمر العام للحزب في الشهر المقبل ـ هو دولة فيها الكثير من المدارس والكثير من الكهرباء والكثير من الأراضي الزراعية والكثير من المصانع والكثير من كل أنواع البنية الأساسية‏,‏ وفوق ذلك كله الكثير من الجهاز الحكومي الذي يشرف ويدير ذلك كله ويمنعه من الانحراف‏,‏ وعندما طرحت حكومة الدكتور الجنزوري مشروعا لمصر عام‏2017‏ كان في معظمه يعبر عن فكرة انتشار الدولة في خارج الوادي ـ وهو هدف نبيل ـ وتحقيق المزيد من البنية الأساسية‏,‏ وفي بعض الأحيان كانت الحكومات تشير الي معدلات محددة للنمو الاقتصادي‏,‏ وكان الرقم المفضل فيها هو‏7%,‏ وهو رقم لابأس به‏,‏ ولكن مشكلته أنه هدف يتم تجاهله بمجرد انتهاء الخطاب الذي أورده علي أساس أن الموضوع ليس بيدنا‏,‏ وانما بيد ظروف دولية لا تكون مواتية في كل الأحيان‏.‏ الصورة المؤكدة هنا هو المزيد من قوة الجهاز الحكومي للدولة‏,‏ والتقليل الي أدني حد من التأثيرات الخارجية فيه‏,‏ وعندما طرح الرئيس مبارك خلال خطاباته التي ألقاها قبل ولايته الأخيرة‏,‏ بضرورة اندماج مصر في النظام الاقتصادي العالمي‏,‏ كان تنفيذ الحكومة لها هو المماطلة لعامين في التصديق علي اتفاقية المشاركة مع أوروبا‏,‏ بعد أن تمت المماطلة عامين في توقيعها‏,‏ وهكذا فإنه وفقا للصورة التي تخرج عن الحزب الوطني فإن مصر في عام‏2952‏ سوف تكون دولة يحكمها جهاز حكومي ربما يصل حجمه الي‏15‏ مليون موظف يديرون شبكة هائلة للبنية الأساسية‏,‏ ومؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية‏,‏ وتمتد من سيوة غربا الي رفح شرقا‏,‏ ومن البحر الأبيض المتوسط شمالا وحتي توشكي وحلايب جنوبا‏.‏

هذه الصورة البيروقراطية ليست هي الصورة الشائعة بين قوي الإسلام السياسي المختلفة‏,‏ فكثير من الإسلاميين ينافسون آدم سميث في القبول بحرية السوق‏,‏ وعندما تحمسوا كثيرا لشركات توظيف الأموال وبنوك التقوي التي يوجد مقرها في جزر البهاما حيث يوجد القليل من أسباب التنظيم الاقتصادي‏,‏ فإنهم كانوا في الحقيقة يفضلون نوعا من حرية السوق ليس لها مثيل‏,‏ ومع ذلك فإن جوهر الصورة لدي الإسلاميين هو صلاح المجتمع والفرد من خلال خضوعه لما يقرره أصحاب الحل والعقد والبصر والبصيرة‏,‏ علي أنه الحكمة المأخوذة عن الكتب المقدسة‏,‏ وبالتالي فإن الصورة المثالية للمجتمع بعد نصف قرن هي صورة المجتمع الصالح التي يبتعد أفراده عن الخطأ والخطيئة‏,‏ ويجاهد من أجل إعلاء شأن الأمة الإسلامية وتحريرها من أول الجزر الاندونيسية في المحيط الهادي حتي جزيرة ليلي المغربية في المحيط الأطلنطي‏,‏ في هذا المجتمع المثالي يوجد الانسان النقي والتقي‏,‏ وهو استشهادي بالضرورة من إجلاء إعلاء الحق وبعث الحضارة الإسلامية العربية لكي تسود مشارق الأرض ومغاربها‏,‏ ولهذا وحتي ساعة المنية‏,‏ فإن عليه أن يحافظ علي الهوية والخصوصية والذاتية‏,‏ ويبتعد عن الملوثات السمعية والبصرية التي تأتي من المجتمعات الأخري‏,‏ ولأن النفس كثيرا ما تكون أمارة بالسوء‏,‏ ولأن ما لا يردعه القرآن يردعه السلطان‏,‏ فإن الدولة‏,‏ أو الحكومة‏,‏ لابد لها أن تكون قوية للغاية‏,‏ وفي يدها‏,‏ أو يد مرشدها وقائدها وأميرها الأعلي من السلطات ما يكفي لانتاج الانسان المعقم‏,‏ والمجتمع النظيف من الآثام والموبقات‏,‏ وعندما يحدث ذلك يعم الخير‏,‏ وتكثر البركة‏,‏ ويتكاتف الناس لإقامة مجتمع العدل والكفاية في البلاد وخارجها‏.‏

بعض من هذا سوف نجده في الصورة الناصرية عن مصر عام‏2052,‏ مع بعض من ذاك في الصورة البيروقراطية‏,‏ ولكن مع عدد من التعديلات القومية والإقليمية التي لا غني عنها لمجتمع سوف يتمتع بقدرات ثورية فذة تنجح في تحقيق ما لم تنجح في تحقيقه كل الثورات في التاريخ المعلوم‏,‏ فمحور الحركة المصرية كما يراها الناصريون‏,‏ هي لتحقيق هدف إزالة الظلم التاريخي الذي أدي الي إقامة دولة إسرائيل‏,‏ وبالتالي فإن الصورة المتخيلة لمصر هي صورة جيوسياسية ينتفي فيها وجود الدولة العبرية‏,‏ فخلال نصف قرن يمكن من خلال الوسائل الثورية الفورية إزاحة التهديد النووي الإسرائيلي‏,‏ وإسرائيل من ورائها‏,‏ ولما كان حدوث ذلك لا يمكن دون تغيرات جوهرية في النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة‏,‏ فإن الصورة المطلوبة بعد نصف قرن سوف تتطلب عالما خاليا من السطوة الأمريكية‏,‏ وهو ما لايمكن تحقيقه إلا من خلال عالم متعدد الأقطاب‏,‏ هنا سوف يكون الجهد المصري لإقناع أوروبا وروسيا واليابان والصين بهذه الحقيقة وإعلامهم أن علاقاتهم مع أمريكا ليس فيها سوي الخراب‏,‏ ولابأس أيضا من إعلام ألمانيا أن المحرقة لم تحدث‏,‏ وإعلام الجميع بعدم حدوث معاداة السامية لليهود في الغرب‏,‏ حتي ولو كنا نعلم تماما بحدوث المعاداة السامية للعرب في كل لحظة‏,‏ المهم أن تحشد كل الجهود المحلية والإقليمية من أجل تحقيق الهدف الأسمي‏,‏ وكل ذلك سوف يتم عن طريق أجهزة إعلام بالغة القوة تبني علي التراث التاريخي لإذاعة صوت العرب‏,‏ والاذاعات الجماهيرية المشهود لها‏,‏ حتي تخجل أمام قوتها قناة الجزيرة الفضائية‏,‏ ومعها كل الفضائيات العربية والأجنبية الأخري‏.‏

وأخيرا‏,‏ فإن الصورة التي يرغب حزب الوفد في تكوينها خلال نصف قرن قد تختلف عن كل ما سبق‏,‏ فالحزب يريد مصر جمهورية برلمانية دستورية‏,‏ يتم فيها تداول السلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة‏,‏ ومع هذه الليبرالية السياسية الكاملة‏,‏ فإن الحزب يريد ليبرالية اقتصادية مقيدة بحدود الرأسمالية المصرية‏,‏ ومن ثم فإن مهمة النصف قرن المقبل هي المقاومة المستميتة للعولمة التي هي شر مستطير من خلال إقامة الأسوار العالية الجمركية والثقافية من أجل حماية السوق والأخلاق العامة في آن واحد‏.‏
هذه الصور الأربع لمصر بعد نصف قرن هي تحديدا التي تواجهها مصر الآن‏,‏ فرغم أن اختلافها فيه رحمة بالعباد‏,‏ فإن تناقضاتها هي جوهر إشكالية مصر بعد خمسين عاما من الثورة وتطلعها الي المستقبل‏,‏ فهل يستطيع مؤتمر الحزب الوطني المقبل أن يحل هذه الإشكالية‏,‏ وهي تستطيع الجماعات والحركات السياسية المختلفة أن تضع لنا تصوراتها وكيفية تحقيقها؟‏!!.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية