ملفات الأهرام

42259‏السنة 126-العدد2002اغسطس19‏10 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

مصر والسودان بعد مشاكوس
بقلم : د‏.‏ جمال عبد الجواد

كان في توصل الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان لبروتوكول مشاكوس بلورة لعدد من خطوط التطور الأساسية في الساحة السودانية وفي الاتجاهات الإقليمية والدولية المعنية بالسودان‏.‏ وقد أحدثت هذه التطورات تغييرات عميقة في المشهد السوداني الأمر الذي يستدعي مراجعة كثير من المسلمات التي طالما افترضناها حول السودان وعلاقاته مع مصر‏.‏
لعل أهم ما يلفت النظر في ساحة السياسة السودانية في هذه المرحلة هو أن الثقة بين أهل البلاد في الشمال الجنوب قد وصلت إلي مستوي منخفض لم يسبق لها أن وصلته من قبل‏.‏ ويرجع هذا إلي استمرار الحرب في الجنوب وإلي التجاوزات الكثيرة التي صاحبت هذه الحرب كما يرجع إلي الطابع الديني الذي سبغه نظام الإنقاذ علي تلك الحرب خاصة في حقبة سيطرة الدكتور حسن الترابي والجبهة الإسلامية للإنقاذ وبينما تصور الترابي وأتباعه أن تعبئة أهل الشمال باستخدام شعارات دينية سوف تقرب النصر في الحرب علي الجيش الشعبي لتحرير السودان فإن التركيز علي الطابع الديني للحرب في الجنوب لم يؤد سوي إلي تعميق مخاوف أهل الجنوب ورفضهم البقاء ضمن السودان الموحد الأمر الذي جعل لمطلب الإنفصال شعبية لم يتمتع بها أبدا بين أهل الجنوب علي الأقل منذ توقيع اتفاقية أديس أبابا للحكم الذاتي عام‏1972.‏

في هذا السياق أصبحت فكرة تمكين الجنوب من ممارسة الحق في تقرير المصير موضع إجماع كافة القوي السياسية السودانية المهمة‏.‏ لقد كان الحديث عن الحق في تقرير المصير نوعا من المحرمات السياسية في الساحة السودانية طوال عقود طويلة غير أن هذا التحريم قد تم إسقاطه منذ قام حسن الترابي زعيم الجبهة القومية الإسلامية بطرح الفكرة علي منشقين جنوبيين عام‏1992.‏ وبغض النظر عن الغرض الذي رمي إليه الترابي من وراء هذا الطرح فقد بدأت كرة الجليد في التدحرج منذ ذلك الحين وبلغ تطور هذه الفكرة ذروته في إعلان أسمرا الذي أصدرته في يونيو‏1995‏ الجبهة الوطنية الديمقراطية التي تضم في عضويتها قوي المعارضة الشمالية والجنوبية المسلحة وغير المسلحة بما في ذلك الحزب الاتحادي الديمقراطي المعروف تاريخيا بصداقته وقربه من مصر ففي هذا الإعلان وافقت قوي المعارضة السودانية كافة علي أن إعطاء الجنوب الحق في تقرير المصير هو المدخل لحل مشكلة الصراع الأهلي في السودان‏.‏
وفي الوقت الذي تتكرس فيه الدعوة لمنح الجنوب الحق في تقرير المصير فيما يوحي بوجود اتجاه لفصم ساحتي السياسة الجنوبية والشمالية عن بعضهما فإن تنظيمات المعارضة السودانية تشهد في هذه المرحلة تجربة غير مسبوقة في التعاون بين قوي المعارضة الشمالية والجنوبية حيث يجتمع الجميع‏-‏ باستثناء حزب الأمة الذي خرج من تجمع المعارضة في عام‏1999-‏ في جبهة وتنظيم واحد هو التجمع الوطني الديمقراطي الذي تكون بعد فترة قصيرة من الانقلاب العسكري في يونيو‏1989.‏ والأهم من ذلك هو أن التجمع الوطني الديمقراطي يخضع عمليا لقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان وذلك باعتبار الحركة هي أكبر تنظيمات المعارضة السودانية وباعتبارها مفتاح الحل لنقطة الضعف وأهم ورقة ضغط تملكها المعارضة ضد نظام الخرطوم بالإضافة إلي ذلك فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان هي تنظيم المعارضة الوحيد الذي يمتلك ذراعا مسلحة في وقت لا تستبعد فيه فصائل المعارضة السودانية استخدام القوة ضد نظام الإنقاذ الأمر الذي يعطي تلقائيا مكانة متميزة للحركة الشعبية بقيادة جون قرنق‏.‏

ويمنح هذا الوضع للحركة الشعبية لتحرير السودان وضعا متميزا في الساحة السياسية السودانية ويجعل لاختياراتها وسياساتها نفوذا وقوة لم يكونا لها من قبل وهو ما يمكن ملاحظته في القرار الذي اتخذه التجمع الوطني الديمقراطي في أسمرا قبل أيام والذي يقضي بتفويض وفد الحركة الشعبية لتحرير السودان التحدث باسم جميع فصائل المعارضة في المفاوضات الجارية في كينيا بين وفدي الحكومة والحركة من أجل استكمال التفاوض حول بروتوكول مشاكوس‏.‏
وبينما يمكن لوضعية القيادة الفعلية للحركة الشعبية وجون قرنق في أوساط المعارضة حالة يستطيع فيها جون قرنق التلاعب بالمعارضة الشمالية لتسهيل انفصال جنوب السودان فإن علاقة العمل والتعاون الوثيقة بين الحركة الشعبية وفصائل المعارضة السودانية يمكن لها أن تكون أداة لبناء الثقة المفتقدة بين الشمال والجنوب ولتوفير أساس سياسي للحفاظ علي وحدة السودان‏.‏ غير أن المحصلة النهائية لهذه العلاقة سوف تتوقف إلي حد كبير علي عوامل عديدة ربما كان أهمها النوايا الحقيقية للعقيد جون قرنق وأيضا ما إذا كانت الفرصة سوف تتاح للمعارضة الشمالية للاندماج في النظام السياسي السوداني في إطار مشروع للإصلاح السياسي والوحدة الوطنية وهو الأمر الذي لا تلوح له أي بوادر حتي الآن‏.‏

ومنذ نشوبها لأول مرة في عام‏1955‏ كانت الحرب الأهلية في جنوب السودان شأنا إقليميا حيث لعبت الدول المجاورة دورا أساسيا في التأثير علي مسار الأحداث في الجنوب‏.‏ وسواء كان هذا الدور الإقليمي من منطلق التعاطف مع الأفارقة الجنوبيين بحكم عوامل التقارب العرقي والثقافي والديني أو بسبب الرغبة في استخدام ورقة الجنوب للضغط علي نظام الخرطوم لتقديم تنازلات في مجالات معينة فإن دور دول الجوار الإقليمي في الصراع في جنوب السودان هو أحد المكونات الأساسية التي لا يمكن تجاهلها لهذه المشكلة‏.‏ وبحكم عوامل القرب الجغرافي والتشابه العرقي كانت الدول الأفريقية المجاورة للسودان من جهة الجنوب خاصة أثيوبيا وكينيا ومؤخرا أريتريا دورا أكبر بكثير من دور جيرانه العرب المسلمين من جهة الشمال مصر وليبيا‏.‏ وبالتالي فإنه ليس من الحكمة في شيء محاولة تجاهل دور هذه الدول تحت أي دعوي‏.‏ فبينما كان لدور هذه الدول أثرا سلبيا كبيرا عندما اختارت تقديم الدعم للمقاتلين الجنوبيين فإنه كان لها أثرا إيجابيا عندما اختارت العمل من أجل وضع حد للصراع في جنوب السودان الأمر الذي تشهد عليه اتفاقية أديس أبابا لعام‏1972‏ التي جلبت السلام لجنوب السودان طيلة إحدي عشر عاما وهو السلام الذي كان يمكن له أن يستمر لأكثر من ذلك بكثير لو لم يقدم حكام الخرطوم علي خرق الاتفاق‏.‏

المقصود إذا هو أن دور دول الجوار الأفريقي هو دور أساسي وأن هذا الدور يمكن أن يكون له أثر إيجابي إذا تم التعامل معها بطريقة صائبة وخاصة عبر تجنب تصوير الأمر وكأنه صراع بين دول شمال أفريقيا العربية المسلمة ودول جنوب الصحراء الكبري السوادء فهذا بالضبط هو التصوير الذي يستفز مشاعر سلبية عميقة لدي قطاعات من المواطنين والقوي السياسية في جنوب الصحراء أيا كان مصدر هذه المشاعر أو مدي تطابقها مع حقائق تاريخ العلاقات بين الشعوب العربية المسلمة والشعوب الأفريقية السوداء‏.‏ في هذا السياق فإنه ربما تجب مراجعة بعض الصيغ السياسية التي بدت وكأنها تضع مبادرة دول الإيجاد الأفريقية في مواجهة المبادرة المصرية الليبية العربية المسلمة‏.‏ وربما يكون الأكثر فائدة في هذه المرحلة هو الإصرار علي التعاون مع مبادرة الإيجاد ومن خلال مبادرات وآليات الإيجاد التي ثبت حتي الآن أنها الأكثر فعالية وقدرة علي النجاح‏.‏
في إطار نفس هذه الدعوة للاهتمام بالمحتوي السياسي والنفسي للسياسات وللغة المستخدمة في الخطاب السياسي فإنه لابد من مراجعة اللغة المستخدمة في الخطاب السياسي الرسمي عند الحديث عن السودان والتي لا تخلو من إشارات ورموز يفهمها أهل السودان علي أنها محاولات لفرض الهيمنة والوصاية من جانب الشقيقة الكبري علي الاخوة الصغار‏.‏ ومن المهم في هذا السياق التمييز بين قوة الموقف من ناحية وعبارات التعالي وما يشبه التهديد من ناحية أخري‏.‏ وبالتحديد فإن العبارات القوية التي تحمل رموزا وإشارات سلبية ليست دليلا علي قوة الموقف بل إنها تكون أحيانا نتيجة لضعف الحيلة ونقص الخيال‏.‏ أما من الناحية العملية فإن هذه اللغة بالذات قد تكون هي السبب في تبديد ما هو متاح من قدرة علي التأثير الفعال‏.‏

لقد استمر الصراع في جنوب السودان لأطول مما ينبغي حتي جذب اهتمام قوي دولية عدة خاصة الولايات المتحدة‏.‏ وقد لعب الأمريكيون دورا أساسيا في التوصل لبروتوكول مشاكوس بعد نجاحهم في ترتيب وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتنظيم عمليات الإغاثة في جبال النوبا‏.‏ ويحظي الدور الأمريكي بترحيب الجانب الأكبر من القوي السياسية السودانية في الشمال والجنوب وفي الحكومة والمعارضة ويتوقع كل من هؤلاء أن يحصل علي مكافأة تعاونه مع الأمريكيين‏.‏ وفي مثل هذه الظروف فإنه يصعب تجنب التعامل الإيجابي مع الدور الأمريكي‏.‏ وإذا كان هناك طرف واحد فقط يمكنه التأثير علي مستقبل السودان بعد السنوات الست الانتقالية التي نص عليها بروتوكول مشاكوس فإن هذا الطرف هو الولايات المتحدة‏.‏ وبقدر أهمية مستقبل السودان لمصالح مصر الحيوية فإنه سوف يكون علي مصر أن تتفاعل إيجابيا مع السياسة الأمريكية‏.‏ في هذا الإطار فإنه قد يكون من المهم النظر للعلاقات المصرية الأمريكية نظرة كلية بحيث يتسع نطاق المبادلات الاستراتيجية وبحيث يتم تسكين أسباب الاحتكاك الأقل أهمية لصالح ما هو أكثر جوهرية‏.‏
وباختصار فإنه لا البكاء علي اللبن المسكوب ولا إعادة عقارب الساعة ينفعان في التعامل مع سودان ما بعد بروتوكول مشاكوس‏.‏ لقد تغيرت أشياء كثيرة في السودان ويبدو أن الكثير من تصوراتنا عن البلد الشقيق لم تعد صالحة‏.‏ فلنبدأ بداية جديدة تتسم بالإبداع والجرأة والتجديد‏.‏

موضوعات أخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية