|
|
يبدو أن قدرنا ان نعود إلي البدهيات من آن لآخر, ومن هذه البدهيات ما يفرض علينا من توجيه اتهام زائف لمحاكمة رئيس أكبر مؤسسة صحفية عربية الآن, وهو ما يعود بنا إلي هذه المسألة ـ المحاكمة ـ وما يتفرع منها من تساؤلات ترتبط بعلاقة هؤلاء الذين يحاربون باسم السامية وما يتفرع عنها من وهم السامية حين يتعلق بالعامل الانثربولوجي. انها مسألة وتساؤلات وبدهيات ومراوغات وادعاءات مريبة. أما المسألة السياسية, فهي تتحدد في هذا الاتهام الموجه إلي الاستاذ إبراهيم نافع بالتحريص العنصري ومعاداة السامية بالنظر إلي مسئوليته المفترضة عما ينشر كرئيس تحرير, وهو الاتهام الذي استند لنصوص قانون الصحافة الفرنسي سنة1881 الذي شهد تعديلات متتالية.. الذي تم تأجيل النظر في الدعوي ضده أخيرا, أما التساؤلات الانثربولوجية هي تلك التي اكدها هذا العلم الحديث حين نفي ادعاء العلاقة بين جنس معاصر ـ كاليهود ـ والتواصل البيولوجي له عبر التاريخ..
هل هناك علاقة حقا ـ اية علاقة ـ بين من يدعون الآن التحدث باسم السامية والسامية.. وبشكل اوضح, بين اليهود ـ كما عرفناهم في التوراة التاريخ ـ وهؤلاء الذين يزعمون الآن انهم اليهود, في حين تنتفي عنهم شروط السامية التي يتذرعون بها الآن, وبما يربط بينهم وبين المستعمر الغربي في الشمال, ثم يستخدمون من الدعاوي والاكاذيب لإيهامنا( وخداع الميديا الغربية) بانهم هم هذا الجنس السامي الراقي المعروف تاريخيا, في حين أن الهوة سحيقة والمقارنة غائبة. ما علاقة هؤلاء اليوم وبين السامية التي يتبجحون بها؟ وهل هؤلاء ينتمون ـ كما يدعون ـ إلي هذه السامية التي يدافعون عنها في حين اننا نحن اولي الاحياء تمثيلا لها وتعبيرا عنها وهو ما يطرح تساؤلات بدهية أخري ترتبط بالعنصر الانثروبولوجي, ونسقط من جديد في عصر البدهيات المراوغة فلنتمهل أكثر عند هذا الادعاءالانثروبولوجي.
إن العودة إلي هذا المصطلح الانثربولوجيا البيولوجية BiolgicalAnthrooplogy وما يرتبط بها من الجانب الاجتماعي يشير إلي رفض العلاقة بين صهاينة اليوم ويهود الأمس. ومن ثم, ينزع عنهم سمة السامية. هذه حقيقة لا تحتمل الادعاء أو التمويه.
والعودة إلي الدراسات الاجتماعية والانسانية في سياقها الأخير نري انها تشير إلي هذه الصيغة الانثربولوجية البيولوجية خاصة التي تقدم تفسيرا مهما للطبيعة الثقافية والاجتماعية البشرية.. الخ وهو ما يعود إلي بروز حتمية بيولوجية واجتماعية ترفض هذا النوع من التعصب والعنصرية اكتسبتها النظريات ذات التوجه البيولوجي بسبب الكتابات الاقل علمية والاكثر شهرة بين الجماهير. إن الربط بين السامية التاريخية والسامية في الحاضر تكتسب قشرة زائفة يراد بها عامل سياسي لا علمي قط والادعاءات الحديثة تقبل ذلك, وتزعم به ـ كذبا وبهتانا ـ ان ثمة علاقة بيولوجية بين يهود اليوم ويهود الأمس لتخرج به إلي زيف تأكيد هذه العلاقة بين التاريخ والحاضر.
إن الدراسات الحديثة ترفض هذه النغمة العنصرية أو فلنقل بشكل ادق ـ السياسة, التي تحاول ان تطوع كل الحقائق إلي اهدافها الاستعمارية اليوم. وقد سبق هذه الدراسات في الغرب عالمنا جمال حمدان بعد منتصف الخمسينيات من القرن الماضي حين رفض الربط بين العبرانيين أو اليهود الذين ظهروا في العصور القديمة واولئك الذين يعيشون في إسرائيل أو ـ حتي ـ في أي بلد في العالم.
لقد خصص جمال حمدان في دراسته المهمة في هذا الصدد تحليلات علمية لتأكيد أن هناك علاقة حتمية للربط بين الدراسات الانثروبولوجية الصرفة وبين الجانب السياسي كما يتمثل في الأوضاع السياسية, وكما ينبغي ان ندرك به أن الصهيونية السياسية تسخر الابحاث النثربولودية في الغرب الآن وترتب نتائجها مسبقا بحيث تخدم دعاواهم في العالم اليوم. إن اللوبي الصهيوني لا يتوقف ـ عبر عديد من الوسائل ـ إلي تأكيد غاية زائفة.. ورحلة الانثربولوجيا ـ في جانبها العلمي ـ تشير إلي نتيجة مهمة, هي ذوبان اليهود الذي نعرفهم في التاريخ إلا.., فالدراسة العلمية هنا تؤكد أن لا علاقة قط بين الاثنين: يهود الامس وصهاينة اليوم.
إن الصلة الجنسية والجينية ـ كما يؤكد جمال حمدان ـ بين يهود اليوم ويهود الأمس منبته وفاقده تماما من الناحية العملية, وانهم بالفعل هناك أوربيون سلاف وأريون أكثر منهم ساميين. وهذا يصدق علي الاشكنازيم في أوروبا( التي تتبعهم هذه المنظمة اليهودية التي تقيم الدعوي الأن) وعلي امتدادهم في كل دول العالم.. إن جمال حمدان في كتابه المهم يؤكد في نهاية بحثه العلمي أن اليهود اليوم ليسوا من بني إسرائيل, وأن هؤلاء شيء واولئك شيء آخر, ولا رابطة بين الطرفين.
(لا يجب ان تخدعنا هذه الدراسات المزيفة التي نجدها علي شبكات الانترنت الغربية التي يحاول اصحابها من الصهاينة والمتصهينين الاشارة إلي الكروموزوم( واي) او الجينات المتواصلة..) وإذا كان هذا مؤكدا ـ كما اشرنا ـ في الغرب الأوروبي والأمريكي, فإنه يصبح أكثر تاكيدا في إسرائيل اليوم. اننا نواجه مثل هذا الخلط بين الاجناس والانتماءات بشكل أكثر عنصرية.
فإذا كانت إسرائيل الآن تستمد شرعيتها من تأكيد علي انها دولة من أصول سامية, فإن هذا الادعاء لا يثبت امام هذا الخليط المتباين الذي يعيش فيها أو الذي يأتي اليها من هنا وهناك, وهو ما نفهم معه اثارة قضايا كثيرة من آن لاخر في إسرائيل حول( هوية) اليهودي أو الإسرائيلي حين يحاولون هنا اسباغ صفة السامية أو اليهودية التاريخية علي الشعب الذي يعيش هناك. إن البحث عن الهوية استمر لفترات طويلة في اسئلة متباينة:( من هو اليهودي؟) ـ و(من هو الصهيوني؟) ـ ومن هو( السامي)؟ ـ ومن هو الذي لا ينتمي إلي الجنس السامي؟
أسئلة كثيرة اثيرت في الصحف الإسرائيلية, ولاقت ردود فعل مثيرة, ولكنها كانت تصل إلي أعلي تأثير لها كلما شهدت إسرائيل هجرة موجة جديدة من اليهود في العالم اليها, ومن هذا ـ كما لاحظ د. المسيري ـ ان المؤسسة الدينية في إسرائيل بينت ان معظم المهاجرين من الاتحاد السوفيتي ـ ابان الهجرة السوفيتية ـ ليسوا يهودا فهم اما من اصل مسيحي تزوجوا من يهود أو هم من مدعي اليهودية. بل واتضح ان اليهودية بالنسبة لليهودي منهم لا تمثل سوي اصداء خافتة للغاية. والغريب في الأمر, او ماليس بالغريب, ان المؤسسة الصهوينية الاستعمارية رحبت بوصولهم, انها في حاجة ماسة إلي مستوطنين ـ مهما تكن اصولهم ـ يقيمون المستوطنات او يعمرون المستعمرات من اهلها الاصليين من عرب فلسطين( الذين هم ـ وياللعجب ـ من اصل سامي!!).
وكما رحبت المؤسسة الصهيونية بالمستعمرين الروس, فانها رحبت( وتأمل هنا أكثر) باليهود الساميين الذين جاءوا اليها الآن من جنوب افريقيا ممن عرفوا بالفلاشا موراه. وهو ما يعود بنا إلي المنظمة الصهيونية التي تحاول محاكمة الاستاذ إبراهيم نافع, انها تعلن عن اسمها بصفة لا تمت ـ قط ـ إلي طبيعتها التي تمارس به اتهام الغير, انها تسمي الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية, وهنا يعجب المرء من استخدا الفاظ لا تمت إلي هذه الجمعية بصلة.
نعجب ان نسمع لفظة من مثل مناهضة العنصرية. اليس ما يعلنه قاضي القضاة الفرنسي بودوان توفينو للتحقيق في دعوي مراوغة هي في حد ذاته عنصرية..؟ الم يعلن في ديربان منذ عام واحد ان الصهيونية مساوية للعنصرية؟. ونعجب اكثر ما نسمعه من معاداة السامية.
أليست هذه الدعوي المرفوعة من جمعية دولية تدعي السامية ليست لها أية علاقة انثروبولوجية أو حتي بيولوجية بالسامية؟ اليست السامية صفة تنسحب علي العرب أكثر من هذه الصهيونية الامبريالية.. ونعجب أكثر واكثر لاعادة مثل هذه الاتهامات في زمن الاجتياح الإسرائيلي العنيف للأرض الفلسطينية.
اليس هذا الاتهام نوعا من انواع الابتزاز او اشغال العرب عما يلحق بهم بعد اجتياح29 مارس سواء داخل الأرض المحتلة أو خارجها؟ اليس هذا الاتهام ذريعة متهاوية يمكن استخدامها اكثر لمعاودة( الميديا) الغربية الهجوم علي العرب في عصر( عسكرة الإرهاب)؟
ثم اليس هذا الاتهام هو الهجوم المخطط له من زمن للهجوم علي الصحف العربية والمثقفين العرب الواعين ممن ظلوا حريصين علي كشف الخداع الصهيوني؟ وايضا اليس ما يحدث هو نوع من الهيستريا التي يتم تصنيعها في الغرب ـ منذ انفجار مانهاتن ـ ضد العرب, وهو ما يقع ضمن استراتيجية صهيونية شوفونية تنفذ بدقة ضد شعوبنا العربية؟
ثم ألم يان الأوان لنتنبه إلي هذه الجمعيات الصهيونية التي لعبت دورا كبيرا في تأييد إسرائيل في اجتياحها للأرض العربية والقيام بالتمييز والسلب و القتل دون ادانة واضحة, ثم ها هي الآن تسعي للتأثير في القضاء الفرنسي ضد كاتب عربي كبير؟ علي أن قائمة الاسئلة الحائرة التي تتمسح بالسامية وتنتمي ـ زيفا ـ إلي الانثروبولوجي تظل قائمة فالاتهام سياسي في مظهره خادع في مخبره.
ومن ثم, فهو يقع في دائرة الخداع الإسرائيلي( رغم ان الاداء جاء من باريس) فمن اقام الدعوي هي منظمة صهيونية تتبع ـ بالقطع ـ الكيان الصهيوني في فلسطين, التي مازال يعمل ضد العرب خاصة مصر الذي مازالت تقوم بدور كبير في التصدي لاحابيل شارون وافاعيل حكومته التي تتعاون ـ جيدا ـ مع هذه المنظمة التي تمتد إلي عديد من العواصم الأوروبية خاصة الولايات المتحدة علي وجه اخص.. اليس هذا كله عودة إلي البدهيات..؟ |
|
|
|
|
|