الكتاب

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

كأنها الصدفة
بقلم : دكتور صلاح فضــل

كأنها الصدفة هي التي دعتني الي تصفح العدد الأخير من مجلة‏'‏ المحيط الثقافي‏'‏ وهي التي جعلتني أتوقف مليا عند قصيدة لافتة لشاعر لا أعرفه يتشابه اسمه مع روائي شاب قد يكون قريبه‏.‏ الشاعر هو فتحي فرغلي‏.‏ والقصيدة بعنوان مثير يأتي عادة في سياق الكتابات الفلسفية‏:'‏ شروط الواقع‏'.‏ أخذت في قراءة القصيدة فأصابتني رجفة‏.‏ هذا هو الشعر الحق الذي لا نكاد نعثر عليه فيما ينشر اليوم‏.‏ يقول الشاعر‏:-‏
‏'‏ سألم‏'‏ شتات الروح المدحوره‏/‏ من تحت ركام أمانيها‏/‏ فقريبا يتراءي فجر‏/‏ أتوقع‏-‏ في هذي المرة‏-/‏ أن يأتي بالناس حفيا‏/‏ ويجئ كما في الحلم وفي الصحوة تمنيناه‏/‏ طهورا ونقيا‏/‏ فإذا ما بزغ انطلق تواثب‏/‏ حرا وفتيا‏/‏ هذا هو حقا إحساسي‏/‏ لا أدري مصدره أو كيف تملكني‏/‏ لكن‏../‏ هذا إحساسي من زمن‏/‏ إحساس ظل يلازمني‏/‏ وحامت به طيلة سنوات العمر مليا‏'.‏

إيقاع التفعيلة الجميل وهو يمسك بنظام الجمل ويوزعها موسيقيا حركة الشاعر وهو يحكي بطلاوة آسره قصته مع نفسه بشكل شعري‏.‏ صورة تمثيله المتخيل للفجر الصادق الذي سيأتي ليدحر إحباط الكذب‏.‏
هذه القوافي المنثورة بتلقائية لطيفة كانها استراحات القرار الايقاعي والدلالي للأذن والعين والوجدان وهي تعمل بتآلف جميل‏.‏ هذا شاعر متمكن ذو خبرة جمالية وفنية ناضجة‏.‏ كيف لا أعرفه وماذا كتب من قبل‏.‏ أواصل القراءة المستمتعة فيأتي المقطع الثاني بنسق مخالف يتدفق في سطور تشبه النثر لكنها من وزن المتقارب كما كان المقطع الأول من المتدارك إنه يغير البحر دون ان يبرح الدائرة العروضية ذاتها هكذا ينتقل بين الأنغام بسلاسة وانسجام ويؤلف بينها في توزيع هارموني بديع‏.‏

أخذت أتساءل‏:‏ هل لهذا الشاعر دواوين مطبوعة وكيف لم أقرأها وأنا الذي يزعم دوما أنه يتابع الكتابة التي يبدعها الشباب لكن هذا الشعر انضج من ان يكتبه شاب صغير لقد بلي حياة أبناء هذا الجيل وتمزقت روحه بالوعود المكذوبة وتشتت عمره‏-‏ مثلنا‏-‏ في الغزل المنقوض الذي دوخنا خلال النصف الثاني من القرن المنطوي‏.‏ إنه بالفعل‏-‏ ويا للمفارقة‏-‏ يضئ شروط الواقع بالشعر لا بالفلسفة إنه شاعر بصير يستقرئ غيب الماضي والمستقبل ينطق بضمير العصر حتي إن كان قصير العمر‏.‏
لأتحقق من ذلك وكأنما هي صدفة أخري ان يكون عملي بين الكتب أمد يدي فأعرف ما صدر من مطبوعات‏.‏ كانت مفاجأتي الثانية أشد قسوة علي‏.‏ للشاعر أربعة دوواين مطبوعة منذ عشر سنوات تقريبا‏.‏

أوله‏:‏ا بعنوان‏'‏ فصول من كتاب الحب‏'‏ عام‏1992‏ والثاني‏:'‏ تغيرت البلاد ومن عليها‏'‏ وقد نشر في العام ذاته والثالث ظمأ الروح وسقياها‏'‏ وقد نشر بعد عامين والأخير بعنوان‏'‏ هذا ظل الأرض علي قلبي‏'.‏
هو إذن‏-‏ كما توقعت شاعر ناضج صعيدي المولد تدفق مرة واحدة منذ عقد من الزمان بعدد وفير من المجموعات الشعرية‏.‏ كيف فاتتني متابعته او التعرف عليه من الواضح أنه لا يسعي لاستفزاز النقاد ولايهمه لفت أنظارهم لابد انه مشبع بالثقة في فنه‏.‏

لكن لماذا‏-‏ وهو الذي يعمل في مجال الصحافة لم يفطن الي شروط صناعة الصورة خاصة أنه يجمع في الدراسة بين الهندسة والأدب اي بين هندسة المادة وهندسة الروح وقد بلغ منتصف العقد السادس من عمره أي أنه قريب جدا زمنيا‏-‏ علي الأقل من تجربة كوكبه الشعراء الذين ملأوا الدنيا ضجيجا وهم يسمون أنفسهم‏-‏ جيل السبعينيات‏-‏ لقد شغلوا الحياة الثقافية بتمردهم وبياناتهم ودعاواهم العريضة في القطيعة وقتل الأب وتغيير مسار الشعر كما شغلوا بإبداعهم الحقيقي كيف لم يشارك فرغلي في هذه الحركات وقبع في منطقة ضبابية خارج السراب

انفجار البداية المتوهج‏:‏
كأنها الصدفة أيضا هي التي تتيح للديوان الأول للشاعر أن يقع مثل الانفجار المتوهج المشعل لحرائق الشهرة عادة ما يكون نتيجة فورة الشباب المجنون‏.‏ لكن الديوان الأول لشاعرنا فتحي فرغلي‏-‏ احفظوا اسمه فهو يستحق ان يسكن ذاكرتهم‏-‏ صدر وهو في السادسة والأربعين من عمره اي أنه لم يكن حينئذ شابا ولا مجنونا كما أنني كنت خارج الوطن‏.‏ اتكون غيبة الناقد هي التي حرمته من شهود الانفجار فتصور الموقف علي هواه ويكون الشاعر قوي الحضور والناقد ضعيف الملاحظة مهما يكن من أمر فإن انبثاق الديوان الأول بعد الأربعين ليس مؤشرا للنبوغ المبكر أم أن الحياة الثقافية في مصر لم تعد هي التي ترحب كثيرا بنشر الشعر مهما يكن انهماره وحرارته ومثابرة صاحبة‏.‏
لنعد قراءة طرف منه فالشعر دائما أصدق أنباء من الكتب وليس السيف كما كان يظن أبو تمام‏.‏ يصدر الشاعر ديوانه بكلمة من مولانا جلال الدين الرومي لم يتكئ عليه جيل الخمسينيات من قبل خاصة عبد الوهاب البياتي يقول فيها‏:'‏ المعشوق هو الحي‏'..‏ وأما العاشق فميت‏'.‏ هل يريد الشاعر بهذا التصدير أن يوحي لنا بأن الحب الذي يسطر فصولا منه ليس هو الذي نألفه في حياة الناس ام يريد فحسب أن يهيئنا لتلقي نصوص مشبعة بعبق الثقافة الصوفية العريقة يقول برشاقة جلية في مدخل الديوان‏:-‏

‏'‏ تنبت في صدري‏/‏ أزهار الليل الوحشية‏/‏ وجنون أغان‏/‏ تعلو‏..‏ تتسارع‏/‏ حتي تأجج ألوان الأرض‏/‏ تحرق أحلامي‏/‏ تتركها ملء العمر رمادا‏/‏ أذروه ورائي وامامي‏/‏ فأشوف حقيقة وجهات الكون‏/‏ وهناك‏/‏ احدثك عن الحب‏'.‏
قصيدة قصيرة مكثفة‏.‏ صافية الرؤية كأنك تطالع في مرآة سحرية تاريخ مبدع في لقطة واحدة تشعر في إثرها بنشوة الاكتمال‏.‏
تراه منذ أن تنبت في صدره أزهار الشعر وجنون أغانيه‏.‏ وهو يطالع أحواله الحياة ويعاين حرائق الأحلام ويذرها رمادا قبل أن تتجلي له الحقيقة وتتمثل في الحب‏.‏ لم يكن يخدعنا برفع شعار وبيرق جلال الدين الرومي‏.‏ إنه يشرب فعلا من معينه العذب يدور في هذا الفلك الكوني الرحب يستوعب حقائق الوجود ويلهج بذكرها بمنطق عذب وبساطة أسرة‏.‏ الحب لديه هو تجربة الحياة كلها وأشواق العثور علي معناها الخفي‏.‏

كأنه الواقع التاريخي‏:‏
يتحدث فتحي فرغلي في الفصل الأول من ديوانه عن‏'‏ وقائع السنوات العجاف‏'‏ وهي موزعة علي أعوام الجدب والصبر والخوف والهزيمة ومختومة بأعوام الحزن والرؤيا‏.‏ يقطر فيها الشاعر روح الانسان المصري والعربي في العقود الماضية بما ورثه ورضعه من عذاباتها وأشجانها بشكل شعري رائق‏.‏ فهو لا يتحدث في السياسة بطريقة مباشرة بل يبني لكل مرحلة أمثولة مجازية ترمز لها وتكشف عن دلالتها‏.‏
يقول مثلا عن عام الحزن‏-‏ وما أطوله واكثر تكراره في تاريخنا الحديث‏:-'‏ مدينتي التي أعرفها‏/‏ في كل ليلة ألعنها‏/‏ وكل ليلة أنام في عروقها‏/‏ فلم تزل في داري‏/‏ الجثة التي أصرخ فوق صدرها‏/‏ لأعلن انتصاري‏.'‏ إنه يبعث هنا تراث صلاح عبد الصبور في شعره الأحزان ويجعله جثة يبكي علي صدرها ليعلن انتصاره عليها‏.‏ إنه بالطبع لم يذكر صلاح لكنه يستحضر روحه بقوة‏.‏ كما يستحضر روح‏-‏ واسم‏-‏ أمل دنقل بصراحة في الفصل التالي‏'‏ من أوراق عنترة‏'‏ وهو يقول‏:-‏

‏'‏ صورة جدي تملأ الجدار‏/‏ تقول جدتي‏/‏ وهي تزيح عن إطارها الغبار جدك كان سيدا‏/‏ دنت له الهول والبطاح‏/‏ عنت له وجوه سادة العرب‏/‏ وانت لا تشبهه‏../‏ ثم ارتمت فاستعبرت ونهنهت بالدمع‏'.‏
هذا التوظيف الذكي للتراث التاريخي والشعري لقول ما لا يقال اليوم يستعين بطريقة تحريك الشخوص السردية ومنحها بعدا تمثيليا رمزيا فالجد هو المجد العربي مجسدا في عنترة والجدة هي حكمة التاريخ التي تفضح الزيف وتكشف عورة الواقع وتوجع قلب الحفيد المكروب‏.‏

يخاطب الشاعر أمل دنقل فيما يشبه المرثية المهداة اليه والمصدرة ببيت الشعر الشهير المحرف‏:‏
‏'‏ ذهب الذين أحبهم‏***‏ وبقيت مثل السيف فردا‏'‏

ليقول‏:'‏ ولكنني لست سيفا‏/‏ بل الجرح‏/‏ يقطر بالدم صيفا فصيفا‏/‏ وحين يهل الشتاء‏/‏ تجف الدماء‏/‏ ولكنما الجرح يبقي‏/‏ ليستقبل الطعن‏/‏ صنفا فصنفا‏'.‏
نتأمل الشاعر وهو يسجل في لقطات نافذة عبق المكان والزمان ويحفز بكلمات ضارية إحساس الفجيعة الذي خامر كلامنا في فترة ما بين النكسة والعبور في هذه السنوات الست العجاف حقا حيث كنا نستشعر الطعنة الوطنية باعتبارها جرحا غائرا في روح كل فرد علي حدة‏.‏ لنقرأ له هذه الصورة التي لابد أن يكون قد اختزنها في وعيه وهو صبي في العقد الثاني من عمره ثم استحضرها بهذا الصفاء الباهر‏:-‏

عند انطلاق مدفع الافطار‏/‏ تكشف أمي رأسها‏/‏ تدعو بالانتصار‏/‏ للغائب البعيد‏/‏ في خطوط النار‏/‏ يسكتها ابي‏/‏ محركا مؤشر المذياع‏/‏ ليسمع الأخبار‏'.‏
هناك شئ جوهري في هذا الشعر هو الذي يفتن القارئ من الوجهة الجمالية إنه يستعين بالسرد دون أن يتحول الي أقصوصة يظل شعرا وجيزا يعتمد علي بلاغة التكثيف مع أنه واضح ومفهوم مهما تكن معاينة بعيدة الغور‏.‏ نوع المجاز فيه مثل ماء البحر الرائق يشف ولا يحجب يغمرك بانتعاشة حلوة وانت تطفو علي صفحته‏.‏ نلاحظ أيضا ان الشاعر يحافظ علي منظور كل من المرأة والرجل للأحداث العامة‏.‏ فالذي يعني الأم‏-‏ وهو غالبا قروية طيبة تعري شعرها حتي يكون دعاؤها أحري بالاستجابة‏-‏ مايعنيها هو ابنها الغائب في الجبهة‏.‏ ومع ان الأب لا يقل عنها لوعة لكنه اكثر وعيا بالصورة الكلية ومتابعة للأحداث والمصائر فهو يريد ان يستمع الي الأخبار ولايكتفي بالأدعية‏.‏

الشعر الحق يمتلك طاقة مذهلة علي اعتصار رحيق الحياة وتذوبيها في كلمات يستطيع رسم خارطة الوجدان الفردي والجماعي وهو يمثل تضاريس مشاعر الانسان بألوان لزمان والمكان إنه يشفي ظمأ الروح ويضمن سقياها ويمثل تغيرات البلاد ومن عليها كما تقول دواوين فتحي فرغلي‏.‏ لم يكن من قبيل الصدفة وإن بدا كأنه كذلك ان أطالع قصائد الشعر في مجلة الثقافة الجادة‏'‏ المحيط‏'‏ كما انه ليس صدفة ان تهزني قصيدة فتحي فرغلي عن‏'‏ شروط الواقع‏'‏ أو أن أعمل في دار الكتب فأطالع أعماله السابقة وأن أسجل قصة هذه التجربة في مقال نقدي‏.‏ فلكل ذلك قوانينه المحتومة ونتائجه الضرورية‏.‏ ويظل علي النقد ما وسعه ذلك ان يتدارك ما يلحق بالمبدعين من غبن الصمت خاصة عندما يكونون في مستوي هذا الشاعر الكبير‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية