الكتاب

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

قضية القروض‏..‏سؤال لا عقيب
بقلم‏:‏ محمد سلماوي

جاء الحكم الأخير في قضية القروض التي شغلت الرأي العام داخليا وخارجيا علي مدي بضع سنوات‏,‏ واثقا من نفسه لاتداخله أية شكوك في إدانة المتهمين ولا في عدالة ماانتهي إليه عن أحكام عليهم بالسجن تتراوح مابين‏5‏ و‏15‏ عاما‏,‏وإذا كان القانون في التعريف المتداول هو عدل ورحمة‏,‏ فإن حيثيات الحكم في القضية ذهبت في إدانتها للمتهمين إلي حد الايسمح في مثل هذه الحالات بتحويل أوراق المتهمين إلي المفتي‏,‏ وهذا إن دل علي شيء فإنما يدل علي أن الحقائق كانت واضحة أمام المحكمة وضوح الشمس‏,‏ والشمس مثلما تنير فهي تخلف أيضا علي جانبيها مساحات من الظلال‏,‏ لكن شمس الحقيقة في هذه القضية علي مايبدو ـ كانت كلها نورا لم تسمح بأية ظلال‏.‏
لقد كانت الأوساط الدولية تترقب أحكام قضية القروض في مصر باهتمام شديد لما يمكن أن يكون لها من دلالات وماتحمله من مؤشرات علي الوضع الاقتصادي وعلي مناخ الاستثمار في مصر‏,‏ وإذا كانت قضية الدكتور سعد الدين إبراهيم قد شغلت العالم سياسيا كما يتضح من حجم التغطية الإعلامية التي حظيت بها في الصحف الغربية وفي أجهزة الإعلام‏,‏ فإن قضية القروض قد شغلت العالم اقتصاديا‏,‏ وقد سمعت تعليقات مطولة علي الحكم الذي صدر في القضية في الإذاعة البريطانية‏BBC,‏ كما عقد التليفزيون الفرنسي ندوة لرجال الاقتصاد كان موضوعها هو الاستثمارات الأوروبية في الشرق الأوسط‏,‏ إنصرف جزء لا بأس به من وقتها للحديث عن قضية القروض والأحكام التي صدرت فيها‏.‏

إننا نعيش مرحلة سقطت فيها جميع الأسوار ولم يسقط سور برلين وحده‏,‏ لذلك أصبحنا جزءا من العالم المحيط بنا أكثر من أي وقت مضي‏,‏ ومانتصور أنه قضية داخلية إنما يتم رصده في الخارج والتصرف علي أساسه سواء كانت القضية تتعلق بنشر مقال معاد لليهود أو بإصدار حكم في قضية تمس طبيعة التعاملات البنكية المصرية‏.‏
وأنا لاأشك في أن المحكمة علي علم بهذه العلاقة السببية بين مايحدث عندنا ومايأتنا من ردود فعل من الخارج‏,‏ إيجابية كانت أو سلبية‏,‏ كما لاأشك أيضا في أن المحكمة علي علم‏,‏ علي سبيل المثال بأن هناك اتجاها قويا في العالم من حولنا يدفع بإلغاء أحكام الإعدام بإعتبارها الأحكام الوحيدة التي لارجعة فيها‏,‏ وإذا كان هناك شك ولو واحدا في المليون‏,‏ في أن يكون الحكم خاطئا فإن حكم الإعدام يلغي إمكانية تدارك هذا الخطأ‏,‏ ومع ذلك فقد رأت المحكمة في حيثياتها أن المتهمين في هذه القضية كانوا يستحقون الإعدام‏,‏ وأخذت علي القانون الذي حكمت بمقتضاه أنه لم يسمح بالإعدام في مثل هذه القضايا‏,‏ وهو مايؤكد أن رؤية المحكمة كانت واضحة جلية لاشك فيها ولااحتمال فيها لخطأ‏..‏ ولو واحدا في المليون‏.‏

ونحن إذ نسجل للمحكمة ثقتها الواضحة في صحة قرارها فإننا نتجه بالحكم الذي أصدرته المحكمة إلي جهات التحقيق لنتساءل كيف لم يكن رؤساء البنوك التي ورد ذكرها في القضية من بين المهتمين؟‏...‏ لقد أصدرت هذه البنوك شهادات تقدم بها بعض المهتمين تقول إنهم كانوا سددوا مااقترضوه بفوائده الكاملة‏,‏ لكن المحكمة رأت عدم الأخذ بها‏,‏ فلابد أنه قد ثبت لها أن هذه الشهادات غير صحيحة‏,‏ كما أن بعض رؤساء هذه البنوك قد مثلوا بأنفسهم أمام المحكمة ليشهدوا مرة أخري علي أن هؤلاء المهتمين قد دفعوا المبالغ التي اقترضوها بالكامل للبنك مع فوائدها‏,‏ لكن الحكم جاء في النهاية مؤكدا أنهم اقترضوا أموالا لم يسدودها ومن ثم أدينوا بالسجن لفترات وصلت إلي‏15‏ سنة‏.‏
ونحن بالطبع لانراجع حكم الحكمة لكنا نتساءل كيف يمكن لرؤساء خمسة من أكبربنوكنا إصدار شهادات مزورة ثم الحضور إلي ساحة المحكمة لتقديم شهادة زور؟‏!..‏ كما نتساءل‏:‏ كيف عاد هؤلاء جميعا إلي بنوكهم في اليوم التالي‏,‏ وكيف مازالوا يمارسون عملهم حتي هذه اللحظة دون أن يصدر بشأنهم شيئ؟‏!‏

وأنا لاتربطني أية علاقة خاصة مع أي من المهتمين في هذ القضية وأن كنت قد عرفت بعضهم معرفة شخصية بحكم الواقع التي كانوا يشغلونها فقد عرفت مثلا أحدهم وزيرا وعرفت أخري مسئولة بأحد البنوك‏,‏ لكني أقدم تساؤلي هذا آخذا حالة السيدة هدي شوقي علي سبيل المثال فقد قالت لنا وقائع القضية إنها إقترضت مبلغ‏960‏ ألف جنيه بخطاب ضمان لم يثبت أنه غير صحيح‏,‏ وقد استدعيت إلي التحقيق ولما كان السؤال الذي وجه لها هو إن كانت تعرف السيدة علية العيوطي‏,‏ إحدي المتهمات الرئيسيات في القضية‏,‏ وقد آثار هذا التحقيق علي مايبدو فزع السيدة هدي شوقي فقررت تسديد المبلغ الذي اقترضته بالكامل مع فوائدة وقبل أن يحل موعد استحقاقه‏,‏ حتي تأمن الجانب‏,‏ وتصورت بذلك ـ حسب ماقاله الدفاع عنها في المحكمة ـ أنها لن تكون طرفا في هذه القضية التي ـ علي حد قوله ـ لاعلاقة لها بها‏,‏ إلي أن فوجئت بعد ذلك ومن الصحف بأنها قد أحيلت إلي التحقيق‏,‏ فقدمت خطابا من البنك يفيد سدادها القرض بالكامل‏,‏ كما شهد مدير البنك في المحكمة بحق هذا الخطاب‏,‏ لكن المحكمة رأت مع ذلك أن السيدة هدي شوقي لم تسدد مااقترضته ومن ثم صدر الحكم ضدها بخمس سنوات سجن‏.‏
هذا هو ماورد في القضية عن السيدة هدي شوقي التي لم اقابلها في حياتي‏,‏ وهي رواية قد تحتمل الخطأ أو الصواب‏,‏ لكني أقدمها للقول إنه إذا كانت المحكمة لم تأخذ بها إنه السيدة‏/‏ هدي شوقي لاتكون هي المدانة وحدها‏,‏ وإنما هناك أيضا من يسر لها مافعلت‏,‏ ومن شهد لها زورا‏,‏ فهل نتوقع أن تحرك جهات التحقيق الدعوي ضد هؤلاء كما حركتها ضد المتهمين؟‏..‏ إن ذلك يمكن أن يسد ثغرة أساسية في مدي إستيعابنا لحكم المحكمة‏,‏ ذلك أن الدولة تعرض ليل نهار علي المقترضين من رجال الأعمال الهاربين في الخارج أن تقدم لهم تسهيلات وتسويات مغرية في الدفع إن هم عادوا إلي مصر وسددوا ماعليهم‏,‏ ثم يجئ من بين المتهمين غير الهاربين من يقال أنه سدد مااقترض بالكامل مع الفوائد فإذا به يدان بالسجن‏,‏ إن ذلك في فهم العامه غير المتبحرين في القانون قد يمثل تناقضا صارخا‏,‏ ومادمنا لانناقش صحة الأحكام ولانعلق علي حكم المحكمة‏,‏ فإن الخطأ لابد أن يكون في صدق المعلومات القائلة إن هؤلاء المهتمين قد سددوا مااقترضوه بالكامل وبفوائده قبل موعده‏,‏ ولقد تمثلت تلك المعلومات في الخطابات الصادرة من البنوك وفي شهادة رؤساء هذه البنوك‏,‏ وللتأكد من صحة أو عدم صحة هذه الخطابات ليس علينا أكثر من أن نخاطب البنك المركزي بالسؤال‏:‏ هل صحيح أن هؤلاء المتهمين قد سددوا الأموال التي اقترضوها؟‏..‏ إذا كانت البنوك التي إقترض منها المتهمون قدمت شهادات بذلك لم تأخذ بها المحكمة‏,‏ فإن شهادة البنك المركزي التي لم أسمع أنها كانت ضمن أوراق القضية‏,‏ لايمكن إلا أن تكون ملزمة‏..‏ فهل تمت مخاطبة البنك؟ سؤال لاأعرف إجابته‏.‏

إن تلك القضية سيكون لأحكامها أثر بعيد في مناخ الإستثمار في مصر لفترة طويلة مقبلة ومالم نسد كل الثغرات في فهم الناس لمنطق الحكم وفي استيعابهم لحيثياته فإن المردود النهائي قد يكون سلبيا لأن القضية قد أصبحت علي مدي السنوات قضية رأي عام‏,‏ وفي مثل هذه القضايا يجب أن يتوخي الحكم القانون والرأي العام معا حتي يتطابق الإثنان‏.‏
ومن قضية الرأي العام الاقتصادية الداخلية إلي قضية الرأي العام السياسية الخارجية‏,‏ فقد وصلتني أعداد كبيرة من الخطابات حول مقالي في الأسبوع الماضي عن قرار قاضي التحقيق قالفرنسي استدعاء الاستاذ إبراهيم نافع رئيس تحرير أعرق الصحف العربية قاطبة ونقيب الصحفيين ورئيس اتحاد الصحفيين العرب للتحقيق معه في تهمة الحض علي كراهية اليهود‏,‏ وكان المقال يحمل عنوان العداه السامية والتهمة المغلوطة‏.‏

ولقد علق الدكتور عبدالرحمن السخاوي علي الموضوع قائلا إنه لم يفاجأ علي الاطلاق بمثل هذا الإتهام ولابشخص ومكانة من وجه إليه الإتهام‏,‏ فقد دأبت الحركة الصهيونية منذ إنتهاء الحرب العالمية الأخيرة علي إستخدام اتهام العداء للسامية كسوط تلهب به ظهور الدول الغربية تحقيقا لمصالح سياسية ومالية اسرائيلية‏,‏ ولم يكن المتصور علي حد تعبيره كاتب الخطاب ـ أن تترك الصحافة المصرية في مهاجمتها للممارسات الاسرائيلية دون رادع‏,‏ خاصة أنها في ذلك لم تعد استثناء وإنما إنتشر الهجوم علي الممارسات الوحشية لقوات الإحتلال الاسرائيلي إلي الصحف الغربية نفسها وبشكل لم يسبق له مثيل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية