تقارير المراسلين

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

الميزانيــــــــة الإسرائيلية
هل تكون بداية النهاية لشارون؟

كتب : صبحي عسيلة
صادق الكنيست الإسرائيلي في الأول من أغسطس الحالي بأغلبية‏74‏ صوتا مؤيدا مقابل‏28‏ معارضا علي ميزانية العام‏2003.‏ كما صادقت الحكومة الإسرائيلية علي تلك الميزانية في‏30‏ يوليو الماضي حيث أيدها‏14‏ وزيرا من أحزاب الليكود والمركز والمفدال إضافة إلي الوزير شارانسكي بينما عارضها‏12‏ آخرين من حزبي شاس والعمل‏.‏ وقد رافق تقديم الحكومة الإسرائيلية تلك الميزانية مناقشات وانتقادات وردود فعل كثيرة فالميزانية الجديدة تتضمن تقليصا قدره‏1.8‏ مليار دولار حيث تم تقليص ميزانية الوزارات المختلفة بنسبة‏4%‏ وتم تقليص‏4%‏ من مخصصات الأطفال للعائلات التي يخدم أحد أفرادها في الجيش وتم تقليص‏24%‏ من مخصصات الأطفال للعائلات التي لا يخدم أحد الوالدين في الجيش وتم تقليص‏4%‏ من مخصصات التأمين الوطني وإلغاء تخفيضات الضرائب المعطاة لسكان منطقة الجنوب وللمناطق الحاصلة علي أفضلية قومية إضافة إلي رفع نسبة ضرائب القيمة المضافة من‏17%‏ إلي‏18%‏ لمدة عام ونصف عام‏.‏ باختصار فإن الميزانية الجديدة تعني أن الإسرائيليين سيدفعون ضرائب أكثر في مقابل خدمات أقل من أجل تغطية نفقات الحرب التي يخوضها شارون ضد الفلسطينيين‏.‏
وفي الحقيقة فإن الاقتصاد الإسرائيلي يواجه موقفا حرجا منذ مجيء شارون إلي السلطة وبداية انتفاضة الأقصي وإصراره علي أنه يمكن وأد تلك الانتفاضة عن طريق الأسلوب العسكري في الوقت الذي يؤكد فيه المسئولون في وزارة المالية الإسرائيلية أن الانتفاضة الفلسطينية قد تكلف الاقتصاد الإسرائيلي هذا العام حوالي خمسة مليارات دولار‏.‏ وقد وجه وزير المالية الإسرائيلي الأسبق‏'‏ يعقوب نئمان‏'‏ انتقادا شديد اللهجة للسياسة الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية مؤكدا أن الوضع الاقتصادي في إسرائيل الآن هو الأسوأ منذ الخمسينيات وأضاف أن الاقتصاد الإسرائيلي علي شفا الهاوية وإذا لم يتم اتخاذ قرارات فورية وفي اتجاهات واضحة فسوف يتدهور الاقتصاد الإسرائيلي إلي الحضيض‏.‏ وعلي الرغم من هذا الموقف الحرج للاقتصاد الإسرائيلي فإن بعض الإسرائيليين يرون أن التوتر الأمني والسياسي الناتج عن انتفاضة الأقصي يفرز أحداثا مأساوية بشكل يومي للمجتمع الإسرائيلي تغيم أو تعتم علي خطورة الوضع الاقتصادي في إسرائيل‏.‏ بعبارة أخري فإنه يبدو أن المجتمع الإسرائيلي قد أصبح يسير‏'‏ معصوب العينين‏'‏ خلف رئيس الوزراء‏'‏ آرييل شارون‏'‏ وهو يقودهم إلي هاوية اقتصادية تبدو مروعة كما يحذر وزير المالية الإسرائيلي السابق بينما وزير المالية الحالي‏'‏ يخدر‏'‏ المجتمع بتأكيده‏'‏ إننا في حالة حرب والاقتصاد مقلوب علي رأسه ولابد من هذه الإجراءات لكي يستقر الوضع‏.‏ كما أكد مسئول كبير بوزارة المالية الإسرائيلية أن‏'‏ الاقتصاد في حالة طوارئ حقيقية ولا مناص من إجراء تخفيضات مؤلمة‏'‏ حتي ولو اضطروا ـ علي حد تعبيره ـ لمس كل الأبقار المقدسة‏.‏

ومن ناحية ثانية فقد أصبح من المعتاد أن يصاحب تقديم الميزانية الإسرائيلية الكثير من اللغط وردود الفعل فقد أصبحت تثير كثيرا من المعارضين نظرا لتضمنها تقليصات في بنود معينة لا ترضي عنها بعض الأحزاب‏.‏ وكانت ميزانية العام‏2002‏ قد أثارت عاصفة من الانتقادات للحكومة الإسرائيلية خاصة بعد عدم تمكن الحكومة من الحصول علي موافقة الكنيست علي الميزانية في القراءة الأولي ومن ثم كثرت التنبؤات عن قرب سقوط الحكومة الإسرائيلية باعتبار أن ما حدث ربما يكون مقدمة لعدم موافقة الكنيست علي الميزانية في القراءتين الثانية والثالثة إذ ينص القانون علي سقوط الحكومة في حال فشلها في تمرير مشروع الموازنة في الموعد المحدد‏)‏ مارس من عام الموازنة‏(.‏ وقد بلغت قيمة التقليصات في ميزانية عام‏2002‏ حوالي‏1.46‏ مليار دولار مقارنة بـ‏1.8‏ مليار لهذا العام‏.‏ وتعد الاقتطاعات في ميزانية العام الحالي هي الأضخم التي عرفتها الميزانية الإسرائيلية منذ عشرين عاما كما أنها تشكل‏'‏ هزة اجتماعية‏'‏ حيث تتضمن اقتطاع نسبة كبيرة من النفقات الاجتماعية والمشكلة أنها تأتي في وقت تشهد فيه إسرائيل انكماشا اقتصاديا‏.‏
لقد أدي إصرار الحكومة الإسرائيلية علي تقديم تلك الميزانية إلي استقالة ديفيد ليفي الوزير من غير حقيبة من الحكومة الإسرائيلية احتجاجا علي تلك التخفيضات في الميزانية نظرا لتأثيرها في الطبقات الفقيرة في إسرائيل والتي ينتمي معظمها للسفارديم‏)‏ اليهود الشرقيين‏(‏ الذين ينتمي إليهم ليفي‏.‏ وتعبر استقالة ديفيد ليفي ـ بشكل أو بآخر ـ عن تنامي الاستياء داخل الائتلاف الحكومي وإن كان لايشكل خطرا في الوقت الراهن علي هذا الائتلاف‏.‏ ومع ذلك يظل الأهم في تلك الاستقالة أنها تبشر بأوقات عصيبة لحكومة شارون فكما قالت صحيفة‏'‏ هاآرتس‏'‏ أن‏'‏ المعروف عن ليفي أنه دائما يترك الحكومة قبل أن تسقط‏'‏ أو أنه‏'‏ قد اعتاد مغادرة السفينة قبل أن تغرق‏'‏ كما قالت صحيفة‏'‏ يديعوت أحرونوت‏'.‏

ومن ناحية أخري فقد تعرضت تلك الميزانية لانتقادات أخري حادة من أقطاب المجتمع الإسرائيلي‏.‏ فقد طالب‏'‏ عمير بيرتس‏'‏ رئيس منظمة الهستدروت بحل حكومة شارون وإجراء انتخابات جديدة مشيرا إلي أن إقرار الميزانية يدل علي تجاهل مشاعر ومطالب الشعب الإسرائيلي‏.‏ كذلك أعرب رؤساء المنظمات الاجتماعية عن خيبة أملهم في نتائج تصويت وزراء الحكومة علي الميزانية وأكدوا اعتزامهم تصعيد الصراع حتي موعد عقد الكنيست في شهر أكتوبر المقبل لإسقاط حكومة شارون‏.‏ كما أكد عضو الكنيست الإسرائيلي‏'‏ شلومو بن عامي‏'‏ أن وزارة المالية تحول إسرائيل إلي دولة من العالم الثالث واتهم بن عامي حزب العمل بالإفلاس السياسي والأخلاقي نظرا لموقفه من الميزانية الجديدة‏.‏ كما هاجم‏'‏ يوسي ساريد‏'‏ عضو الكنيست عن حزب ميرتس ـ شارون واصفا إياه بأنه أصبح كارثة اجتماعية وسياسية واقتصادية‏.‏
وتظل تلك المعارضات واستقالة ديفيد ليفي محدودة أو عديمة الأثر علي مستقبل الحكومة الإسرائيلية في ظل الحالة المتردية والسلبية الشديدة لحزب العمل الشريك الأساسي في الحكومة فبناء علي اقتراح‏'‏ شيمون بيريز‏'‏ امتنع وزراء العمل عن التصويت علي الميزانية وأصدروا بيانا أكدوا فيه أنهم يرون أن التقليص المقترح في الميزانية يوجد خللا في التوازن الاجتماعي وأعربوا عن اعتقادهم بأنه يتوجب إجراء تغييرات جدية في الميزانية علي أساس أن ذلك يزيد الوضع الاقتصادي صعوبة وهو الصعب أصلا كما يثقل علي المواطنين الضعفاء‏.‏ ويبدو أن موقف حزب العمل قد أتي انسجاما مع الترضية التي حصل عليها رئيسه‏'‏ بنيامين بن اليعازر‏'‏ فقد أكد وزير المالية الإسرائيلي‏'‏ سليفان شالوم‏'‏ انه من الضروري الاستجابة لمطالب المؤسسة العسكرية برغم الوضع الاقتصادي ولكن في المقابل يجب الحرص علي الحفاظ علي الاستقرار الاقتصادي‏.‏

والسؤال الآن هل يمكن أن تمثل ميزانية عام‏2003‏ في ظل هذه المعارضة بداية لسقوط حكومة شارون خلال المراحل المقبلة للتصويت علي الميزانية في الكنيست‏.‏ وهل تستطيع المعارضة الإسرائيلية أن تنظم صفوفها وتحشد قواها للتخلص من الكارثة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحكم إسرائيل حاليا‏.‏ إن تجربة ـ أو بالأحري معركةـ ميزانية عام‏2002‏ والتي خرج منها شارون سالما بحكومته تشير بما لا يدع مجالا للشك إلي أن حكومة شارون ستنتصر أيضا في تلك المعركة في مراحلها المتبقية وأما عن استقالة ليفي فإن شارون قد فاز في معركة‏2002‏ برغم تهديد واستقالة وزراء من حركة شاس الأقوي تأثيرا من حزب ليفي ومن ثم يصبح الخاسر في تلك الاستقالة في ظل الظروف الراهنة هو ليفي نفسه وهو ما يدعم احتمال أن تكون تلك الاستقالة قد جاءت علي خلفية تقارب بين ليفي ونيتانياهو‏.‏ وسوف تظل حكومة شارون باقية وقوية مادام حزب العمل لم يتعاف بعد وأصبح أقصي ما يمكن أن يفعله هو أن يمتنع عن التصويت عما لا يريد دون أن يذهب إلي أبعد من ذلك أي الاستقالة احتجاجا علي أمر ما بل إنه أصبح غير قادر علي التلويح بها‏.‏ وفي الحقيقة فإنه ربما يمكن إرجاع هذا الموقف إلي إدراك حزب العمل أنه لو خرج من الحكومة الآن فعلي الأرجح أنه لن يعود إلي السلطة ولو حتي مشاركا فيها مع أي حزب‏.‏ وهكذا فإن موضوع الميزانية الحالي بتقليصاته غير المسبوقة‏,‏ وفي ظل الوضع المترهل للمعارضة الإسرائيلية مازال لايرقي إلي مستوي‏'‏ نقطة البداية‏'‏ لنهاية شارون‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية