تقارير المراسلين

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

ثــروات إفريقيـــا‏..‏ علي مذبـــح ســـلام غــــربي
أنجولا‏..‏ البترول يسبق الألماس إلي الأبد‏!‏

رسالة جنوب أفريقيا : يـحيـي غـانم
الزراعة .. إحدى الثروات المهمة فى أنجولا
لا شك في أن الصراع الـذي شــهدته أنجـولا علي مدي الـ‏27‏ عاما الماضية والذي شهد نهاية‏(‏ مؤقتة‏)‏ في بداية العام الحالي توافرت له العديد من مقومات الصراعات التي تناولتها روائع أدب الكاتب المسرحي الانجليزي وليام شيكسبير وعيون الأدب الإغريقي بالإضافة إلي التطورات المثيرة التي تميز الأعمال السينمائية لهوليود ناهيك ــ وهو الأهم ــ عن ملامح القواعد الجديدة التي تحكم التغير في العلاقات الدولية خاصة تلك التي تربط بين الغرب وقارة أفريقيا‏!‏ تلك الأبعاد الثلاثة التي توافرت للصراع الأنجولي ــ الذي لم تجف شلالات الدماء التي تفجرت عنه حتي الآن ــ هي التي تميز الأوضاع في العديد من دول أفريقيا حاليا بما في ذلك علاقاتها بالغرب وبالتالي مستقبل شعوبها‏.‏
في جلسة خاصة ضمت ــ ضمن ما ضمت ــ دبلوماسيا ينتمي إلي إحدي دول البحيرات العظمي في وسط أفريقيا وصف ذلك المصدر الصراع الذي شهدته أنجولا لمراسل الأهرام بأنه أشبه ما يكون بأسطورة سيزيف الإغريقية الشهيرة التي تروي مأساة سيزيف الذي حكمت عليه الآلهة بأن يقضي عمرا أبديا في عذاب مقيم تمثل في قيامه بدفع حجر هائل الحجم والوزن لكي يصل به إلي قمة جبل شاهق وكلما كاد يصل سيزيف للقمة يتدحرج الحجر مرة ثانية إلي سفح الجبل لكي يبدأ سيزيف مرة أخري دفعه في تلك المحاولة الأبدية التي لا تنتهي‏.‏ وبالطبع فإن ذلك الدبلوماسي الإفريقي ــ المثقف ــ لم يكن يقصد بسيزيف الحكومة الأنجولية بزعامة الرئيس دو سانتوس كما أنه لم يقصد به ــ بالتأكيد ــ قوات حركة يونيتا الانفصالية التي تزعمها جوناس سافيمبي وإنما قصد بسيزيف الشعب الأنجولي الذي حكم عليه بالموت بعد معاناة ــ تقرب من المعاناة الأسطورية التي واجهها سيزيف ــ بسبب صراع بدأ عقائديا بين حكومة يسارية دعمها الاتحاد السوفيتي السابق وقوات انفصالية دعمها الغرب بزعامة الولايات المتحدة وذلك قبل أن يتحول الصراع إلي محاولات وحشية للسيطرة علي ثروات البلاد الغنية‏.‏ وإذا كان المثال الذي ساقه الدبلوماسي الإفريقي ينطبق علي الشعب الأنجولي فإنه أيضا ينسحب علي العديد من شعوب الدول المجاورة لأنجولا التي احترق العديد منها بسبب مضاعفات هذا الصراع الذي يعد الأطول في العالم الثالث فيما عدا منطقة الشرق الأوسط‏.‏

وإذا كانت مأساة الشعب الأنجولي قد بدت في رأي ذلك الدبلوماسي الإفريقي أقرب إلي مأساة‏(‏ سيزيف‏)‏ الإغريقية فإن دخول الصراع الأنجولي مرحلة جديدة في شهر فبراير الماضي جاء أقرب إلي المآسي التي وردت في مسرح وليام شيكسبير‏!‏ ففيما بدا وكأنه إعادة لرائعة الكاتب الإنجليزي الكبير يوليوس قيصر تقمص رئيس أركان قوات حركة يونيتا الانفصالية ــ ونائب قائد الحركة ــ شخصية بروتس وقام بالانقلاب علي زعيمه وقتله بالضبط كما ذبح بروتس زعيمه يوليوس قيصر‏.‏ فبعد أكثر من‏20‏ عاما من التمرد انقلب الجنرال جيرالدو نوندا ــ رئيس أركان الحركة ــ علي سيده جوناس سافيمبي زعيم حركة يونيتا الانفصالية وذلك في ضربة قاصمة ومفاجئة عجلت بهزيمة الحركة عسكريا وبقتل قائدها في كمين أحكم تدبيره في‏22‏ فبراير الماضي‏.‏ ولعل عام‏2000‏ حمل بداية النهاية لجوناس سافيمبي قائد حركة يونيتا الانفصالية علي صعيد الحركة وعلي الصعيد الشخصي‏.‏ ففي بداية عام‏2000‏ كلفت الحكومة الأنجولية الجنرال نوندا بتشكيل لواء من القوات الخاصة تنحصر مهمته في مطاردة سافيمبي شخصيا‏.‏ وقد اتبع نوندا في مطاردة رئيسه السابق في أحراش شرق أنجولا سياسة الأرض المحروقة حتي حصر الرجل في شرق البلاد وقطع طرق الامداد عنه تماما وذلك قبل أن يحصره ــ هو شخصيا ــ في كمين محكم لكي يمطره بوابل من الطلقات كان نصيبه منها‏15‏ طلقة في مختلف أنحاء جسده منهيا بذلك أسطورة أشهر متمرد في قارة أفريقيا‏.‏

إلا أن الجنرال نوندا ــ الذي تقمص شخصية بروتس ــ لم يكن سوي أحد المنفذين المحليين الرئيسيين في تلك النهاية الشيكسبيرية لأطول حرب في قارة أفريقيا في حين أن الإخراج جاء للغرب وعلي رأسه الولايات المتحدة بالإضافة إلي إسرائيل‏!‏
ولعل نجاح الغرب في إخراج مثل تلك المآسي يعود ــ ضمن ما يعود ــ إلي عدم تصديق كثير من حكام دول العالم الثالث ــ والقوي الفاعلة بها سواء كانت أحزابا سياسية أو حركات تمرد حقيقة‏,‏ إن العلاقات مع الغرب تخضع لعوامل التعرية بفعل المصالح المتقلبة وبالتالي تنقلب السياسات من الضد إلي الضد بدون أن توضع مصالح الشعوب في الاعتبار في أغلب الأحيان‏.‏ ولمن لا يصدق تلك الحقيقة ليس عليه سوي أن يعرف أن العلاقات بين الولايات المتحدة والغرب مع السفاح جوناس سافيمبي وصلت إلي درجة أنه كان يتم استقبال هذا السفاح استقبال رؤساء الدول من جانب الرؤساء الأمريكيين في البيت الأبيض‏.‏ وقد كانت آخر زيارة قام بها سافيمبي لواشنطن في بداية حكم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في عام‏1992‏ حيث لم يلتق بالرئيس وإنما اجتمع مع رئيس الأركان في ذلك الوقت كولين باول‏.‏

والحقيقة أن التحول الغربي من التأييد المطلق لسافيمبي علي مدي عقدين من الزمان إلي الوقوف ضده بشكل مطلق لم يكن لإدراك مفاجيء من جانب الغرب لكونه سفاحا وإنما السبب هو تفجر البترول في الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة أو بمعني أصح أمام سواحل المحيط التي تسيطر عليها الحكومة‏.‏ والغريب أن أعظم الإمكانيات البترولية التي تم اكتشافها في القرن العشرين ــ بعد السعودية ــ تلك التي تم اكتشافها في أنجولا حتي أن مجلة بترول أفريقيا تؤكد أن تلك الاكتشافات ستغير من أوضاع احتياطات وإنتاج البترول علي مستوي العالم أجمع في القرن الـ‏21!‏ وقد كانت بداية الطفرة في عام‏1996‏ عندما اكتشفت شركة إلف حقل بترول جيراسول علي عمق‏1300‏ متر تحت سطح البحر‏.‏ ومنذ ذلك الحين فإن اثنتين من كل ثلاث عمليات استكشاف في المياه العميقة أمام سواحل أنجولا فجرت إمكانيات بترولية هائلة حيث وصل عدد الحقول المكتشفة منذ عام‏96‏ حتي الآن إلي‏22‏ حقلا عملاقا في مناطق استكشافات تعمل بها شركات‏:‏ شيفرون وإلف وبريتش بتروليم واميكو واكسون وموبيل حيث وصل الإنتاج اليومي إلي‏1,4‏ مليون برميل‏.‏ وبناء علي الأرقام المتاحة فإنه من المتوقع في خلال العامين القادمين أن تعتمد الولايات المتحدة علي أنجولا في استيراد‏20%‏ من احتياجاتها البترولية وهو ما يجعل أنجولا من أهم الأصول الأفريقية في السياسة الخارجية الأمريكية وهو ــ بالتالي ــ ما يفسر سر التحول الأمريكي الحاد من دعم المتمردين إلي دعم الحكومة‏.‏

وحتي ندرك مدي ذلك ــ الضد ــ الذي تحولت إليه الولايات المتحدة من أجل البترول الأنجولي يجب أن نلقي نظرة سريعة علي الصراع الأنجولي الذي امتدت ألسنة لهبه لكي تحرق دولا مجاورة نتيجة دعم واشنطن للسفاح سافيمبي علي مدي ما يقرب من ربع قرن من الزمان وذلك بالرغم من تدمير سافيمبي فرص التسوية السلمية منذ استقلال أنجولا في عام‏1975‏ ثم رفضه خسارته في انتخابات عام‏1992‏ وذلك قبل أن يرفض عرضا بمنصب النائب الأول للرئيس في عام‏.1994‏ فعقب استقلال أنجولا من الاستعمار البرتغالي عام‏1975‏ سارع الاتحاد السوفييتي بدعم الحكومة ذات التوجهات اليسارية في حين وقفت الولايات المتحدة داعمة بشكل مطلق حركة يونيتا الانفصالية بزعامة جوناس سافيمبي ذات التوجهات اليمينية التي بدأت في ارتكاب جرائم مروعة ضد السكان المدنيين‏.‏ وفي سبيل تمكين يونيتا من الحكم لم تتردد الولايات المتحدة في تشجيع سافيمبي علي توسيع نطاق الحرب لكي تمتد ألسنتها عبر الحدود إلي دول مثل زامبيا والكونجو كينشاسا والكونجو برازافيل وناميبيا‏.‏ وكانت أولي الدول التي تأثرت بالحرب هي الكونجو الديمقراطية ــ زائير في ذلك الوقت ــ التي كان ديكتاتورها السابق موبوتو سيسيسكو حليفا قويا لجوناس سافيمبي زعيم حركة التمرد يونيتا والذي وفر لحركته المسلحة قواعد قوية داخل أراضي الكونجو‏.‏ أيضا فإن ديكتاتور الكونجو السابق موبوتو وفر الأسلحة لحليفه سافيمبي في مقابل الألماس الذي تفيض به الأراضي التي كانت تسيطر عليها حركة يونيتا في أنجولا‏.‏ وعندما تمرد لوران كابيلا علي نظام موبوتو في عام‏97‏ سارعت الحكومة الأنجولية بتقديم الأسلحة لكابيلا بالإضافة إلي ستة آلاف جندي مما أسهم بشكل فعال في قلب نظام موبوتو ودعم التحالف بين الدولتين فيما بعد‏.‏ إلا أن آمال أنجولا خابت في دعم الاستقرار في الكونجو ويالتالي القضاء علي قواعد سافيمبي في الأراضي الكونجولية حيث انقلبت كل من أوغندا ورواندا علي كابيلا وبات علي أنجولا أن تغرق في بحر رمال الكونجو المتحركة‏.‏ إلا أن سافيمبي سرعان ما نقل قواعده إلي الكونجو برازافيل في أواخر عام‏97‏ بمجرد اقتلاع قواعده من الكونجو كينشاسا حيث أغري رئيسها في ذلك الوقت باسكال ليسوبا بالألماس مما دفع القوات الأنجولية إلي الدخول في الكونجو برازافيل وإعادة الرئيس المخلوع دينيس ساسو إلي الحكم ليضطر سافيمبي إلي نقل قواعده مرة أخري ولكن بعد أن أشعل حربا أهلية في البلاد‏.‏ وبقطع خطوط إمداد حركة تمرد يونيتا في كل من الكونجو كينشاسا والكونجو برازافيل تحولت أنظار لواندا إلي قواعد يونيتا في جنوب شرق البلاد المتاخم للحدود مع ناميبيا وهو ما اضطرها ــ لوعورة هذه المناطق وصعوبة الوصول إليها ــ إلي اللجوء إلي حليفتها ناميبيا لكي تسمح لها باستخدام قواعدها الجوية الواقعة علي الحدود مع أنجولا لمهاجمة قواعد يونيتا وهو ما وافقت عليه ناميبيا بالفعل‏.‏

وبالرغم من أن الآثار المدمرة التي أفرزتها الحرب في أنجولا وقعت علي رءوس الأنجوليين في المقام الأول إلا أن جميع الدول المجاورة لأنجولا بدون استثناء عانت شعوبها سواء من امتداد العمليات العسكرية لأراضيها بشكل مباشر أو تدفق اللاجئين الأنجوليين إلي أراضيها في وقت تعاني فيه شعوب هذه الدول في الأساس من مجاعات قاتلة‏.‏ ويكفي أن أحدث تقرير لمكتب تنسيق جهود الإغاثة التابع للأمم المتحدة يؤكد أنه بالرغم من توقف العمليات العسكرية في أنجولا فإنه لا يمكن تفادي كارثة غذائية وصحية في البلاد حيث أدت الحرب إلي تشريد‏3,7‏ مليون نسمة من أصل‏12‏ مليونا هم تعداد السكان‏!‏
ولعلنا بعد هذا الاستعراض السريع للموقف غير المبرر أخلاقيا من جانب الغرب إزاء الشعب الأنجولي والشعوب المجاورة له يحق لنا أن نتشكك في الدوافع الأخلاقية التي قدمت لتبرير ذلك التحول الحاد والمفاجيء في موقف نفس هذا الغرب بالتحول ضد يونيتا وذلك عندما خرج مسئول بريطاني رفيع المستوي قبيل اغتيال سافيمبي ليقول‏:'...‏ لا شك في أن سافيمبي سفاح تقطر يداه بدماء شعبه وعلينا أن نلتزم بمقاطعة تجارة الألماس التي يمول بها هذا السفاح حربه ضد الشرعية ونظن أنه يمكن للإنسان أن يحيا بدون الألماس فهو ليس طعاما لا يمكن للإنسان أن يعيش بدونه‏...!'.‏
فلاشك في أن الغرب علي مدار‏25‏ عاما‏-‏ وعلي رأسه الولايات المتحدة وبريطانيا‏-‏ كان يدرك تماما حقيقة جوناس سافيمبي‏-‏ الذي كان لا يعدو أن يكون مرتزقا في أفضل الأحوال وقاطع طريق في معظمها‏-‏ وهو ما يؤكد أن التحول الأخير في المواقف من الضد إلي الضد لم تحركه دوافع أخلاقية قط‏!‏ ولعل أفضل تعليق علي تلك المواقف المتغيرة قد جاء من ذلك الدبلوماسي الذي ينتمي إلي دولة من دول منطقة البحيرات العظمي عندما علق علي تصريح ذلك المصدر البريطاني ضاحكا‏:'...‏ بالطبع فإنه يمكن الحياة بدون الألماس إلا أن ما لم يذكره ذلك المسئول البريطاني أنه من الصعب جدا الحياة بدون بترول إلا أنه بالرغم من أهمية رصد أسباب التحول من الضد إلي الضد في سياساتها تجاه أنجولا فإنه من الأهم رصد كيف تم تنفيذ هذا التحول والأدوات الإقليمية وغير الإقليمية التي استخدمتها الولايات المتحدة لإحداث هذا التغيير‏.‏ وتنبع أهمية التعرف علي أدوات تنفيذ هذا التغير الحاد من أن هذا التغيير لا يقتصر علي أنجولا وحدها وإنما يتعداها إلي افريقيا جنوب الصحراء كلها ولهدف نشك في أنه يستهدف مصالح شعوب تلك المنطقة في المقام الأول ولذلك قصة أخري‏...‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية