قضايا و اراء

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

قضايا معاصرة
ماذا يبقي من عبدالرحمن بدوي؟‏(1)‏
مذهب فلسفي يسهم في بناء الوجودية العالمية
يكتبها‏:‏ سامح كريم

سؤال عادة ما يوجه إلي أصحاب الانجازات الكبري في الأمم والشعوب‏,‏ وقد تكون هذه الإنجازات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو علمية أو فكرية أو ثقافية‏..‏ الي آخر ذلك من المجالات‏,‏ وأول ما يستوقفنا من انجازات ؟؟ الكبير العالم والمفكر الجليل الدكتور عبدالرحمن بدوي هو مذهبه الفلسفي‏.‏ فهل كان هذا المذهب جديدا ومبتكرا وأصيلا أم أنه كان مجرد شروح وتفسيرات وتأويلات لغيره من المذاهب الفلسفية التي كانت موجودة؟‏!‏
والحق أن الإجابة علي هذا السؤال تتطلب صفحات كتاب بأكمله‏..‏ حسبنا هنا أن نشير إلي ذلك من بعيد‏..‏ مجرد إشارة أو حتي إماءة تستوعبها هذه السطور المحكوم عليها من المطبعة بالاختصار‏.‏ بدعوي أن خير الكلام في صحافة هذا الزمان ما قل ودل

إن أول ما نشير اليه‏..‏ بداية اهتمام الدكتور بدوي بالعلم وانجازاته‏,‏ وهل كانت هذه البداية قوية مقتحمة‏,‏ مبشرة واعدة‏,‏ متألقة لامعة‏..‏ أم أنها كانت عادية مثل غيرها من عشرات البدايات في زمانه وما بعد زمانه؟ وهل استمر تألق ولمعان وتوهج هذه البداية وماتبعها من إنجازات في مراحل حياته المختلفة أم أنها سرعان ما خبت وترهلت ثم ذبلت وانطفأت مع الأيام والسنين‏!‏؟
لقد كانت بداية اهتمام الدكتور بدوي بالعلم حين وضع خطة للإنتاج فيه‏,‏ ورسم هذه الخطة علي أساس أن تسير في ثلاثة اتجاهات‏,‏ أولها المؤلفات المبتكرة التي عبر فيها عن مذهبه الفلسفي‏,‏ وثانيها تقديم الفكر الأوروبي للقاريء العربي‏,‏ وثالثها الإسهام في دراسة الفلسفة العربية الإسلامية‏..‏ علي أن يتم العمل في هذه الإتجاهات الثلاثة ــ كما يذكر في حديثه عن العلم ــ إما معها‏,‏ وإما علي التعاقب‏..‏ وهكذا كان شأنه بالنسبة للفلسفة خاصة والفكر بوجه عام الذي لم ينقطع إنتاجه فيه حتي آخر أيام حياته ومع هذا الإهتمام بالإنتاج العلمي فلسفة وفكرا كانت إهتماماته الابداعية أدبا ونقدا وفنا مسرحيا‏.‏

وكان أول إنتاجه العلمي هو كتاب عن فليسوف القوة والإنسان الأعلي الفيلسوف الألماني نيتشه الذي صدر في اكتوبر عام‏1939,‏ ولم تزد سنوات عمر مؤلفه بدوي عن الأثنين والعشرين عاما‏,‏ حيث ولد في فبراير عام‏1917,‏ وكما هو واضح من موضوع هذا الكتاب أنه دخل ضمن إهتمامات الاتجاه الثاني وهو تقديم الفكر الأوروبي الي القاريء العربي‏,‏ وهي سلسلة ابتكرها وسماها خلاصة الفكر الأوروبي اشتملت علي عدد كبير من الكتب تدور حول المفكرين والدراسات الفلسفية‏.‏
في أوروبا‏.‏ كان دافعه من وراء نشرها إحداث ثورة روحية في الفكر العربي‏,‏ إذ وجد أن السبيل الي ذلك هو الاطلاع علي هذا الفكر الأوروبي الذي استطاع أن يحقق تقدما في الفكر الإنساني عامة والأوروبي خاصة‏.‏ ويستوقفنا في هذا الكتاب نيتشه أمران أولهما أنه راج رواجا عظيما‏,‏ حيث استقبلته الأوساط الثقافية بمصر والعالم العربي استقبالا حسنا‏,‏ بعد أن تناولته أقلام كبار المثقفين وفي مقدمتهم الإمام الشيخ مصطفي عبدالرازق الذي كتب عنه مقالا ضافيا بمجلة السياسة الأسبوعية أشار فيه الي أهمية هذا الكتاب‏,‏ وتألق مؤلفه الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين‏.‏ كما كتب عنه أيضا الدكتور ابراهيم بيومي مدكور عضو ورئيس مجمع الخالدين السابق ضافيا مهما بمجلة الثقافة مبشرا بميلاد كاتب ومفكر سيكون له شأن عظيم‏.‏

أما الأمر الثاني الذي يتعلق بنشر هذا الكتاب الأول للدكتور بدوي فخلاصته أن من بين قراء هذا الكتاب فئة كانت من ضباط الجيش الشبان الذين كانوا من ذوي الاهتمامات الوطنية وفي مقدمتهم الزعيمان الراحلان جمال عبدالناصر‏,‏ وأنور السادات كما ذكرا في معرض أحاديثهما‏.‏
إلا أن أشد هؤلاء الضباط حماسة واقبالا علي هذا الكتاب هو البطل أحمد عبدالعزيز الذي استشهد في حرب فلسطين عام‏1948‏ حيث بلغ اهتمامه بهذا الكتاب أنه قرر قراءته علي طلابه بكلية أركان حرب التي كان أستاذا بها‏,‏ بل ويوصي ان تكتب علي قبره عبارة كتبها نيتشه وأوردها بدوي وهي لكي تجني من الوجود اسمي مافيه عش في خطر

وتأتي التجربة الثانية في اهتمامه العلمي التي لاتقل تألقا ولمعانا وتوهجا عن الأولي حيث أصدر كتابه الثاني وعنوانه التراث اليوناني في الحضارة الاسلامية محتويا علي عدد من الدراسات في هذا الموضوع وقد كان هدفه من وراء ذلك أن يطلع الباحثين العرب علي نماذج من الدراسات العلمية الدقيقة التي يقوم بها الأجانب المنصفون لانجازات الحضارة الاسلامية ودورها في الفكرالعالمي الحديث‏.‏
وفي اثناء ذلك كان يعد رسالة الماجستير وعنوانها مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة وموضوع هذه الرسالة يدخل في اطار مذهبه في الفلسفة الوجودية‏.‏ لأن ثلاثة أرباع مادة هذه الرسالة تتناول مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية‏,‏ وبخاصة عند الفيلسوف الألماني هيدجر والجديد الذي أتي به الدكتور بدوي في هذه الرسالة انه رأي ان مشكلة الوجود لا يمكن ايضاحها الا ابتداء من واقعة الموت ولهذا انتهي في الفصل الأخير منها الي عرض مخطط لفلسفة تتخذ نقطة اشعاعها من واقعة الموت‏.‏ وقد تمت مناقشة هذه الرسالة امام لجنة مكونة من الدكتور طه حسين‏,‏ والشيخ مصطفي عبدالرازق‏,‏ والدكتور ابراهيم مدكور في شهر نوفمبر عام‏1941‏ وكان عمره وقتئذ ثلاثة وعشرين عاما وقد نشرت الأهرام موضوعا مفصلا عن هذا الحدث العلمي الفريد من أطرف ماذكر فيه ان عشرات الرسائل وردت الي الأهرام من قراء كبار السن تشغلهم مشكلة الموت يسألون هل وجد صاحب هذه الرسالة‏(‏ بدوي‏)‏ حلا لمشكلة الموت‏!‏؟

بعد ذلك يتمم كتابة رسالة الدكتوراة‏,‏ وكان موضوعها الزمان الوجودي وفيها عرض لمذهبه في الفلسفة الوجودية‏,‏ القائم علي أساس تفسير الوجود بواسطة فكرة الزمان‏,‏ ومايترتب علي ذلك من اقامة مذهب فلسفي متكامل الأركان‏,‏ وقد اشترك في مناقشة هذه الرسالة التي جرت في مايو‏1944‏ الشيخ مصطفي عبدالرازق‏,‏ والدكتور طه حسين والمستشرق التشيكوسلوفاكي باول كراوس‏,‏ وقد نشرت الأهرام ان المناقشة استمرت خمس ساعات من بعدها حصل بدوي علي الدكتوراة‏.‏ وقد قال الدكتور طه حسين عن صاحب الرسالة اثناء المناقشة‏:‏ لأول مرة نشاهد فيلسوفا مصريا كما أعلن المستشرق كراوس ان بدوي يذكره بكبار الفلاسفة والمتكلمين الذين قرأ عنهم واهتم بهم والذين قامت علي أكتافهم الحضارة العربية الاسلامية‏.‏
وقد اتبع بدوي مذهبه في الفلسفة الوجودية والمعروف بالزمان الوجودي الذي تعتبره الدوائر والأوساط العلمية اسهاما بارزا في بناء صرح الوجودية العالمية‏..‏ عددا من الدراسات التي أوضحت جوانب هذا المذهب كما عمقت العلاقة بين الوجودية كفلسفة عالمية والفكر الاسلامي معبرا في كل ذلك عن رأي جديد ومبتكر وأصيل‏.‏ ومن هذه الدراسات كتاب الانسانية والوجودية في الفكر العربي وفيه وضح العناصر الوجودية في التصوف الاسلامي خاصة عند كل من الحلاج وابن عربي والسهروردي المقتول‏.‏ وكتب دراسة موسعة تجيب علي سؤال هل يمكن قيام أخلاق وجودية نشرها في حوليات جامعة عين شمس عام‏1952‏ منتهيا الي أنه من الصعب وضع قواعد قابتة للأخلاق الوجودية لأنها تقوم علي الحركة وليس الثبات‏,‏ والقي محاضرة في بيروت بلبنان عنوانها فن الشعر الوجودي نشرها ضمن كتبه وفيها حاول أن يرسم خطوطا عامة لفن الشعر علي أساس الفلسفة الوجودية‏,‏ هذا الي جانب كتابه دراسات في الفلسفة الوجودية الذي قصد منه تيسير فهم الوجودية علي عامة المثقفين العرب‏.‏

وهكذا صارت الوجودية بفضل عبدالرحمن بدوي رافدا أساسيا في تكوين فكر غالبية المثقفين العرب علي تفاوت في مقدار فهم كل واحد منهم لها‏,‏ وتحديد موقفه منها بالسلب أو الايجاب وفي كلا الأمرين الرفض أو التأييد استفادت الوجودية العربية‏.‏ فمن المؤيدين استفادت بالشرح والدفاع والايضاح ومن المعارضين استفادت باثارة الاهتمام بها مما يدل علي حيوية هذا المذهب الوجودي الذي بشر به عبدالرحمن بدوي ومواكبته للحياة‏.‏
وبالمناسبة هناك مسألة مهمة تتعلق بفهم البعض للوجودية‏.‏ وهي الخاصة بلصق مالاتتضمنه‏.‏ حين صارت الوجودية اسما لموضة من الموضات الأدبية بعد الحرب العالمية الثانية فأنشئت في باريس مقاه ونوادي ليلية يرتادها بعض الفتيان والفتيات المتحررين من بعض القيود الاجتماعية باسم الوجودية‏.‏ وقد صاحبت هذه الظاهرة التي أذكتها كتابات سارتر الأدبية زيارات لعدد من الكتاب العرب الذين ذكروا ذلك في كتاباتهم المتوهمة بأن الوجودية تقوم علي هذه السلوكيات غير المسئولة مع أنها كاتجاه فلسفي بريئة من ذلك

وبعد فهذه بداية الدكتور بدوي قوية متوهجة‏,‏ مبشرة واعدة‏,‏ متألقة لامعة‏..‏ فهل استمر ذلك في بقية مراحل حياته؟‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية