قضايا و اراء

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

دعوة للسياسة
بقلم : د‏.‏ محمد السيد سعيد

لم يظهر تعبير السياسة في الثقافة العربية إلا بعد قرنين من ظهور الاسلام‏.‏ وظل بعد ذلك لفترة طويلة يستعمل بمعني السياسة الشرعية بمعني توزيع الحقوق التي ترتبها الشريعة‏.‏ ولهذا السبب ظل الخلط بين السياسة والحق يهيمن علي الثقافة السياسية العربية‏.‏ ويعزي إلي ابن خلدون الفضل في الفصل بين المفهومين وإقامة مفهوم السياسة علي القوة التي كانت تستمد أيامه ولفترة طويلة قبله وبعده من العصبية القبلية‏.‏ والأرجح ان مفهوم ابن خلدون عن السياسة لم ينجح في التأثير علي الثقافة العربية الإسلامية ربما حتي يومنا هذا‏,‏ لقد مارس العرب والمسلمون السياسة ولكنهم مارسوها دون ان يناقشوها بقصد وعناية ليخرجوا بدروس اساسية عن موضوعها وهو في الجوهر ادارة التعدد والتعقيد المجتمعي علي المستويين الدولي والمحلي‏,‏ وترتب علي ذلك ان الممارسة الفعلية للسياسة ظلت مضطربة ومشوشة‏,‏ فالممارسة بقيت منفصلة عن الوعي بوظيفتها‏,‏ كما ظل الوعي العربي مشغولا تماما بمفهومي الحق والتكاليف حدهما دون التكيف مع الاعتبارات الواقعية للتعدد والتوزيع المحدد للقوة‏.‏

غياب السياسة
ورغم كل محاولات إحياء علوم اجتماعية وسياسية تنهض علي مفهوم ابن خلدون عن السياسة لم يطور الممارسون والمنظرون العرب مفهوما عن السياسة يكون مستقلا عن الحق ولا أعني هنا أبدا إهدار الحق وانما مجرد استقلاله عن السياسة‏.‏ وأعيد في هذه النقطة الجوهرية وأزيد بالقول بأن السياسة الجيدة هي افضل طريقة معروفة للبشرية لتعزيز ونيل الحق‏.‏ ونتيجة لغياب مفهوم مستقل عن السياسة تختلط علينا الأمور فتضيع منا الطرق والأهداف دون أن نخدم حقنا في شيء‏.‏ وكلما وقعنا في مشكلة او اضطررنا لخوض صراع في الداخل والخارج لم يكن لدي جمهرة المثقفين وأشباه المثقفين خطاب يتعاملون به مع الأحداث سوي مفهوم الحق‏.‏ كما أضافت التجربة السياسية الوطنية أو أحيت مفهوم الكرامة‏.‏ ففي كل صراع نخوضه لا يتجاوز الأمر هذين المفهومين‏.‏ أما السياسة فلا يكاد يكون لها مكان في الوعي العام إلا بأسوأ المعاني‏.‏
المشكلة هي أن تجاهل مفهوم ووظيفة السياسةفي الثقافة العربية الراهنة والخلط بين السياسة والحق وبين السياسة والكرامة لم يخدم العرب في شيء‏.‏ فأكثر تاريخنا الحديث هزائم لم تحفظ لنا ملاء الوجه وأدت إلي اهدار حقوقنا الجوهرية في الوقت ذاته‏.‏ اما علي المستوي الداخلي فقد أدي تجاهل السياسة إما إلي سيادة نزعة استئصال الآخر وتجذير الشمولية في الوعي العام أو إلي انتاج حركات معارضة عنيفة لا تفرق في قسوتها وشموليتها عن الحكومات التي تعارضها وربما تفوقها في هذا وذلك‏.‏
وتغيب السياسة من لوحة الثقافة العربية الراهنة بدرجة اكبر كثيرا عنها في المجال الداخلي‏.‏ ففي مجال السياسة الدولية يفرض الضعف نفسه علي صناع القرار العرب فيضطرون إلي ممارسة السياسة بغض النظر عن تقدير نوع وسلامة هذه الممارسة‏.‏ كما أن التعدد في الساحة الدولية أمر واضح بذاته ويستحيل اقتلاعه‏.‏ أما علي المستوي المحلي فإن النظم العربية الراهنة لم تقبل حتي الآن بالتعدد إلا في اضيق نطاق وهي تمارسه بطريقة تمثيلية أكثر مما تقدره قدره أو تعترف بضرورته لأنها لا تعترف في الداخل بالسياسة وليس لديها طبقة سياسية قادرة علي ادارة المجتمع الذي يزداد تعقيدا بمنهج وفنون السياسة‏.‏
ولكن ممارسة السياسة علي المستوي الدولي مازال في الجوهر مغلفا تماما بخطاب الحق والكرامة‏.‏ وكأن السياسة ليس لها مشروعية بذاتها‏.‏ وفي أسوأ الأحوال عندما تضطر الدولة العربية للمساومة أو التنازل أو التراجع فهي تخفي ذلك عن مواطنيها أو تسمي هذه التحركات بغير اسمائها أو تتعامل معها بمنطق الاعتذار لا منطق العلم والمعرفة بالضرورة‏.‏ وهذا بذاته كرس غياب مفهوم ومنطلقات ومهارات السياسة عن الوعي العام‏.‏ وينتهي الأمر بأن يحاكم الناس جميع تصرفات الدولة في الخارج من منظور الكرامة أو الحق وحدهما‏,‏ وتصبح الصورة كلها أقل كثيرا من مريحة وأبعد كثيرا عن أن تكون مسئولة وخاصة عندما يتعلق الأمر بالحرب والسلام‏.‏ نحن إذن بحاجة إلي الوعي بأهمية السياسة من حيث هي وظيفة اجتماعية جوهرية خاصة في العصر الحديث‏.‏ ولكن قبل أن نتحدث عن الموضوع باستفاضة خاصة فيما يتعلق بالشأن الداخلي ربما يجب أن نخوض في قياسات شتي لتقريب الفكرة إلي القراء‏.‏

قياسات دالة
يحفظ المهتمون بأمور الحرب و السلام عن ظهر قلب ما قاله كلاوزفيتز مؤسس علم الاستراتيجية الحديث إن الحرب هي سياسة بوسائل أخري‏.‏ وهذا مازال صحيحا لأن السياسة هي التي تحدد هدف الحرب‏.‏ ولكننا نستطيع ان نقول أيضا أن السياسة هي الصراع أو الحرب ـ بالمعني الكنائي للكلمة ـ بوسائل أخري‏.‏
ما أعنيه بذلك هو أنك تستطيع أن تفوز في صراع ما دون ان تحشد الجيوش أو تذهب إلي ساحة الحرب‏.‏ وكثيرا ما حدث ذلك في التاريخ‏.‏ وقد حدث لأن للسياسة آليات عمل كثيرة قد تغني عن الحروب‏.‏ وحتي لو أن طرفا ما متأكد من النصر في حرب فقد لا يفضل خوضها لأسباب كثيرة‏.‏ وعلي سبيل المثال ماذا ستكون فائدة النصر إذا خسرت الدولة امكانية التقدم لأن الإعداد للحرب حرم الاقتصاد تماما من كل الموارد لسنوات طويلة مقبلة؟ وماذا ستكون فائدة النصر إذا تكلف تحقيقه ارواح ملايين من المواطنين مثلما هو الحال في حالة استخدام أسلحة الدمار الشامل؟ ماذا ستكون فائدة نصر ما في معركة بعينها إذا أدت إلي تحالف مجموعة من الدول معا لضمان هزيمتك في حرب طويلة؟ والواقع أن الحرب رغم تكرارها المخيف في التاريخ هي الاستثناء وليس القاعدة‏.‏ ولو كان الأمر علي العكس لما بقت سوي دولة واحدة مستقلة في النظام العالمي الحالي أو القديم‏.‏
تعلم الناس منذ آلاف السنين أن الحرب ليست الطريقة الوحيدة لإحراز النصر‏.‏ وتعلموا أنه لا توجد حرب دون تكلفة قد تفوق قيمة النصر‏.‏ وتعلموا أيضا أن ضمان النصر أو تجنب الهزيمة ليس امرا يتعلق بالقوة العسكرية وحدها بل وليس أمرا يتعلق بمصادر القوة بجميع مجالاتها ومؤشراتها‏.‏
فلنترك جانبا مهارة القادة العظام في وضع الاستراتيجيات وإدخال التجديدات اللازمة للنصر في حروب لكل منها سماتها وظروفها‏.‏ ولنترك مؤقتا مهارة الضباط المتوسطين في القيادة والتكتيك ولنترك كذلك مدي حيوية التنظيم العسكري فنيا واجتماعيا‏.‏ ونحن نعلم أن هذه العوامل كان لها الدور الأكبر في تحديد المنتصر والمهزوم بأكثر كثيرا مما كان لدور الأسلحة أو عدد القوات‏.‏ بل ولنترك جميع مؤشرات القوة العسكرية لأنها في نهاية المطاف عامل واحد في تقرير مسار الصراعات الكبري‏.‏ فالحقيقة أن السياسة كانت وستظل المحدد الأول والأخير للنصر والهزيمة النهائية في الحروب وفي الصراعات التي تخوضها الدول دون حرب‏.‏
فمهمة السياسة كبديل للحرب هي محاصرة الخصم بقوي مادية ومعنوية تجبره علي التسليم أو قبول صفقة مقبولة‏.‏ ومهمة السياسة كإعداد للحرب هي أن تضمن ترتيب توازنات القوي علي نحو يجعل النصر هو الاحتمال الأرجح ان لم يكن مؤكدا‏.‏ وفي الحالتين يجب أن تضمن السياسة أن تجمع الدولة أكبر عدد ممكن من الأوراق الضاغطة وأو تحرم الخصم من أكثر أوراقه الضاغطة‏.‏ والسياسة هنا تهتم أيضا بتوسيع مجال الاختيار أمام الدولة و تضييق هذا المجال للخصم إلي درجة معينة‏.‏ فلا تضيق مجال الاختيار إلي حد يدفع الخصم إلي الحرب كاختيار وحيد الا اذا كان ذلك بقصد‏.‏ إذ يجب ان تفتح للخصم بابا للمساومة والحل السلمي للصراع يكون مناسبا للدولة‏.‏ فإذا اختار الحل العسكري أو العنيف في النهاية يجد نفسه محروما من دفاعاته ومن حلفائه أو انصاره المحتملين‏.‏

الشطرنج
السياسة تشبه هنا لعبة الشطرنج‏.‏ فأنت لا تذهب إلي قتل ملك الخصم مباشرة إلا بعد ان تكون قد حرمته من قطعة الأخري المهمة في استراتيجيته للفوز‏,‏ وتشبيه السياسة بلعبة الشطرنج مفيده أيضا لتأكيد جانب أخر وهو أهمية أن يكون للدولة استراتيجية لعب كبري وكذلك طائفة من التكتيكات التي تؤدي إلي كسر اجنحة الخصم أو صدارة قواته‏.‏ وربما نعود هنا إلي القول بأن السياسة هي الحرب بوسائل أخري‏.‏ فالحرب الذكية تقتضي استراتيجية عامة ومجموعة من المناورات التكتيكية التي غالبا ما تحتاج إلي خيال وإلي المعلومات الدقيقة وعنصر المفاجأة وأهم من كل شيئ إلي معرفة صحيحة بالمزايا النسبية لكل طرف في مواجهة الآخر‏.‏ فالحرب لا تقبل الخيالات والأوهام والخلط بين الرغبات والقدرات او بين الفرص والتمنيات أو بين الحسابات طويلة الأمد والمعطيات المباشرة للقوي‏,‏ والسياسة والحرب ينطلقان من المصلحة والحق ولكن هذه المعاني تترجم إلي أهداف ولا تمثل بديلا عن اللعب الذكر بمصادر القوة‏.‏ فإن كانت قوتك النسبية الآن لا تمكنك من تحقيق كل أهدافك أو ما تصبو اليه فليس هناك بديل عن تقسيم تلك الأهداف إلي أغراض مرحلية متتالية يتوافر لكل منها ما يكفي من القوة لإسنادها‏.‏ فإن تحقق غرض ذهبت إلي ما يليه وهكذا‏.‏ هذا هو ما تمليه الحكمة علي الضعفاء بالذات‏.‏
وفي السياسة والحرب يتصادف أن يحدث توازن نسبي بين القوي فيقع ركود طويل في الصراع لأن كل طرف يعجز عن حسمه لمصلحته ولكنه في نفس الوقت يرفض المساومة التي تعكس هذا التوازن‏.‏ وعندما يحدث ذلك لابد ان يعاد تخطيط اللعبة أو اعادة توزيع أوراق اللعب بحيث يدخل عنصر جديد يحرك التوازن لمصلحة طرف ما‏,‏ فإن لم يدخل عنصر جديد إلي ساحة العمليات الصراعية واستمر الركود فإن التكلفة النسبية تصبح العنصر المهم الذي قد يفضي في نهاية المطاف إلي تحريك الموقف‏.‏ وبوجه عام فإن الطرف الذي يملك قدرة أقل علي تحمل تكلفة الجمود هو من لديه مصلحة أكبر في إدخال عنصر جديد إلي ساحة العمليات أو اعادة تخطيط اللعبة‏.‏
السؤال الحاسم للسياسة في كل لحظة أو مرحلة بعينها هو ما إذا كان ما يملكه طرف ما من قوة يكفي لتحقيق ما حدده لنفسه من أهداف‏.‏ فإن كانت الاجابة سلبا فليس لدي هذا الطرف سوي اختيار من اثنين‏.‏ الأول هو أن يعكف علي تنمية ما لديه من قوة إلي ما يكفي لتحقيق أهدافه وإجبار المعارضين علي التسليم بها أو إلي ما يكفي لهزيمتهم أن كانت الحرب حتمية‏.‏ أما الاختيار الآخر فهو الهبوط بأهدافه في تلك اللحظة أو المرحلة إلي ما يتفق مع ما يملكه من قوة‏.‏ والسياسة تسأل هذا السؤال دون أن تتجاهل حقيقة أن الخصم قد يقطع الطريق علي عملية تنمية القوة بطريقة أو أخري مستثمرا ما لديه من مزايا نسبية‏.‏ وهنا يكمن جانب مهم من ذكاء السياسة علي مستوي يوميات الصراع‏.‏
فسوء الحساب السياسي ينتهي إلي نفس النتيجة التي يؤدي إليها سوي الحساب العسكري‏.‏ وأسوأ أنواع الحسابات هو إساءة الحساب السياسي والعسكري معا والعجز عن ـ أو عدم الرغبة في ـ تغيير ساحة عمليات الصراع بتأثير الجمود الفكري أو الأيديولوجي‏.‏ فسوء الحساب في الحالتين يؤدي إلي الهزيمة التي تدفع الدولة أو يدفع المجتمع تكلفتها لسنوات أو عقود وأحيانا قرون مقبلة‏.‏ والواقع ان ذلك ما حدث تاريخيا في حالة الصراع العربي الإسرائيلي‏.‏ كما أن ذلك ما قد يحدث للعراق إن لم تنجح في إجهاض المشروع العدواني العسكري الأمريكي بتوظيف مهارات وفنون السياسة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية