|
|
حين كتبت في هذا الموقع عن الحق في الحلم ثم أشرت في المقال السابق إلي حق الدعاء وحق الاستجابة كنت أنتظر بعض ما جاءني من تساؤلات, مما يحتاج إلي إيضاح. أعلم أن أي اختلاف عن النمط الموضوع لنا ــ في معظم أمورنا ــ هو أمر يثير القلق, وأحيانا الحذر, وكثيرا الرفض.... غير أن الكتابة في صحيفة يومية, في حيز محدود, ليس مطلوبا منها الإحاطة والتفصيل, بقدر ما يرجو صاحبها أن يسهم في تحريك للوعي والدعوة للتفكير.
الحديث عن حقوق الإنسان هو حديث حضاري طيب, وبرغم كل ما شاب هذا النشاط من شبهات, وبرغم التحفظات التي تثار بين الحين والحين عن الممارسات التي تسمي به, وعن السلطات والدول التي تتولي احتكار إصدار أحكامه من منصتها, والتي لا تتورع عن التمييز في التطبيق, فإن إيجابيات هذا النشاط تربو علي سلبياته عامة, ومع ذلك فلابد من إعادة النظر في أساساته وتطبيقاته علي السواء. الصعوبة في ذلك تنشأ من مصادر متعددة!
أولا: يتصور معظم الناس أن حقوق الإنسان هي ما سجل في مواثيق مطبوعة بحروف مكتوبة( أشهرها إعلان الأمم المتحدة في10 ديسمبر1947) مع أن المسألة أوسع من ذلك وأشمل, إنها جزء لا يتجزأ من الوجود البشري, كما خلقه الله في أحسن تقويم ما دام سبحانه قد كرمه بخلافته( ولقد كرمنا بني آدم) ثم تصدي هو لحمل الأمانة دون الجبال والسماوات والأرض( فحملها الإنسان) باكتساب الوعي, وارتياد مغامرة الحرية. من هذين المنطلقين: تكريم الله للبشر, وتصدي الإنسان لحمل الأمانة اكتسب الإنسان كجزء حقوقه.
ثانيا: يستتبع ذلك أنه ينبغي اعتبار المواثيق المكتوبة هي الحد الأدني لما يسمي حقوق الإنسان وأن تكون دراسة الطبيعة البشرية بما هي وبما تعد, هي السبيل الأمثل لتحقيق هذه الحقوق, خذ مثلا هذه الهيجة العلمية, وشبه العلمية, حول فك رموز الشفرة الجينية( الجينوم) إن أهم ما يمكن أن يترتب عليها لا يمكن في استنساخ بشر حسب مزاج وحسابات واحتياجات الاقوي( مثل كل تصنيع معاصر) وإنما ما يمكن أن يترتب علي هذا الاكتشاف من قراءة إمكانيات الإنسان العادي التي حرم من ممارستها لأنه لا يعرف أبعادها( مثل: حق الإبداع للعامة وليس فقط للموهوبين).
ثالثا: إن الحقوق الحقيقية هي التي تمارس علي أرض الواقع, وليست هي المرصودة علي ورق المواثيق, خذ مثلا حق التنقل المثبت في وثيقة الأمم المتحدة( المادة13) إنه حق لا ينبغي أن يقتصر علي حق السفر للخارج مثلا, إن كثيرا من البشر الأمريكيين لا يتمتعون بهذا الحق بعد السابعة مساء, لا يمكن مقارنة الرعب الذي يعيشه الأمريكي سائرا في الشارع بعد الثامنة مساء بما يتمتع به المصري وهو يسير في الواحدة صباحا علي كورنيش روض الفرج, أو في حارة السكر والليمون منفردا, ليس معه سوي نصف جنيه, وهو يصفر بفمه اول همسة( هذا ليس تصبيرا, للمقهور المصري, لكنه حق يمارس برغم كل شئ).
رابعا: إن حقوق الإنسان تنتمي إلي الأعراف والتقاليد, أكثر من انتمائها إلي مبدأ الشرعية, إن فلسفة القانون تشير إلي أسبقية العرف, وتوظيفه, وغائيته, قبل وبعد نصوص القانون.
خامسا: إن اختلاف الثقافات, طولا( تاريخا) وعرضا( جغرافيا) يلزم بوضع هيراركية عامة شاملة لهذه الحقوق هذا هو العدل الأمثل: فحق الإنسان أن يكون له وطن( جنسية: المادة15)( الفلسطيني مثلا) لابد أن يسبق حق الأمريكي أن يأكل الهامبورجر, أو أن يخرق ثقب الأوزون, أو أن يستثني جنوده من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية, ناهيك عن حق اليهودي في العودة إلي أرض لم يطأها لا هو ولا أجداده المعروفون, وفي النطاق الأضيق: لابد أن يأتي حق العمل والسكن والتعلم, قبل حق الرفاهية والتنزه.
*** كل هذا من حيث المبدأ, لكن هناك ما هو أهم من حيث التطبيق, مثلا إنه لا ينبغي أن تتولي مسئولية تنظيم التطبيق, ومتابعته والحكم عليه دولة واحدة, أو هيئة دولية موصي عليها بالفيتو, كذلك علينا أن نتعلم كيف نربي النشئ الإنساني علي الوعي بحقوقهم ليتميزوا بما كرمهم الله به بشرا سويا إن أخطر الخطر لا يكمن في أن يحرم إنسان من حقه, ولكن في أن ينكر عليه حقه أصلا, فينكره علي نفسه( العبيد والمرأة قديما, والشعوب المقهورة بالاستعمار الاستهلاكي الاستعمالي حديثا). إن الوعي بالحق لابد أن يظل في بؤرة انتباه كل كائن بشري, حتي لو لم يتحقق, حتي لو سلب منه بعد اكتسابه, حتي لو صنف بشرا أدني علينا أن نعي أنهما حقوقنا لمجرد أننا خلقنا بشرا, وليس لأنهم أصدروا لنا شهادة بحسن السير والسلوك بمقاييسهم. قيل وكيف كان ذلك ؟ الوعي بالحق؟ هذا ما سوف نعود إليه في المقال القادم. |
|
|
|
|
|