قضايا و اراء

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

حقوق الإنسان‏:‏ بين الإعلان والتطبيق
بقلم : أ‏.‏د يحيي الرخاوي

حين كتبت في هذا الموقع عن الحق في الحلم ثم أشرت في المقال السابق إلي حق الدعاء وحق الاستجابة كنت أنتظر بعض ما جاءني من تساؤلات‏,‏ مما يحتاج إلي إيضاح‏.‏
أعلم أن أي اختلاف عن النمط الموضوع لنا ــ في معظم أمورنا ــ هو أمر يثير القلق‏,‏ وأحيانا الحذر‏,‏ وكثيرا الرفض‏....‏ غير أن الكتابة في صحيفة يومية‏,‏ في حيز محدود‏,‏ ليس مطلوبا منها الإحاطة والتفصيل‏,‏ بقدر ما يرجو صاحبها أن يسهم في تحريك للوعي والدعوة للتفكير‏.‏

الحديث عن حقوق الإنسان هو حديث حضاري طيب‏,‏ وبرغم كل ما شاب هذا النشاط من شبهات‏,‏ وبرغم التحفظات التي تثار بين الحين والحين عن الممارسات التي تسمي به‏,‏ وعن السلطات والدول التي تتولي احتكار إصدار أحكامه من منصتها‏,‏ والتي لا تتورع عن التمييز في التطبيق‏,‏ فإن إيجابيات هذا النشاط تربو علي سلبياته عامة‏,‏ ومع ذلك فلابد من إعادة النظر في أساساته وتطبيقاته علي السواء‏.‏ الصعوبة في ذلك تنشأ من مصادر متعددة‏!‏

أولا‏:‏ يتصور معظم الناس أن حقوق الإنسان هي ما سجل في مواثيق مطبوعة بحروف مكتوبة‏(‏ أشهرها إعلان الأمم المتحدة في‏10‏ ديسمبر‏1947)‏ مع أن المسألة أوسع من ذلك وأشمل‏,‏ إنها جزء لا يتجزأ من الوجود البشري‏,‏ كما خلقه الله في أحسن تقويم ما دام سبحانه قد كرمه بخلافته‏(‏ ولقد كرمنا بني آدم‏)‏ ثم تصدي هو لحمل الأمانة دون الجبال والسماوات والأرض‏(‏ فحملها الإنسان‏)‏ باكتساب الوعي‏,‏ وارتياد مغامرة الحرية‏.‏
من هذين المنطلقين‏:‏ تكريم الله للبشر‏,‏ وتصدي الإنسان لحمل الأمانة اكتسب الإنسان كجزء حقوقه‏.‏

ثانيا‏:‏ يستتبع ذلك أنه ينبغي اعتبار المواثيق المكتوبة هي الحد الأدني لما يسمي حقوق الإنسان وأن تكون دراسة الطبيعة البشرية بما هي وبما تعد‏,‏ هي السبيل الأمثل لتحقيق هذه الحقوق‏,‏ خذ مثلا هذه الهيجة العلمية‏,‏ وشبه العلمية‏,‏ حول فك رموز الشفرة الجينية‏(‏ الجينوم‏)‏ إن أهم ما يمكن أن يترتب عليها لا يمكن في استنساخ بشر حسب مزاج وحسابات واحتياجات الاقوي‏(‏ مثل كل تصنيع معاصر‏)‏ وإنما ما يمكن أن يترتب علي هذا الاكتشاف من قراءة إمكانيات الإنسان العادي التي حرم من ممارستها لأنه لا يعرف أبعادها‏(‏ مثل‏:‏ حق الإبداع للعامة وليس فقط للموهوبين‏).‏

ثالثا‏:‏ إن الحقوق الحقيقية هي التي تمارس علي أرض الواقع‏,‏ وليست هي المرصودة علي ورق المواثيق‏,‏ خذ مثلا حق التنقل المثبت في وثيقة الأمم المتحدة‏(‏ المادة‏13)‏ إنه حق لا ينبغي أن يقتصر علي حق السفر للخارج مثلا‏,‏ إن كثيرا من البشر الأمريكيين لا يتمتعون بهذا الحق بعد السابعة مساء‏,‏ لا يمكن مقارنة الرعب الذي يعيشه الأمريكي سائرا في الشارع بعد الثامنة مساء بما يتمتع به المصري وهو يسير في الواحدة صباحا علي كورنيش روض الفرج‏,‏ أو في حارة السكر والليمون منفردا‏,‏ ليس معه سوي نصف جنيه‏,‏ وهو يصفر بفمه اول همسة‏(‏ هذا ليس تصبيرا‏,‏ للمقهور المصري‏,‏ لكنه حق يمارس برغم كل شئ‏).‏

رابعا‏:‏ إن حقوق الإنسان تنتمي إلي الأعراف والتقاليد‏,‏ أكثر من انتمائها إلي مبدأ الشرعية‏,‏ إن فلسفة القانون تشير إلي أسبقية العرف‏,‏ وتوظيفه‏,‏ وغائيته‏,‏ قبل وبعد نصوص القانون‏.‏

خامسا‏:‏ إن اختلاف الثقافات‏,‏ طولا‏(‏ تاريخا‏)‏ وعرضا‏(‏ جغرافيا‏)‏ يلزم بوضع هيراركية عامة شاملة لهذه الحقوق هذا هو العدل الأمثل‏:‏ فحق الإنسان أن يكون له وطن‏(‏ جنسية‏:‏ المادة‏15)(‏ الفلسطيني مثلا‏)‏ لابد أن يسبق حق الأمريكي أن يأكل الهامبورجر‏,‏ أو أن يخرق ثقب الأوزون‏,‏ أو أن يستثني جنوده من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية‏,‏ ناهيك عن حق اليهودي في العودة إلي أرض لم يطأها لا هو ولا أجداده المعروفون‏,‏ وفي النطاق الأضيق‏:‏ لابد أن يأتي حق العمل والسكن والتعلم‏,‏ قبل حق الرفاهية والتنزه‏.‏

‏***‏
كل هذا من حيث المبدأ‏,‏ لكن هناك ما هو أهم من حيث التطبيق‏,‏ مثلا إنه لا ينبغي أن تتولي مسئولية تنظيم التطبيق‏,‏ ومتابعته والحكم عليه دولة واحدة‏,‏ أو هيئة دولية موصي عليها بالفيتو‏,‏ كذلك علينا أن نتعلم كيف نربي النشئ الإنساني علي الوعي بحقوقهم ليتميزوا بما كرمهم الله به بشرا سويا إن أخطر الخطر لا يكمن في أن يحرم إنسان من حقه‏,‏ ولكن في أن ينكر عليه حقه أصلا‏,‏ فينكره علي نفسه‏(‏ العبيد والمرأة قديما‏,‏ والشعوب المقهورة بالاستعمار الاستهلاكي الاستعمالي حديثا‏).‏
إن الوعي بالحق لابد أن يظل في بؤرة انتباه كل كائن بشري‏,‏ حتي لو لم يتحقق‏,‏ حتي لو سلب منه بعد اكتسابه‏,‏ حتي لو صنف بشرا أدني علينا أن نعي أنهما حقوقنا لمجرد أننا خلقنا بشرا‏,‏ وليس لأنهم أصدروا لنا شهادة بحسن السير والسلوك بمقاييسهم‏.‏
قيل وكيف كان ذلك ؟ الوعي بالحق؟
هذا ما سوف نعود إليه في المقال القادم‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية