قضايا و اراء

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

هل يعرف القطاع الخاص المصري‏..‏ طريقه إلي آثارنا‏..‏؟
بقلم : محمد باشـا

حقا هو أمر خطير‏..‏ ذلك الذي سمعته في لندن‏,‏ بإعلان‏150‏ عالما وخبيرا في الآثار من مصر وبريطانيا والولايات المتحدة وسويسرا وأسبانيا‏,‏ أن أكبر وأهم مقابر وادي الملوك والملكات بالأقصر التي اكتشفت عام‏1817,‏ مهددة بالدمار في مدة تتراوح بين‏50‏ و‏100‏ سنة قادمة‏,‏ بسبب تعرضها لأخطار المياه الجوفية والسيول‏,‏ والتغيرات الجوية والبيئية التي أدت إلي تفكك صخورها وتحللها وسقوط جزء من سقفها‏!,‏ وهو الأمر المؤسف الذي تسبب في إغلاقها أمام الزائرين منذ عام‏1988,‏ إلا لنحو‏150‏ زائرا في اليوم‏!.‏
‏..‏ وحذر العلماء من أن استمرار هذا الوضع سوف يؤدي إلي حرماننا نحن المصريين وأجيالنا القادمة‏,‏ والملايين من العالم من مشاهدة هذه الآثار النادرة‏,‏ ومنها مقبرة سيتي الأول التي قال عنها مكتشفها جيوفاني بلزوني إنها من أروع مارأي‏.‏

‏..‏ وأمام هذه المخاطر التي تتعرض لها مقابر وادي الملوك انعقد في العاصمة البريطانية لندن مؤتمرا لمناقشة مشروع جديد بإنشاء أول متحف من نوعه في مدينة السادس من أكتوبر‏,‏ يماثل منطقة المقابر‏,‏ ويضم نماذج طبق الأصل لهذه الآثار‏.‏
‏{‏ ماهي أهمية المشروع‏,‏ الذي نراه يثير أربعة تساؤلات نطرحها علي المجلس الأعلي للآثار الذي يدرس هذا المشروع في الوقت الحاضر‏,‏ وذلك قبل أن يتخذ قراره بالموافقة أو الرفض‏..‏؟‏!‏
‏..‏ وفي البداية نلتقط أربعة حقائق عن المشروع‏,‏ من خلال شرح قدمه الدكتور جاب الله علي جاب الله مستشار وزير الثقافة‏,‏ والدكتورة فايزة هيكل رئيسة قسم المصريات بالجامعة الأمريكية‏,‏ والمصمم المعماري البريطاني مايكل مالينسون‏,‏ الخبير في تصميم المتاحف‏,‏ الذي يعمل في مصر منذ‏20‏ عاما في صيانة الآثار‏,‏ وكذلك مقدم المشروع رجل الأعمال الدكتور أحمد بهجت‏,‏ وتتمثل هذه الحقائق في التالي‏:‏

‏*‏ أولا‏:‏ المشروع عبارة عن انشاء متحف‏,‏ يطلق عليه متحف وادي الصحراء‏,‏ يضم نسخا من هذه الآثار طبق الأصل‏,‏ وستكون مقبرة سيتي الأول هي النموذج الأول‏,‏ كما يضم المتحف المدافن القديمة للأسرات التي إما أن تكون قد غمرت تحت مياه الفيضان‏,‏ أو تعرضت لخطر الزلازل‏,‏ كما يضم مقبرة توت عنخ آمون علي الرغم من أنها مازالت مفتوحة أمام الزائرين‏,‏ لكن دراسة حولها تشير إلي أن معدلات الرطوبة تهددها بالخطر‏,‏ وغيرها من آثار رمسيس وملوك الدلتا‏,‏ وسوف يتم توزيع هذه الآثار بمباني المتحف المقترح الذي سيقام علي شكل مطابق لمنطقة وادي الملوك‏.‏

‏*‏ ثانيا‏:‏ سيتم استخدام أحدث وسائل التقنية لعمل النماذج طبق الأصل‏,‏ وسوف يتم تجميع القطع الأثرية المتناثرة في العالم‏,‏ مستخدمة في ذلك الكراسات والرسوم الأصلية للمكتشفين والإستفادة من التكنولوجيا الحديثة المستخدمة في النسخ‏,‏ والتي تمت بها تجربة اقامة نموذج لكهوف تاميرا بأسبانيا‏,‏ التي كانت مهدمة وأصبح النموذج مزارا لأكثر من‏5‏ ملايين سائح بعد أن كانت الكهوف الأصلية مغلقة منذ سنوات طويلة‏,‏ لتهدمها‏,‏ علي حد ما أعلنته مندوبة أسبانيا في الندوة‏.‏

‏*‏ ثالثا‏:‏ اختير موقع لاقامة المتحف في احد تلال صحراء مدينة‏6‏ أكتوبر‏,‏ حيث تتشابه طبيعته البيئية مع منطقة وادي الملوك إلي حد‏,‏ كما سيتم تطويرها بالصورة التي تجعلها متطابقة ومتماثلة للموقع الذي اكتشفت فيه‏,‏ ولا تزيد المسافة بينه وبين المتحف القومي الجديد الذي يتم انشاؤه في الجيزة علي ثلاثة كيلو مترات‏,‏ ونحو‏6‏ كيلو مترات من أهرامات الجيزة‏,‏ ومن هنا يري الخبراء أن هذا الموقع فريد‏,‏ حيث يتوسط هذه المجموعة من الآثار المهمة‏,‏ التي تمثل مزارا للسائحين خاصة أن كنوز توت عنخ آمون سوف يتم عرضها بالمتحف القومي الجديد‏.‏

‏*‏ رابعا‏:‏ يتكلف المشروع‏12‏ مليون دولار‏,‏ وعند موافقة وزارة الثقافة والمجلس الأعلي للآثار عليه‏,‏ سوف يبدأ العمل في تصنيع نسخة طبق الأصل لمقبرة سيتي الأول خلال عامين‏,‏ ويكون مبني المتحف جاهزا لعرض نسخ وادي الملوك عام‏2004,‏ ويفتتح للزيارة عام‏2005‏

‏***‏
وقد أجمع العلماء علي أن المشروع يحقق الفوائد التالية‏:‏
عمل نماذج طبق الأصل لمقابر وادي الملوك المهددة بالاندثار‏,‏ وبذلك نحافظ إلي أطول مدة علي المنطقة‏,‏ باستمرار ترميمها وصيانتها‏,‏ وإتاحة الفرصة لمشاهدتها في النسخ التي سيضمها المتحف المقترح‏.‏
الاستفادة من أحدث ما وصل اليه العلم من تكنولوجيا في تسجيل هذه الآثار علي أجهزة الكومبيوتر بكاميرات تعمل بأشعة الليزر بواسطة خبراء من مصر وبريطانيا‏,‏ مما يتيح توثيقها‏,‏ من ناحية‏,‏ وخلق كوادر مصرية قادرة علي العمل في هذا المجال النادر‏.‏
تحقيق جانب اقتصادي مهم يجلب ايرادات جديدة‏,‏ من زيارة المتحف سواء من السياحة الاجنبية أو المحلية‏,‏ التي تشير الدراسات إلي أنها سوف تصل إلي عدة ملايين سنويا‏,‏ وسوف يخصص جانب من هذه الايرادات لوزارة الثقافة أو المجلس الأعلي للآثار‏,‏ يمثل دخلا جديدا‏,‏ تستفيد به في مشروعاتها دون المساس بحق القطاع الخاص المصري الذي نقدر وطنيته ودوره بالمشاركة في مثل هذه المشروعات القومية‏,‏ بفكر جديد ورؤية مستقبلية كاختياره هذه المرة قضية حماية وصيانة وتوثيق وتسجيل الآثار المصرية‏,‏ وتوسيع دائرة الاستفادة منها في تنشيط السياحة وزيادة الايرادات وخلق فرص عمل جديدة للشباب‏.‏

‏***‏
ودون أدني تأثير علي المجلس الأعلي للآثار الذي يدرس المشروع بموضوعية وخبرة أعضائه الذين يمثلون خلاصة من علمائنا وخبرائنا الأثريين‏,‏ وحرصهم البالغ علي حماية آثارنا‏,‏ وتوفير كل الوسائل أمام العالم لزيارتها‏,‏ والتعرف علي تاريخنا وحضارتنا التي تبهر العالم كله‏,‏ لايبقي أمامنا الآن إلا طرح هذه التساؤلات الأربعة ونأمل أن تكون تحت أعين أعضاء المجلس الموقر قبل اتخاذ قرارهم في هذا المشروع نقدمها الي الصديقين العزيزين الفنان فاروق حسني وزير الثقافة والاثري اللامع الدكتور زاهي حواس رئيس المجلس‏.‏
‏{‏ التساؤل الأول‏:‏ هل تعجز امكانيات الدولة في صيانة هذه المنطقة الأثرية المهمة‏,‏ وهل يصعب الاستفادة من معونات ومنح الهيئات الدولية المهتمة بالآثار مثل اليونسكو‏..‏؟

‏{‏ التساؤل الثاني‏:‏ هل من المصلحة أن تظل هذه المقابر مغلقة أمام السياحة الأجنبية والداخلية‏,‏ بسبب هذه الأخطار التي تتهددها وأدت الي اغلاقها منذ‏14‏ عاما‏,‏ إلا من عدد لايتجاوز‏150‏ فردا كل يوم وتضيع بذلك ايرادات يمكن أن تتحقق منها؟ أم أنه يمكن الاستفادة من فكرة هذا المشروع المقترح الذي يفتح الباب أمام السائحين لمشاهدتها بالمتحف‏..‏؟

‏{‏ التساؤل الثالث‏:‏ وهل من المصلحة أن تظل هذه المقابر غير مسجلة ولا موثقة وأن يحاصرها خطر الاندثار‏,‏ والحرمان من مشاهدتها كما حدث لمقبرة سيتي الأول التي تعد واحدة من الكنوز المنسية بسبب استمرار اغلاقها ؟

‏***‏
‏..‏ إن الخطر الذي استشعرته من توقع الدراسات اندثار آثارنا في هذه المنطقة الاثرية المهمة‏,‏ وتحذيرات العلماء‏,‏ يجعلني أطالب في حالة الموافقة علي المشروع بضرورة أن توضع الضوابط والاحكام التي تضمن للدولة الاشراف الكامل علي مثل هذه المشروعات‏,‏ والتي تضمن حقوقها وأجيالها المقبلة في ملكيتها بالكامل‏,‏ مع تحقيق المنفعة الاقتصادية لمنفذيها‏,‏ حتي نشجع القطاع الخاص علي الاستثمار في مثل هذه المشروعات إسهاما مع الدولة في حماية آثارنا‏,‏ حتي لانفاجأ بمن يطرح سؤالا رابعا‏,‏ أعترف أنه استحوذ علي تفكيري وأنا أغادر قاعة الكلية الملكية في لندن التي عقد بها المؤتمر الأول من نوعه‏,‏ وناقش خلاله خبراء العالم الاثريون المشروع الثاني من نوعه بعد مشروع كهوف التاميرا الاسبانية‏,‏ والذي أصبح ثالث مزار سياحي في اسبانيا منذ افتتاحه عام‏2001.‏
والسؤال هو‏:‏ هل ننجح في إنقاذ آثارنا‏..‏ أم نخضع لمن يمكن أن يزعم أن هذا المشروع هو اتجاه جديد الي خصخصة آثارنا‏..‏ وتاريخنا‏..‏؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية