تحقيقات

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

بعد مبادرة رئيس الوزراء
كيف تستعيد البنوك المليارات الضائعة

تحقيق‏:‏ سـيـد عــلي
ربما لا تأتي الفرصة مرة ثانية لرجال الأعمال الهاربين إذا لم يستثمروا مبادرة الدولة للعودة فورا‏,‏ أما المناورات وعمليات جس النبض وتضييع الوقت‏,‏ فلن تفيدهم‏,‏ علاوة علي أن وضع الشروط المسبقة لعودتهم تسهم في إثارة الرأي العام‏,‏ ذلك أنه حتي هذه اللحظة لم يستجب أي من الهاربين لدعوة رئيس مجلس الوزراء بالعودة وتسوية أوضاعهم‏,‏ كل ماهناك أن بعض كبار المحامين يسربون أخبارا عن قرب عودتهم ولكنهم يخشون من الإجراءات البوليسية والقضائية‏,‏ وبدا واضحا أن هؤلاء الهاربين قد رتبوا أوضاعهم بالخارج بعد تهريب المليارات التي حصلوا عليها بدراسات جدوي مضروبة وتواطؤ مع بعض المسئولين بالبنوك وعمليات إشهار إفلاس ظاهري أو عمليات جدولة وهمية‏.‏
إذا كان خبراء السياسة المصرفية والنقدية في مصر يؤكدون أن‏5%‏ من اجمالي القروض الممنوحة لرجال الاعمال أي‏15‏ مليار جنيه قد أصبحت ديونا متعثرة‏,‏ فإن صندوق النقد الدولي يعفي هذه النسبة من الحقيقة‏,‏ ويؤكد أنها نحو‏25‏ مليار جنيه علي الأقل‏,‏ وكما حدث في كبري الشركات الأمريكية من تواطؤ شركات المحاسبة بفبركة الميزانيات‏,‏ قامت بعض الشركات المحاسبية بالأمر نفسه في ميزانيات البنوك والثمن هو التجديد كل عام لهؤلاء المحاسبين من قبل مجالس ادارات البنوك‏.‏

وما بين دعوة الدكتور عبيد لعودة الهاربين ومنحهم فترة سماح اضافية واعادة جدولة الديون وبين الحكم الرادع في قضية نواب القروض‏,‏ تبقي التساؤلات عن المتعثرين من الداخل‏,‏ ولهذا لابد أن تكون المبادرة شاملة بفض الاشتباك مع البنوك وخاصة للمنتجين الشرفاء لأنه ليس من اقترض كمن سرق‏,‏ بل إن الحكومة نفسها متعثرة بعد أن وصلت ارقام الدين العام المحلي لارقام مفزعة وهي‏247‏ مليار جنيه‏.‏ وهي في كل الاحوال تحتاج إلي برنامج للاصلاح الاقتصادي الداخلي‏.‏
من جانبها رفعت البنوك‏853‏ قضية ضد الهاربين حتي نهاية العام الماضي‏,‏ كان نصيب بنك القاهرة منها‏260‏ قضية والأهلي‏183‏ قضية‏,‏ إلا أن ذلك لم يعف الهاربين من اتهام البنوك بأنها السبب الرئيسي في الازمة لأنها تغالي في اضافة مبالغ لاحصر لها تحت مسميات مختلفة واحتساب الفوائد‏.‏

ولأن مصلحة الضرائب عنصر حيوي وثيق الصلة بالتعثر‏,‏ فإن رئيسها طلعت همام أكد أن المصلحة ستحاسب علي الديون المتعثرة ضريبيا‏,‏ لأن المصلحة لايمكنها تحمل أخطاء البنوك‏,‏ أما مسألة الحكم علي الديون المستحقة بأنها ديون معدومة فهو أمر يخص القضاء وحده لأنه القادر علي تحديد ما اذا كان الدين معدوما أو قابلا للتحصيل‏,‏ وعلي هذا الأساس تنفذ المصلحة قرارها بإسقاط هذا الدين من حسابات البنوك‏.‏
وأضاف أن المصلحة تفرق بين أربعة أنواع من الديون هي الديون المعدومة والديون المشكوك في تحصيلها والرديئة والجيدة فالحكم الضريبي يختلف حسب صيغة كل نوع‏.‏

ويري الدكتور فؤاد شاكر الأمين العام لاتحاد المصارف العربية أن تعثر العملاء ظاهرة عالمية وليست محلية لكن المهم أن تكون القروض الممنوحة التي أصبحت متعثرة أو مشكوكا في تحصيلها لاتؤثر علي محفظة البنك نفسه ولاتدخل ضمن الخطر علي مصلحة البنك بحيث يتم إدراجها ضمن مخصصات البنك بميزانية نفقاته وأرباحه‏.‏
ويقول نبيل حشاد مدير المركز العربي للدراسات المالية والمصرفية‏:‏ إن العميل يتحمل جزءا كبيرا من التعثر لسعيه الدائم لحيل ملتوية في الحصول علي القروض بتقديم دراسات جدوي غير واقعية وعدم الخبرة المالية والإدارية والتسويقية الكافية وأحيانا يستخدم القروض في أغراض غير التي حصل عليها من أجلها كما أن البنك مسئول عن عدم متابعة العميل والتغاضي عن الدراسات المتعمقة لدراسات الجدوي‏,‏ كذلك تؤثر الظروف الاقتصادية ـ الركود ـ أثرا سلبيا علي تعاملات العميل‏.‏

وأضاف حشاد أن هناك حالتين للتعثر الأولي لعملاء ملتزمين تعثروا لظروف خارجة عن إرادتهم وبالتالي يمكن للبنك مساعدتهم وتعويمهم وانتشالهم من حالة التعثر‏,‏ أما الحالة الثانية فتخص العملاء الذين تعثروا بإرادتهم ونفد معهم صبر البنوك التي تلجأ لتصفية حساب العميل وملاحقته قضائيا‏,‏ وقد وضع البنك المركزي أسسا لحساب مخصصات الديون المتعثرة أو المشكوك في تحصيلها‏.‏
ويؤكد عبد البديع صادق مدير إدارة الائتمان ببنك قناة السويس أن التعثر حالة مرضية وليس كل مريض مصيره الموت ولايمكن وضع خط ثابت لعلاج جميع الحالات فهناك أمراض قابلة للشفاء‏,‏ مشيرا إلي أن لدي البنك ضمانات عينية ومادية تجاه العميل وعند التعثر تعمل البنوك علي تشغيل نشاطات العميل لارجاع أموالها‏,‏ حيث إن لكل حالة ائتمان عناصر الثقة والمخاطرة المحسوبة من أجل تحقيق الربح بشروط معينة‏.‏

ويحمل أحمد نصحي المدير العام بالبنك المركزي العملاء المتعثرين المسئولية لأنهم كانوا غير مرشدين في الانفاق وادارة أعمالهم وغياب المفاهيم والأساليب الاقتصادية السليمة عن تعاملاتهم وادارة أزماتهم وفشلهم‏.‏ وقال إن للائتمان قواعد أساسية منها منع البنوك من ضمان شراء العملات لسندات بالخارج وقد صدر هذا القرار من البنك المركزي قبل أن يقدم رامي لكح علي شراء سندات بأمريكا‏,‏ وأيضا ضرورة تطوير البنك لإدارة مخاطر الائتمان وتدفق البيانات عبر شبكة معلومات كبيرة ودقيقة تربط بين البنك المركزي وباقي البنوك الأخري‏.‏
وأكد ممدوح أبو علم المدير العام السابق لبنك مصر أمريكا أنه يوجد مانسبته‏50‏ إلي‏60%‏ من إجمالي الأموال المتعثرة مخصص بتقرير مراقب الحسابات‏,‏ وقال إن هناك مشكلة داخل البنوك خاصة بالعميل المتعثر أن البنك المركزي لايعتد سوي بالأصول السائلة أو القابلة للتسييل‏,‏ وأن بعض البنوك تعاملت مع عدد من العملاء بدون ضمانات أو ضمان اضافي كالعقار فالعرف المصرفي يؤكد أنه لايستطيع أي بنك أن يجنب مخصصات‏100%‏ لبعض المقترضين شديدي التعثر وعندئذ تسقط الأموال المتعثرة من ميزانية البنك وأرباحه السنوية‏.‏

ومن جانبها حملت الدكتورة نوال التطاوي وزيرة الاقتصاد السابقة ورئيس بنك الاستثمار العربي الأسبق البنوك سداد الائتمان الذي منحته للعملاء المتعثرين مشيرة إلي أن مسئولية البنوك سابقة في التحديد بدقة كبيرة للضمانات الواجب اتخاذها من العميل المقترض حرصا علي مصلحة أموال مودعيها ومساهميها‏.‏
أما الدكتور حمدي عبد العظيم نائب رئيس أكاديمية السادات فيكشف عن أسرار وخطورة المتعثرين بالقول عندما تكون القروض الممنوحة للعملاء بدون ضمانات حقيقية يستغل ذلك المتعثرون للهروب ولايستطيع البنك إعادة أمواله فيؤدي ذلك إلي انخفاض الارباح مما يؤثر علي المركز المالي سنويا للبنك بشكل لايقدر معه علي زيادة رأس المال ويقلل فرصته في التوسع أمام الاستثمار وأمام فرص جذب عملاء جدد‏.‏

القرض لايزيد علي‏50%‏
وأكد عبد العظيم أن البنك عندما يهمل الضوابط المصرفية وتعليمات البنك المركزي بألا يقرض للعملاء أكثر من‏50%‏ من قيمة المشروع وعدم المنح بدون حساب بالتأكيد يكون ما حدث من فساد ائتماني وضياع أموال المودعين والمساهمين نتيجة منطقية ومتوقعة بسبب عناصر الخلل الإداري الجسيم‏,‏ ومن جانبه أكد الدكتور مصطفي السعيد وزير الاقتصاد الأسبق أن الأموال الائتمانية الضائعة يتحملها المساهمون بالبنك‏,‏ ومجلس الإدارة حيث إن عملية الائتمان تنطوي علي المخاطرة‏,‏ والمسئولية تقع أيضا علي مدير البنك الذي وافق علي منح الائتمان المنطوي علي مخاطر غير محسوبة‏.‏

الجاد آخر من يهرب‏!‏
ويقول الدكتور ممدوح مختار أنه لايوجد رجل أعمال يترك مشروعه ويهرب مهما تكن الظروف‏,‏ فرجل الاعمال ومشروعه شخص واحد‏,‏ هو كقبطان السفينة والمسئول عنها مسئولية كاملة ومباشرة‏,‏ وآخر واحد مسموح له أن يغادرها وهو أيضا غيور بدرجة كبيرة علي مشروعه وجودة إنتاجه ولا يسمح أو يتسامح في أي تلاعب أو تخاذل ويقول إن مسئولية استرجاع القروض المتعثرة ليست في عنق العميل وحده بل يشترك معه في المسئولية مسئولو البنك الذين سهلوا حصوله علي هذه الأموال‏,‏ وتساءل علي نجم محافظ البنك المركزي الأسبق ورئيس بنك الدلتا الدولي لماذا حدث التعثر؟ هل خطأ من العميل أم البنك أم الدولة وقراراتها‏,‏ مشيرا إلي انتشار ظاهرة تكوين عدة شركات عائلية بأسماء مختلفة‏,‏ بغرض الحصول علي قروض جديدة‏,‏ فلجأ البنك المركزي إلي الحسابات المرتبطة باعتبارها شركة واحدة لمقترض واحد‏,‏ وهو مايتم عن طريق الاستعلام عن العميل من البنوك الأخري‏,‏ وأيضا لوحظ اتجاه بعض العملاء للاقتراض بالعملة الأجنبية بسبب انخفاض سعر الفائدة علي الدولار وارتفاعها علي الجنيه المصري وحدثت مشكلات بسبب عدم وجود موارد لتسديد العميل‏,‏ إلي جانب تغيير سعر الصرف وصدر قرار بعدم اقراض العميل بالنقد الأجنبي مادام لايوجد له حساب نقدي أجنبي‏.‏
ويتهم نجم إجراءات التقاضي بمددها الطويلة‏,‏ بأنها عامل سلبي في عدم إنهاء المشكلات المصرفية الائتمانية وبمساعدة المحامين يتمكن العملاء من رفع دعوي محاسبة مما يتطلب تدخل خبير‏..‏ فتأخذ القضية سنوات والهدف هو تعطيل الاجراءات فقط‏,‏ ومنها ايضا رفع العميل دعوي خيانة الأمانة ضد البنك بسبب توقيعه علي شيكات بنكية علي سبيل الائتمان ويشدد علي أن البنك يلتزم بعمل واجباته بدقة في أثناء تعاملاته مع العميل عن طريق إدارة الائتمان‏,‏ مشيرا إلي ماسبق وما طالب به المصرفيون بانشاء دوائر متخصصة للقضاء في البنوك‏,‏ وذلك لأن حجم القضايا البنكية كبير جدا وسوف يستغرق القضاء وقتا طويلا لدراسة القضية وأبعادها‏,‏ إلي جانب أن معظم القضايا تتحول إلي خبراء‏.‏

أين إدارات مخاطر الائتمان
وتفسر الدكتورة فائقة الرفاعي عضو مجلس الشعب ووكيلة البنك المركزي سابقا مايحدث في البنوك من تعثر وهروب العملاء بأنه نتيجة للتحايل علي القانون وفتح باب الرشاوي من قبل الطرفين المقترض ورجال البنوك‏,‏ وتنتقد عدم وجود إدارة مخاطر ائتمان في بعض البنوك لمتابعة تنفيذ المشروعات والتنبؤ بخطورة وضعها‏,‏ كما لاتوجد وظيفة المدقق الخارجي والاكتفاء فقط بمراقبة المستثمر الصغير‏,‏ وفي المقابل تتخوف البنوك من مراقبة الكبار‏.‏
ونتيجة للاستسهال كانت البنوك لاترهق نفسها بدراسات الجدوي وتأخر شيكات علي العميل لضمان حقها وتضغط بها في حالة التعثر من خلال الاخطارات الذي لايجد معه العميل مفرا من التسوية إما الدفع أو السجن‏,‏ مشيرة إلي أن استرداد البنوك لحقوقها من الهاربين لايتوقف عند رفع قضية داخلية‏,‏ وإنما بتصعيد الموقف دوليا حتي محكمة العدل الدولية‏,‏ لأن هناك اتفاقات لتسليم المجرمين عن طريق الانتربول‏,‏ وأضافت أنه لاخوف علي أموال المودعين في البنوك التي هرب مقترضوها ولن تضيع حقوقهم كما يظن البعض‏,‏ لأن لكل بنك مخصصات معدة للديون والازمات‏.‏

أنسب الضمانات
ولاتزال آراء الخبراء ومسئولي الادارات القانونية في البنوك متضاربة حول الضمانات المثلي التي تكفل حق الجهة المانحة عند العملاء وامكانية استردادها بطريقة أيسر وأسرع وأضمن عند تعثر العميل‏,‏ وطالب الخبراء بأن تكون هذه الضمانات نقدية‏,‏ غير أن مدحت الحصري المراقب بالبنك الوطني المصري يري أنه علي الرغم من أن القانون ينظر للرهن العقاري علي أنه أقوي الضمانات الا أن الواقع يؤكد انها أقل فاعلية لصعوبة اجراءاته عند محاولة تسييله‏,‏ بينما يري شرقاوي بكر المحامي أن أفضل الضمانات تتركز حول اتفاق الدراسة الائتمانية مع الواقع بحيث لايعتمد البنك علي مايقدمه العميل الذي يبالغ فيه‏,‏ وأن يقدم البنك دراسات بنفسه حول مشاريع العميل‏,‏ ويعتبر عبد العزيز حسوبة مدير عام الشئون القانونية بالبنك المصري لتنمية الصادرات أن أفضل الضمانات هي الوديعة تليها البضائع المرتهنة القابلة للتسويق‏,‏ ثم المحلات التجارية‏.‏
وأضاف‏:‏ أن العقار ليس وحده الذي تحيط به المشاكل عند التنفيذ‏,‏ بل إن المشكلة تبدأ عند امتناع القاضي عن اصدار الاذن بالبيع تاركا البنك الدائن يواجه قرار الرفض باجراء التظلمات أمام المحاكم ومايستلزمه ذلك من جهد ووقت يضيع علي البنك فرصة الحصول علي حقه‏,‏ في الوقت نفسه يؤكد أحمد آدم الباحث المصرفي أن الاقتصاد الاسلامي أوجد حلولا متعددة للضمان مثل المرابحة والمضاربة‏,‏ في حين يطالب الدكتور محمد جوهر مدير بنك الدلتا بتأسيس شركات لتقيم الضمانات بحيث تتناسب مع القيمة التسويقية للضمانات مع القروض الممنوحة‏.‏

موضوعات أخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية