ملفات الأهرام

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

خمسون عاما علي ثورة يوليو‏:‏ من التوازن الي المشاركة‏[5]‏
بقلم : د‏.‏ عبدالمنعم سعيد

قلنا إن الدول تلجأ في سياساتها الخارجية وسياسات أمنها القومي‏,‏ الي واحدة من ثلاث استراتيجيات‏:‏ الاعتماد علي الذات‏,‏ أو التوازن‏,‏ أو المشاركة واللحاق‏.‏ وقلنا أيضا إنه في الواقع العملي فإن الدول تسعي الي مزيج من هذه الاستراتيجيات‏,‏ ولكن واحدة منها تكون هي الغالبة والمسيطرة والحاسمة في لحظات الاختيار الكبري‏,‏ وقلنا ثالثا إنه بينما اعتمد محمد علي الكبير‏,‏ علي استراتيجية الاعتماد علي الذات‏,‏ فإن القرن الذي تلاه وحتي نهاية الحرب العالمية الثانية عرف بمحاولة القيادة والنخبة المصرية المشاركة واللحان من خلال تنظيم العلاقة مع بريطانيا العظمي في ذلك الوقت‏,‏ ولكن مع نهاية الحرب وانعقاد مؤتمر سان فرانسيسكو‏,‏ بدأت الدبلوماسية والسياسة المصرية في اتخاذ خطوات نحو استراتيجية التوازن‏,‏ وعندما قامت ثورة يوليو اعتمدتها كسياسة رسمية وتوسعت فيها‏,‏ وأضافت الي مفاهيمها العالمية‏.‏
والحقيقة أن مصر كانت واحدة من الدول القليلة المحظوظة التي وفرت لها استراتيجية التوازن موارد مادية ومعنوية لم تتوافر للغالبية العظمي من دول العالم الثالث الأخري‏,‏ وكانت مصر محظوظة بعد الحرب العالمية الثانية من زاوية الحصول علي المعونات الأجنبية‏,‏ وخلال الخمسينيات حصلت مصر علي المعونة الأمريكية من خلال برنامج النقطة الرابعة‏,‏ ثم بعد ذلك‏,‏ حصلت علي ما بين عامي‏1962‏ و‏1966‏ علي ما يساوي‏500‏ مليون دولار من معونات القمح‏,‏ ورغم التوترات الهائلة في العلاقات الأمريكية ـ المصرية لأسباب متنوعة‏,‏ حصلت مصر خلال الفترة من‏1946‏ الي‏1972‏ علي‏987‏ مليون دولار من المعونات الأمريكية المتنوعة‏,‏ بالإضافة الي معونات عسكرية وصلت في مجموعها الي‏32‏ مليون دولار‏,‏ وفي ذات الوقت كانت مصر تحصل علي معونات سوفيتية بالغة الأهمية لخططها التصنيعية والتنموية وبناء جيشها‏,‏ بحيث كانت تحصل وحدها علي‏30,9%‏ من كل المعونات الاقتصادية السوفيتية لدول الشرق الأوسط‏,‏ و‏49,1%‏ من المعونات العسكرية‏,‏ وقد بلغ إجمالي المعونات السوفيتية لمصر خلال الفترة من‏1953‏ الي‏1972‏ ما قدره‏967,4‏ مليون دولار‏,‏ بينما كانت المعونة العسكرية‏2,7‏ مليار دولار‏.‏

والحقيقة أنه لم يكن ممكنا للرئيس عبدالناصر‏,‏ أن يمضي في تنفيذ الخطة الخمسية الأولي‏(1960‏ ـ‏1965),‏ وتصنيع مصر وتحديثها بدون المعونات الأمريكية والسوفيتية معا‏,‏ وظهر ذلك واضحا عندما توقفت الخطط الخمسية المصرية للتنمية وجري تأجيلها بمجرد توقف المعونات الأمريكية‏,‏ وكان ذلك هو الوجه الآخر لاستراتيجية التوازن التي تحتاج لمعالجة دقيقة وحساسية فائقة‏,‏ فعندما يشعر الخصوم أو الخصوم المحتملون‏,‏ أن التوازن لم يعد توازنا وإنما اندماجا مع المعسكر الآخر‏,‏ وفي هذه الحالة تتحول الخصومة الي عداء كامل‏,‏ ومن المؤكد أن الظروف الدولية وحالة الحرب الباردة وتورطات القوي العظمي لعبت دورا في تحديد المواقف من السياسات المصرية خلال فترة الخمسينيات والستينيات‏,‏ ولكن أيا كانت تعقيدات الموقف‏,‏ فإن استراتيجية التوازن التي صعدت المكانة الإقليمية والدولية لمصر وولدت لها موارد مادية‏,‏ كانت هي ذاتها التي أدت الي احتلال مصر مرتين خلال عهد الرئيس جمال عبدالناصر‏,‏ وفي عامي‏1956‏ و‏1967,‏ وبينما نجحت الثورة في التعامل مع حالة الاحتلال الأولي من خلال تطعيم استراتيجية التوازن باستراتيجية أخري للحاق من خلال إقامة الجسور مع الولايات المتحدة‏,‏ ومن ثم الي دور ايزنهاور في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي‏,‏ فإنها لم تصادف ذات النجاح بالنسبة لحالة الاحتلال الثانية‏.‏

ومن الناحية الاستراتيجية البحتة‏,‏ فقد وضحت محدودية سياسات التوازن خلال تلك الفترة المهمة من التاريخ المصري ما بين عامي‏1967‏ و‏1973,‏ فخلال هذه الفترة توثقت العلاقات المصرية ـ السوفيتية‏,‏ كما لم تتوثق من قبل حتي وصلت الي معاهدة للصداقة والتعاون‏,‏ وكذلك تراجعت الخلافات العربية وتزايد التعاون العربي كما لم يحدث من قبل‏,‏ وفي نفس الوقت‏,‏ كان الموقف المؤيد لمصر بين دول العالم الثالث غير مسبوق‏,‏ ومع ذلك فإن التحرير لسيناء لم يحدث رغم أن مصر خاضت حرب الاستنزاف العظيمة‏,‏ التي كلفت إسرائيل خسائر كبيرة‏,‏ وانتهت الحرب بمشروع أمريكي ـ مشروع روجرز لوقف اطلاق النار والتسوية علي أساس تعديلات طفيفة للحدود ولذلك فإن الرئيس السادات بقدراته الفذة علي استخلاص الدروس والتعلم من الماضي وليس الجمود عنده‏,‏ كان يعلم تماما أن استراتيجية التوازن التي خاض حرب أكتوبر علي أساسها لن تكون كافية لإتمام التحرير ما لم يطعمها أولا‏,‏ ثم يستبدلها ثانية‏,‏ باستراتيجية المشاركة مع الغرب وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية‏.‏
والحقيقة أن كثيرين ظلموا الرئيس السادات كثيرا‏,‏ عندما اتهموه بإهدار نتائج حرب أكتوبر المجيدة‏,‏ وكان معني الاهدار لديهم ناجما عن القنوات التي فتحها مع واشنطن ووزير خارجيتها كيسنجر‏,‏ ولكن ذلك تحديدا كان هو الذي أدي الي الاستثمار الأمثل لنتائج الحرب‏,‏ وإلا لكان ممكنا ألا تختلف نتائجها كثيرا عن حرب الاستنزاف التي لا يتحدث أحد عن إهدار نتائجها بالاستجابة الي مبادرة روجرز‏,‏ وعلي أي الأحوال‏,‏ فقد كان التحول الجوهري في الاستراتيجية المصرية خلال الربع قرن الأخير ـ أي نصف عمر الثورة ـ هو الذي أدي الي التحرير الكامل للأراضي المصرية من الغزو والاحتلال الأجنبي علي مدي عشرين عاما‏,‏ لم تعرف مصر مثيلا لها منذ انهيار الدولة المصرية القديمة تحت سنابك خيل الغزو الفارسي‏.‏

وبالإضافة للتحرير وفرت استراتيجية المشاركة موارد هائلة لمصر في شكل معونات وقدرات تكنولوجية وأسواق لم تتوافر لها من قبل‏,‏ وكانت هذه المعونات الاقتصادية والعسكرية كبيرة بكل المعايير الخاصة بتلك الأيام‏,‏ ووصلت الي قفزة كبري لم تعرفها دولة من دول العالم الثالث بعد عودة العلاقة المصرية ـ الأمريكية وبدء عملية السلام المصرية ـ الإسرائيلية بعد حرب أكتوبر‏1973,‏ وبينما كانت المعونات الأمريكية لمصر خلال السبعينيات تأخذ أشكال منح وقروض فإنها اعتبارا من عام‏1985‏ أصبحت كلها منحا‏,‏ وخلال ربع قرن تقريبا بلغت قيمة المعونة العسكرية والاقتصادية الأمريكية لمصر ما يصل الي‏50‏ مليار دولار‏,‏ وكانت هذه المعونات محفزة لباقي دول الغرب واليابان لكي تعطي لمصر معونات بدورها وصلت الي بضعة مليارات‏.‏

والحقيقة أن دول الخليج العربية‏,‏ التي اتبعت استراتيجية المشاركة واللحاق منذ وقت طويل لأسبابها الخاصة‏,‏ قد سعدت بالتحولات في السياسة المصرية وسعت الي دعمها وتطويرها في اتجاه تغيرات إقليمية تخلق واقعا دائما للاعتدال‏,‏ هؤلاء تقدموا لمساعدة مصر كما لم يساعدوها من قبل‏,‏ خاصة بعد أن أتاح ارتفاع أسعار النفط موارد غير مسبوقة لها‏,‏ وكانت المعونات العربية لمصر قد بدأت مع مؤتمر القمة العربي في الخرطوم عام‏1967,‏ عندما أتاح لمصر معونات قدرها‏110‏ ملايين جنيه استرليني لتعويضها عن خسائر سببتها حرب يونيو‏1967,‏ ولكن عقب حرب أكتوبر‏,‏ وما بين‏1973‏ و‏1981‏ حصلت مصر علي معونات قدرها‏6,1‏ مليار دولار من المعونات الثنائية‏,‏ بالإضافة الي‏772,77‏ مليون دولار من المؤسسات الاقتصادية العربية‏,‏ ولكن ربما كانت أهم الموارد التي وفرتها البيئة العربية لمصر مشكلة في مظاهر كثيرة لنمو نوع ما من الاعتماد المتبادل‏,‏ نجمت عن نمو حجم العمالة المصرية في الدول العربية النفطية‏,‏ ورغم أنه ليس معروفا علي وجه التحديد العدد الدقيق لهذه العمالة خلال الربع قرن الأخير‏,‏ إلا أن المؤكد أن كم التحويلات المالية التي قام بها هؤلاء العاملون تتجاوز بكثير قدر المعونات الأمريكية لمصر خلال نفس الفترة‏,‏ واذا ما أضيفت الي ذلك الحجم المتزايد للسياحة العربية سواء ما تعلق بعدد الأفراد أو الليالي السياحية أو حجم الانفاق‏,‏ وكذلك أضيف مصادر التفاعل الأخري في مجالات الثقافة والتجارة‏,‏ فإن الاعتماد المتبادل العربي ـ المصري كان متصاعدا بكل المقاييس‏,‏ حتي بالمقارنة بالفترة التي كانت فيها فكرة الوحدة العربية والقومية العربية هي السائدة في السياسة المصرية‏.‏

ولكن العائد الاقتصادي لم يكن هو وحده الناتج عن استراتيجية المشاركة‏,‏ بل كانت هناك عوائد أخري لا تقل أهمية‏,‏ فقد كانت مصر في الجانب المنتصر في الحرب الباردة‏,‏ والحرب العراقية ـ الإيرانية‏,‏ وحرب الخليج الثانية‏,‏ وأصبح دورها فاعلا بأكثر من أي وقت مضي في إدارة عملية السلام والصراع في الشرق الأوسط‏,‏ وإعادة تشكيل المنطقة بكاملها‏,‏ وبالطبع فإن الدور هنا يقاس بحجم القدرة علي تغيير الواقع‏,‏ وليس بعلو الصوت وحجم الصياح حول مآسيه‏,‏ وقد كان ذلك حادثا ـ ولايزال ـ فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية‏,‏ ومهما تكن الحالة الحاضرة في العلاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية‏,‏ وما يمكن أن تبعثه من يأس‏,‏ فإن المشهد الذي أخذ فيه الرئيس حسني مبارك الرئيس عرفات من يده‏,‏ ليعبر خط الحدود الدولية الي فلسطين لأول مرة في تاريخ القضية‏,‏ فقد أثبتت الأيام أنه غير قابل للمراجعة مهما يكن عدد الدبابات الإسرائيلية وحجم نيرانها‏,‏ وللحديث خاتمة باقية عن المستقبل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية