|
|
 |
قلنا إن الدول تلجأ في سياساتها الخارجية وسياسات أمنها القومي, الي واحدة من ثلاث استراتيجيات: الاعتماد علي الذات, أو التوازن, أو المشاركة واللحاق. وقلنا أيضا إنه في الواقع العملي فإن الدول تسعي الي مزيج من هذه الاستراتيجيات, ولكن واحدة منها تكون هي الغالبة والمسيطرة والحاسمة في لحظات الاختيار الكبري, وقلنا ثالثا إنه بينما اعتمد محمد علي الكبير, علي استراتيجية الاعتماد علي الذات, فإن القرن الذي تلاه وحتي نهاية الحرب العالمية الثانية عرف بمحاولة القيادة والنخبة المصرية المشاركة واللحان من خلال تنظيم العلاقة مع بريطانيا العظمي في ذلك الوقت, ولكن مع نهاية الحرب وانعقاد مؤتمر سان فرانسيسكو, بدأت الدبلوماسية والسياسة المصرية في اتخاذ خطوات نحو استراتيجية التوازن, وعندما قامت ثورة يوليو اعتمدتها كسياسة رسمية وتوسعت فيها, وأضافت الي مفاهيمها العالمية. والحقيقة أن مصر كانت واحدة من الدول القليلة المحظوظة التي وفرت لها استراتيجية التوازن موارد مادية ومعنوية لم تتوافر للغالبية العظمي من دول العالم الثالث الأخري, وكانت مصر محظوظة بعد الحرب العالمية الثانية من زاوية الحصول علي المعونات الأجنبية, وخلال الخمسينيات حصلت مصر علي المعونة الأمريكية من خلال برنامج النقطة الرابعة, ثم بعد ذلك, حصلت علي ما بين عامي1962 و1966 علي ما يساوي500 مليون دولار من معونات القمح, ورغم التوترات الهائلة في العلاقات الأمريكية ـ المصرية لأسباب متنوعة, حصلت مصر خلال الفترة من1946 الي1972 علي987 مليون دولار من المعونات الأمريكية المتنوعة, بالإضافة الي معونات عسكرية وصلت في مجموعها الي32 مليون دولار, وفي ذات الوقت كانت مصر تحصل علي معونات سوفيتية بالغة الأهمية لخططها التصنيعية والتنموية وبناء جيشها, بحيث كانت تحصل وحدها علي30,9% من كل المعونات الاقتصادية السوفيتية لدول الشرق الأوسط, و49,1% من المعونات العسكرية, وقد بلغ إجمالي المعونات السوفيتية لمصر خلال الفترة من1953 الي1972 ما قدره967,4 مليون دولار, بينما كانت المعونة العسكرية2,7 مليار دولار.
والحقيقة أنه لم يكن ممكنا للرئيس عبدالناصر, أن يمضي في تنفيذ الخطة الخمسية الأولي(1960 ـ1965), وتصنيع مصر وتحديثها بدون المعونات الأمريكية والسوفيتية معا, وظهر ذلك واضحا عندما توقفت الخطط الخمسية المصرية للتنمية وجري تأجيلها بمجرد توقف المعونات الأمريكية, وكان ذلك هو الوجه الآخر لاستراتيجية التوازن التي تحتاج لمعالجة دقيقة وحساسية فائقة, فعندما يشعر الخصوم أو الخصوم المحتملون, أن التوازن لم يعد توازنا وإنما اندماجا مع المعسكر الآخر, وفي هذه الحالة تتحول الخصومة الي عداء كامل, ومن المؤكد أن الظروف الدولية وحالة الحرب الباردة وتورطات القوي العظمي لعبت دورا في تحديد المواقف من السياسات المصرية خلال فترة الخمسينيات والستينيات, ولكن أيا كانت تعقيدات الموقف, فإن استراتيجية التوازن التي صعدت المكانة الإقليمية والدولية لمصر وولدت لها موارد مادية, كانت هي ذاتها التي أدت الي احتلال مصر مرتين خلال عهد الرئيس جمال عبدالناصر, وفي عامي1956 و1967, وبينما نجحت الثورة في التعامل مع حالة الاحتلال الأولي من خلال تطعيم استراتيجية التوازن باستراتيجية أخري للحاق من خلال إقامة الجسور مع الولايات المتحدة, ومن ثم الي دور ايزنهاور في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي, فإنها لم تصادف ذات النجاح بالنسبة لحالة الاحتلال الثانية.
ومن الناحية الاستراتيجية البحتة, فقد وضحت محدودية سياسات التوازن خلال تلك الفترة المهمة من التاريخ المصري ما بين عامي1967 و1973, فخلال هذه الفترة توثقت العلاقات المصرية ـ السوفيتية, كما لم تتوثق من قبل حتي وصلت الي معاهدة للصداقة والتعاون, وكذلك تراجعت الخلافات العربية وتزايد التعاون العربي كما لم يحدث من قبل, وفي نفس الوقت, كان الموقف المؤيد لمصر بين دول العالم الثالث غير مسبوق, ومع ذلك فإن التحرير لسيناء لم يحدث رغم أن مصر خاضت حرب الاستنزاف العظيمة, التي كلفت إسرائيل خسائر كبيرة, وانتهت الحرب بمشروع أمريكي ـ مشروع روجرز لوقف اطلاق النار والتسوية علي أساس تعديلات طفيفة للحدود ولذلك فإن الرئيس السادات بقدراته الفذة علي استخلاص الدروس والتعلم من الماضي وليس الجمود عنده, كان يعلم تماما أن استراتيجية التوازن التي خاض حرب أكتوبر علي أساسها لن تكون كافية لإتمام التحرير ما لم يطعمها أولا, ثم يستبدلها ثانية, باستراتيجية المشاركة مع الغرب وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية. والحقيقة أن كثيرين ظلموا الرئيس السادات كثيرا, عندما اتهموه بإهدار نتائج حرب أكتوبر المجيدة, وكان معني الاهدار لديهم ناجما عن القنوات التي فتحها مع واشنطن ووزير خارجيتها كيسنجر, ولكن ذلك تحديدا كان هو الذي أدي الي الاستثمار الأمثل لنتائج الحرب, وإلا لكان ممكنا ألا تختلف نتائجها كثيرا عن حرب الاستنزاف التي لا يتحدث أحد عن إهدار نتائجها بالاستجابة الي مبادرة روجرز, وعلي أي الأحوال, فقد كان التحول الجوهري في الاستراتيجية المصرية خلال الربع قرن الأخير ـ أي نصف عمر الثورة ـ هو الذي أدي الي التحرير الكامل للأراضي المصرية من الغزو والاحتلال الأجنبي علي مدي عشرين عاما, لم تعرف مصر مثيلا لها منذ انهيار الدولة المصرية القديمة تحت سنابك خيل الغزو الفارسي.
وبالإضافة للتحرير وفرت استراتيجية المشاركة موارد هائلة لمصر في شكل معونات وقدرات تكنولوجية وأسواق لم تتوافر لها من قبل, وكانت هذه المعونات الاقتصادية والعسكرية كبيرة بكل المعايير الخاصة بتلك الأيام, ووصلت الي قفزة كبري لم تعرفها دولة من دول العالم الثالث بعد عودة العلاقة المصرية ـ الأمريكية وبدء عملية السلام المصرية ـ الإسرائيلية بعد حرب أكتوبر1973, وبينما كانت المعونات الأمريكية لمصر خلال السبعينيات تأخذ أشكال منح وقروض فإنها اعتبارا من عام1985 أصبحت كلها منحا, وخلال ربع قرن تقريبا بلغت قيمة المعونة العسكرية والاقتصادية الأمريكية لمصر ما يصل الي50 مليار دولار, وكانت هذه المعونات محفزة لباقي دول الغرب واليابان لكي تعطي لمصر معونات بدورها وصلت الي بضعة مليارات.
والحقيقة أن دول الخليج العربية, التي اتبعت استراتيجية المشاركة واللحاق منذ وقت طويل لأسبابها الخاصة, قد سعدت بالتحولات في السياسة المصرية وسعت الي دعمها وتطويرها في اتجاه تغيرات إقليمية تخلق واقعا دائما للاعتدال, هؤلاء تقدموا لمساعدة مصر كما لم يساعدوها من قبل, خاصة بعد أن أتاح ارتفاع أسعار النفط موارد غير مسبوقة لها, وكانت المعونات العربية لمصر قد بدأت مع مؤتمر القمة العربي في الخرطوم عام1967, عندما أتاح لمصر معونات قدرها110 ملايين جنيه استرليني لتعويضها عن خسائر سببتها حرب يونيو1967, ولكن عقب حرب أكتوبر, وما بين1973 و1981 حصلت مصر علي معونات قدرها6,1 مليار دولار من المعونات الثنائية, بالإضافة الي772,77 مليون دولار من المؤسسات الاقتصادية العربية, ولكن ربما كانت أهم الموارد التي وفرتها البيئة العربية لمصر مشكلة في مظاهر كثيرة لنمو نوع ما من الاعتماد المتبادل, نجمت عن نمو حجم العمالة المصرية في الدول العربية النفطية, ورغم أنه ليس معروفا علي وجه التحديد العدد الدقيق لهذه العمالة خلال الربع قرن الأخير, إلا أن المؤكد أن كم التحويلات المالية التي قام بها هؤلاء العاملون تتجاوز بكثير قدر المعونات الأمريكية لمصر خلال نفس الفترة, واذا ما أضيفت الي ذلك الحجم المتزايد للسياحة العربية سواء ما تعلق بعدد الأفراد أو الليالي السياحية أو حجم الانفاق, وكذلك أضيف مصادر التفاعل الأخري في مجالات الثقافة والتجارة, فإن الاعتماد المتبادل العربي ـ المصري كان متصاعدا بكل المقاييس, حتي بالمقارنة بالفترة التي كانت فيها فكرة الوحدة العربية والقومية العربية هي السائدة في السياسة المصرية.
ولكن العائد الاقتصادي لم يكن هو وحده الناتج عن استراتيجية المشاركة, بل كانت هناك عوائد أخري لا تقل أهمية, فقد كانت مصر في الجانب المنتصر في الحرب الباردة, والحرب العراقية ـ الإيرانية, وحرب الخليج الثانية, وأصبح دورها فاعلا بأكثر من أي وقت مضي في إدارة عملية السلام والصراع في الشرق الأوسط, وإعادة تشكيل المنطقة بكاملها, وبالطبع فإن الدور هنا يقاس بحجم القدرة علي تغيير الواقع, وليس بعلو الصوت وحجم الصياح حول مآسيه, وقد كان ذلك حادثا ـ ولايزال ـ فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية, ومهما تكن الحالة الحاضرة في العلاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية, وما يمكن أن تبعثه من يأس, فإن المشهد الذي أخذ فيه الرئيس حسني مبارك الرئيس عرفات من يده, ليعبر خط الحدود الدولية الي فلسطين لأول مرة في تاريخ القضية, فقد أثبتت الأيام أنه غير قابل للمراجعة مهما يكن عدد الدبابات الإسرائيلية وحجم نيرانها, وللحديث خاتمة باقية عن المستقبل. |
|
|
|
|
|