منذ اختيار الشعب السوداني الاستقلال عن مصر مطلع يناير1956, وهناك اتفاق ضمني علي أن علاقات البلدين, مصر والسودان, لها طابع خاص يميزها علي أية علاقات أخري بين مصر وباقي الدول العربية, فجنوب النيل الذي اختار الاستقلال كان لفترة طويلة من الزمن جزءا من الدولة المصرية, وهذه السمة التاريخية, التي تولد عنها حقائق اجتماعية عديدة لا توجد, كوشيجة اتصال وتفاعل, في حالة مصر وأي من الدول العربية الأخري, ويأتي عنصر المياه ليلعب دورا آخر فيما يسمي بالحالة الخاصة بين البلدين, والماء ببساطة هو الحياة, وبدونه لا يتصور مثل الوجود الراهن للشعب المصري بكل طموحاته في التنمية وتوسيع رقعة الأرض القابلة للسكني والمعيشة والاستزراع, وغير ذلك من جوانب الحياة الطبيعية المختلفة, وكلا البعدين التاريخي/ الاجتماعي والمائي, يمثلان الشق الأعظم مما يعرف بحالة ترابط الأمن القومي للبلدين, والأمن هنا لا يقتصر علي جوانبه الدفاعية والعسكرية, وإنما يشمل الأمن الذاتي العضوي بكل ما تعنيه الكلمة. إن هذه العناصر اللاحمة بين مصر والسودان, رغم قوتها واقتناع شرائح اجتماعية عريضة بها في كلا المجتمعين المصري والسوداني, إلا أن شأنها من حيث التطور والنمو والرعاية والديمومة, كشأن العناصر الحية الأخري التي تربط بين المجموعات البشرية المختلفة, إذ ثمة حاجة دائمة للرعاية والتطوير والحماية وإبعاد التدخلات غير المناسبة, وهنا فالمسئولية ليست علي جانب دون آخر, بل هي مسئولية مشتركة من كلا الطرفين, واذا توافرت النية لتطوير العلاقة لدي طرف بعينه ولم تقابل بنية مماثلة من الطرف الآخر, فالنتيجة المنطقية هي الفشل, دون أن يعني ذلك إعفاء الطرف الأول من مسئولية التدهور أو الجمود أو البقاء في المربعات الأولي للعلاقة.
هذه المقدمة ضرورية كمدخل للإجابة علي تساؤل يطرح نفسه, بحكم التطورات المتمثلة في توقيع اتفاق ماشاكوس, الذي ينطوي علي احتمال قوي للغاية بانقسام السودان الي دولتين, أو أكثر بعد نحو سبع سنوات من الآن, والتساؤل هو: كيف السبيل الي تطوير العلاقة بين البلدين والحيلولة دون وقوع الانفصال, وبالتالي الحيلولة دون الدخول في دوامة من التوتر الإقليمي الذي سيمس لا محالة مصالح مصرية عريضة, ما كان يتصور أحد أنها ستكون عرضة للاهتزاز علي هذا النحو الذي يتضمنه احتمال انفصال الجنوب وفقا لاتفاق ماشاكوس, وحقائق التدخلات الأجنبية القائمة في الجنوب والمؤكدة طوال الفترة الانتقالية المتوقعة. بداية تجب الإشارة الي أن وشائج التقارب بين البلدين علي النحو المشار إليه إيجازا, لم تمنع وجود فترات اتسمت بالتوتر الشديد, والتباعد في السياسات وغياب أدني حدود التنسيق في أكثر الأمور تداخلا, كذلك لم تمنع وجود قوي سياسية وتيارات فكرية داخل السودان ظلت تنظر الي العلاقة مع مصر كقيد علي ما اعتبرته حرية الارادة السودانية, وقد وصلت بعض الاتجاهات الي تحميل مصر الكثير من التدهور في أمور لم يكن لمصر أي يد فيها, ومن الأمثلة التي يقودها بعض الأخوة في السودان, أن عرض عمل فني مصري كمسلسل رأفت الهجان, قبل أربعة عشر عاما, في التليفزيون الحكومي, ولم تكن ثورة الانقاذ قد قامت بعد, كان سببا في اجهاض محاولة حكومية صرف عليها الكثير من الجهد والمال لتكوين فرقة مسرحية سودانية, تصادف أن عرضها الأول, رغم الدعاية الكثيفة, تزامن مع عرض الحلقة الأولي للمسلسل المصري, فانصرف المواطنون عن الفرقة الوطنية, لمشاهدة المسلسل المصري, ولم تقم للفرقة المسرحية السودانية قائمة, ويعكس هذا المثل الي جانب حكايات كثيرة أخري مشابهة, مدي الحساسية التي يتعلق بها البعض في السودان تجاه العلاقة المصرية ـ السودانية.
والفكرة الأساسية لدي هؤلاء تكمن في تحميل مصر قدرا أكبر من المسئولية عن التدهور الذي يصيب حياة قطاعات عريضة من السودانيين, وهو موقف يلغي المسئولية الذاتية ويشيع نوعا من الرضاء عن النفس, ولعل أحد المواقف السياسية الكبري المعبرة عن ذلك, ما حدث من حكومة السيد الصادق المهدي, وهي أول حكومة مدنية جاءت عبر الانتخاب, بعد اسقاط نظام الرئيس الأسبق جعفر النميري في ابريل1985, حيث عمدت الي تعطيل كل اتفاقيات التكامل المصري ـ السوداني التي وقعت إبان حكم الرئيس السادات ونميري عام1976 و1977, وكانت ـ الاتفاقيات ـ تعد بدرجة أعلي من التعاون بين البلدين, اذا ما طبق50% فقط مما ورد فيها علي الصعد السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها, وكانت حجة المهدي آنذاك أن تلك الاتفاقيات تذكر الناس في السودان بحكم ديكتاتوري وبتدخل مصري في الشئون السودانية, وبوقوف القاهرة أمام ما اسماه نضال السودانيين من أجل اسقاط نظام النميري, ومن ثم فإن الأفضل هو البدء من جديد, تمثل في عرض اتفاقيات الإخاء, التي لم تكن سوي بيان يعبر عن أمنيات لعلاقات جيدة بين بلدين جارين, وهكذا عاد الوضع التكاملي الي ما قبل نقطة الصفر بين البلدين.
ورغم أن الصادق المهدي, بعد هروبه فبراير1997 من الخرطوم, في ظل عهد الانقاذ, وكذلك حزب الأمة الذي يرأسه, تراجع عن تقويماته السلبية للدور المصري في السودان, سواء من الناحية التاريخية البحتة أو المعاصرة, فمن الصعب تصور أن كل السودانيين الذين اقتنعوا في السابق بأن مصر لها دورا سلبيا يتناقض مع طموحات السودانيين أنفسهم, قد غيروا تلك القناعات, ومن الصعب أيضا تصور أن الفترة السابقة, خاصة ما قبل عام1997, التي شهدت فتورا شديدا في علاقات القاهرة والخرطوم, لم تؤد الي بلورة قناعات لدي قطاعات كبيرة مضادة لمصر وللعلاقة معها, والواقع أن هناك رموزا كبيرة في السلطة في الخرطوم مشهود لها تقويمها السلبي للدور المصري, ومعروف عنها مقولات من قبيل تحرير الإرادة السودانية مما تعتبره التدخلات المصرية. هذا الواقع السوداني الجديد, لم ينشأ بين يوم وليلة, ولكنه تطور عبر مراحل مختلفة, عبرت بدورها عن غياب الآليات والسياسات التي يمكن لها أن تجسد الوشائج التاريخية والمصلحية الواسعة بين البلدين, وأن تحتوي بالتالي هذه التيارات السياسية المعاكسة أولا بأول, وهذا في الواقع بيت القصيد, فالسودان ليس مجرد حالة جوار وحسب, تنفع معه السياسات التقليدية التي تمارسها الدول المتجاورة تجاه بعضها البعض, إنه حالة جوار( بالمعني الجغرافي والتاريخي والاجتماعي والأمني) خاصة جدا, ومن ثم تتطلب بدورها سياسات خاصة جدا تتسم بالشمول والحيوية والديمومة والتطوير الشامل الذي لا يكل ولا يمل, ويعني هذا عدم الاكتفاء بالجوانب الحكومية الرسمية أو النظرة الأمنية المباشرة, وبالمقابل ضرورة توسيع مساحات التفاعل المصري السوداني رسميا وشعبيا دون قيود, ولعل مراجعة حصيلة الأداء المصري في السنوات القليلة الماضية, تكشف لنا أهمية مدي ضعف المردود, الذي كان من نتيجته المباشرة تلك المفاجأة الكبري المتمثلة في قبول حكومة الخرطوم مبدأ حق تقرير المصير واحتمال فصل الجنوب دون استشارة مصر أو اطلاعها علي حقيقة المطروح عليها في ماشاكوس, ك ما أن هذه المراجعة تقود الي نتيجة أخري مفادها الأهمية القصوي لإدماج الآليات الشعبية في أي تفاعل مصري ـ سوداني, علي أن يشمل كل ربوع السودان وليس فقط مدنه الكبري, ولعل الجنوب الذي بات مؤهلا ـ في ظل الاتفاق الأخير ـ أن يقيم علاقات خارجية حرة مع أي دولة وأي مؤسسة خارجية أو جهة غير حكومية, وبما سيحوله الي ساحة تنافس حقيقية بين الجهات التبشيرية الغربية والأمريكية, سيكون مؤهلا بدوره لأن يتلقي جهدا شعبيا مصريا خالصا, وهنا فإن تفعيل المنظمات غير الحكومية المصرية المهتمة بالشأن السوداني أو تقديم الخدمات الصحية والتنموية والدينية يبدو أمرا ملحا للغاية, ولا سبيل لتجاوزه, ولعل مؤسسة الأزهر والكنيسة المصرية, بكل ما يجسدانه من معان روحية وانسانية جديران بأن يلعبا دورا مهما في تدعيم الوشائج المصرية ـ السودانية في الجنوب كما في الشمال. واذا كانت هناك حاجة ماسة لمراجعة سياسات القبول للوافدين العرب في المعاهد والجامعات المصرية, ونزع كل القيود المالية وغير المالية لزيادة عدد هؤلاء الوافدين العرب, فإن الأمر يبدو ملحا أكثر وأكثر بالنسبة للوافدين من السودان, وكلنا يعرف أن التعليم هنا يعني بناء علاقات مستقبلية مع أجيال صاعدة في المجتمعات الأخري, وليس فقط تقديم خدمة العلم التي يمكن أن تتوافر لدي مصادر عربية وغربية مختلفة, ولعل توسيع رقعة المنح التعليمية المقدمة لأبناء السودان تعد الخطوة اللازمة والضرورية في عملية إعادة النظر هذه.
إن التحدي الذي ينطوي عليه انفصال الجنوب, بكل أبعاده الاستراتيجية والأمنية, لم يعد مجرد خيال أو تكهن نظري, لقد بات احتمالا شبه مؤكد, والمطلوب الآن من أجهزة الدولة المصرية أن تجتهد في منع هذا الاحتمال, واستغلال السنوات السبع المقبلة في تعميق العلاقات المصرية ـ السودانية, والمجال مفتوح لمزيد من السياسات الحيوية رسميا وشعبيا.
موضوعات أخرى |