|
|
ان مراجعة كتاباته ترينا انه كان يهتم- اساسا ـ بتعدد المعاني في النص لا تحديد نظام خاص به, او حرصا عليه من قبل, وهو ما يخرج به من صف الدارسين الاكاديميين للمناهج( التقليدييين) فهو لا يتوقف عند معالجة نقدية جامدة وهو ـ بالتبعية- لا يتوقف عند موضوعات جامدة عن المجتمع, وانما يخرج به الواقع من المناهج في انفتاحها علي العالم..عن المجتمع.. هذا ما اردده دائما كلما قرآت كتابا جديدا للدكتور جابر عصفور..
وهو ما اردده الآن وانا اطالع احدث كتاب صدر له اخيرا عن مكتبة الاسرة في باكورتها الاولي,. فما كدت ابدأ في قراءة كتابه( ذاكرة الشعر) حتي وجدتني منساقا ـ اول الامر عند هذا التكوين العقلي الذي يخضع له الناقد, وما كدت اغذ السيراكثر من المفتتح الي النص الاحيائي وشخصيات الوجدان ومجاوزه الرومانسية حتي وصلت الي فصله الاخير( عن امل دنقل) ادركت علي الفور انني اخرج من تلافيف هذا العقل الناقد الصارم الباحث عن( ذاكرة للشعر) الي تعاريف النقد الذي يلتزم به جابر عصفور
انه ناقد يدلف الي النظريات النقدية ولا يلبث ان يجاوزها الي ماورائها انه ـ باختصار ـ ناقد يحيا في عصر التنوير ويسعي اليه ومراجع كتابات هذا الناقد الكبير ترينا انه هجر العديد من القوالب النقدية الي نسق اكثر تحديثا. اننا ـ جميعا ـ عرفناه مدافعا عن عديد من القضايا التي تشغل المجتمع لا مدافعا عن متاريس نقدية قابعا فيها, ولعل قضية(الحسبة) التي شغل بها زمنا طويلا تؤكد لنا ان الناقد المثقف هنا هو المثقف الناقد هناك, فلا فارق بينهما في زمن يجب ألا يغرق قيه الناقد عن النظريات الجامدة دون ان يتنبه الي خطر الحاضر وتناقضاته
وهو ما دفعنا نسرع اكثر- كما قلت لنتمهل اكثر واكثر عند الفصل الاخير( عن امل دنقل) لنري كيف يصل الناقد الي وعي المثقف قبل ان يصل الي وعي الناقد او يصل الي ذاكرة للناقد قبل ان يصل الي ذاكرة للشعر
(2) ماكدت افتح الصفحات الاولي من الكتاب حتي لاحظت عبارة الاهداء( الي صديقي أمل دنقل في ذكراه التاسعة عشرة), ولم اكد امضي مع المفتتح مع عبارات من قبيل( الشعر ذاكرة الامة المحافظة وما تحويه الذاكرة بالاطار المرجعي او استرجاع الذاكرة الجمعية او تاكيد ان الخيال عمل من اعمال الذاكرة وماكدت امهل عند فصوله التي تبدأ من النص الاحيائي الي الرومانسية وما بعدها حتي لفت نظري الفصل الخاص بأمل دنقل( عن امل دنقل)
لقد شغل الكاتب طيلة الكتاب بالبرهنة علي تاكيد اشكاليات فنية او الكشف عن معضلات نقدية, لكنه لم يتوان من آن لآخر ان كان يتحدث عن قضايا خاصة ترينا ان من آن لاخر المنهج التراثي او المنهج الغربي ليصل بنا الي حقيقة لا تحتاج تاويلا غامضا, كما انه شغل بعديد من القضايا التنويرية التي ترتبط بالشعر من حيث انه شعر له هدف وليس بحثا عن بلاغة, البحث عن الوعي المعاصر وجدواه اكثر من البحث عن قوالب يلتزم بها الناقد هنا وهناك دون ان يسمح له هذا المنهج او ذاك بالخروج من الدلالة الفنية قط.. ومن هنا لاحظنا انه حين يتحدث عن مدرسة ابولو ـ علي سبيل المثال ـ لا يتردد في الاعتراف انهم- سعوا ليقيموا نوعا من العلاقة التي ينبثق فيها الجديد من القديم دون صراعات مؤلمة او معارك طاحنة. وكما تعاملوا سياسيا مع ديكتاتورية حكومة اسماعيل صدقي باشا التي اعتدت علي الدستور, وسجنت العقاد وطردت طه حسين من الجامعة تعاملوا فنيا, مع رموز السلطة الشعرية القائمة
لكن هذه ملاحظة لا تفيد دلالة تاكيد البنية الفنية او ـ حتي ـ البنية الدلالية في النص اكثر مما تفيد وعي الناقد الي الحركة الدائبة التي يجب ان تقوم بين الشاعر ـ علي سبيل المثال ـ وبين مجتمعه, فمهمة الشعر هي تحريك جبال الجمود والثورة علي التقاليد وعلي الميثولوجيا سواء اكانت اجتماعية او سياسية. كما انه ـ وهذا مثال آخر- في فصل خاص عن احمد حجازي عرج علي الوعي الفني في تطور الشاعر, بيد انه لم يتردد ان يتوقف طويلا عند اطوار المشروع القومي عند الشاعر في عدة مشاهد متوالية( قصيدة المشروع القومي) و(اوراس)و(تحول قصيدة المشروع القومي) و(تصاعد التحول).. مهتما بالدلالة مؤكدا انه سرعان مايتحول من الاطار الفني المغلق الي التطور الجديد. من الناحية الفنية الداخلية الي التحول الدلالي في الخارج
انه الوعي الذي يبلغ اقصاه عند الوصول الي امل دنقل.. ومن هنا فقد تحددعجبي في اهداء الكتاب منذ البداية الي امل دنقل, غير ان ذلك تبدد حين وصلت الي هذا الفصل( عن امل دنقل) انه البحث عن ذاكرة للشعر, لكنه ـ قبل هذا ـ بحث عن ذاكرة الناقد حيث يقدم لنا د. جابر عصفور شعر( الجنوبي) من مرحلته العمودية وتحولاته الرومانتيكية التي تمضي مع الواقع السياسي او تسبقه بمراحل الي طبيعة المشروع القومي الذي شغل به امل دنقل طويلا, او طبيعة التكوين الوطني الحاد للشاعر الذي اودت به صراحته ومباشرته الي شباك المرض والسقوط دافعا ثمنا غاليا لتمسكه بالاوليات الوطنيه والوعي الانساني..
وهو لا يتوقف بنا ـ الناقد ـ عن تاكيد الوعي التنويري ممتزجا بشدة بحزن شديد علي صديقه امل دنقل
(3) ان الناقد يسهب هنا عند الجانب الفني في شعر الجنوبي ويسهب اكثر عند الوعي الدلالي(لخطابه).. فرغم كل الاحباطات التي واجهت هذا الجنوبي فقد كان الحلم القومي يسيطر عليه, وهو حلم يتجسد في وطن عربي ترفرف عليه اعلام الحرية والعدل والتقدم, ويستعيد فيه المستقبل عظمة الماضي وامجاده:
كعنقاء قد احرقت ريشها لتظل الحقيقة ابهي وترجع حلتها في سنا الشمس ازهي وتفرد اجنحة للغد فوق مدائن تنهض من ذكريات الخراب
وهذه المدائن التي تنهض من ذكريات الخراب يذكرنا الناقد عندها ان امل دنقل قصد بها المدائن العربية التي ظل يغني لها* ابتداء من القاهرة العجوز وانتهاء بكل العواصم العربية, حتي لوكانت نقطة البدءوالمعاد هي القاهرة التي ظل مشدودا الي اصولها العربية, حيث جذور الهوية القومية. ويظل الناقد مسهبا في تطورات المشروع القومي عند امل دنقل وموقفه من الكارزمية التي كانت تتمثل في عبد الناصر, ويصور لنا تطورات هذا المشروع عبر لوحات كثيرة حتي يتوقف بوضوح وصراحة لافته عند مشهد بعنوان(ذكريات امل دنقل) فيتوقف تماما عند علاقته بالشاعر الجنوبي.
كان الهم الذي يسيطر علي الشاعر الجنوبي هو الهم الداخلي والخارجي, هو الهم الذي يمثل مزيجا من الرفض والمقاومةفي آن واحد, انه امام الفساد الداخلي المستشر لم يتردد ان يصيح في نهاية ديوانه:
آه.. من يوقف في رأسي الطواحين ومن ينزع من قلبي السكاكين ومن يقتل أطفالي المساكين لئلا يكبروا في الشقق المفروشة الحمراء خدامين/ مأبونين/ قوادين
وهو ينظر الي الخارج, فيرثي البلاد بالحزن الممزوج بالوجع الداخلي والخارجي, نقرآ هذا المقطع الجارح عام1970 للشاعر الجنوبي: الشمس( هذي التي تاتي من الشرق علي استحياء) كيف تري تمر فوق الشفة الاخري ولا تجيء مطفأة ؟
والنسمة التي تمر في هبوبها علي مخيم الاعداء كيف نري نسمها..فلا تسد الانف؟ اوتحترق الرئة وهذه الخرائط التي صارت بها سيناء عبرية الاسماء كيف نراها دون ان يصيبنا العمي؟ والعار.. من امتنا المجزأة؟
و(ذاكرة الناقد التي تكاد تغلب( ذاكرة للشعر) هنا تمضي في رصد سنوات الشاعر الاخيرة, حيث شهد مآساة الاوطان العربية, وهي مأساة مازالت مستمرة مع الاجتياح الاسرائيلي, والعنت الامريكي, والغربه لاطفال اهلنا هناك وهنا.. وما يسرد منها الناقد من احداث الستينات والسبعينات مازالت تتكرر, ويمنعنا ضيف المساحة من الاستطراد, وهو طويل طويل..
لا يعني هذا بالطبع ان الناقد يضحي بالجانب الفني لحساب الجانب الدلالي, وانما يؤثر, الا يقع صريع الجانب الفني وحسب, فيصبح غائبا عن المشهد العربي الماساوي الذي نعيش فيه جميعا.. ويصبح بعيدا عن الخطاب التنويري الذي لايجب فصله قط عن الجهد النقدي باية حال
ومهما يكن, نستطيع ان نجد في د. جابر عصفور ذلك الناقد الذي يجمع الي الوعي بالمناهج النقدية وعيا تنويريا ملازما للواقع متجاوبا معه, ومازلت اذكر في احدي الندوات الاخيرة ان جابر عصفور راح وهو يقدم لنا المتحدثين عن( ثقافة المقاومة) ان راح يقول- في الم وحزن شديدين عبارة(انني اشعر بالعار العقلي) وهي تعبير ينم عن الوعي التنويري الذي لا يصل بصاحبه حين يعرض لذاكرة الشعر او النثر او اي جنس ابداعي الي حافة الغموض او الجمود في وقت لا يحتاج فيه الواقع العربي الي غموض او جمود; او مغالطة..
|
|
|
|
|
|