الكتاب

42217‏السنة 126-العدد2002يوليو8‏27 من ربيع الآخر 1423هــالأثنين

الألمان يحذرون الأمريكان‏!!‏
بقلم : د‏.‏ فوزي فهمي

كانت ارادة العماء مسيطرة‏,‏ ولابد من الانعتاق للخروج من سجن الارادة العمياء‏,‏ التي تحول البشر الي ارقاء وممتلكات‏,‏ فطلب الناس الي الرجل ان يشمر عن ساعديه‏,‏ وينزل الي حلبة النضال ضد اصحاب الارادة العمياء‏,‏ لكن الرجل مع انه ضد الاستعباد كان ايضا ضد الحرب‏,‏ وتلك هي إشكاليته‏,‏ وعليه أن يتبني خيارا فالناس خلقوا متساوين‏,‏ ووهبوا حقوقا لا انتزاع لها منهم‏,‏ وإن من هذه الحقوق حق الحياة‏,‏ والحرية‏,‏ والسعي إلي السعادة‏,‏ غير أن تشخيص الواقع يؤكد أن هناك من مواطنيه أرقاء وعبيدا‏,‏ وفي الوقت نفسه وعلي الجانب الآخر‏,‏ فإن عشر نجوم من العلم المرتفع للولايات المتحدة‏,‏ تمثل عشر ولايات مستعدة لهدم كيان الاتحاد إذا حيل بينها وبين حق المتاجرة بدماء ولحوم هؤلاء الأرقاء‏,‏ وجموح الصراع يشير الي تعرض الاتحاد الفيدرالي للإنهيار والتفتت بل إنه سيصبح مهددا علي الدوام لقيامه علي الشرط المعلق‏,‏ أي إذا لم يخضع الاتحاد لتنفيذ ما تراه مجموعة من الولايات دون نقاش‏,‏ وبالمخالفة لحماية الدستور‏,‏ فسيتم الإكراه علي التنفيذ بالقوة أو التهديد بالانفصال‏,‏ وهو ما يولد الحرب أيضا‏,‏ وكان السؤال‏:‏ ماذا عليه أن يفعل لإنقاذ العلم والاتحاد من السقوط ممزقين الي الحضيض‏,‏ وبشرط أن يستعيد البشر الأرقاء حقوقهم المغدورة بسلطة العماء‏,‏ ودون خراب الحرب؟ بهذا المعني كان علي الرجل أن يقيم علاقة خلاقة ومنتجة وفعالة مع الراهن‏.‏ لا تغيب فيها قيمة وحقوق الإنسان‏,‏ ولا ينفي من الوجود‏,‏ أو يسقط الاتحاد‏,‏ وإن لم يفعل ذلك فإنه ينتهك قناعاته ويطعنها‏,‏ فاتخذ قراره بمقاومة العماء‏;‏ بالدخول من بوابة العمل السياسي العام‏,‏ في محاولة لطرح الفهم كمقاومة لتبديد العماء‏,‏ فرشح نفسه عضوا عن ولاية ألينوي في مجلس الشيوخ‏,‏ ووقف قبالة الجماهير في مناظرة مفتوحة لمواجهة خصوم الحرية والديمقراطية يعلن‏:‏

ـ إنني أحذركم وأحذركم‏,‏ فأنتم حين تستعيدون أيا من إخوانكم في البشرية‏,‏ وتجردونه من إنسانيته‏,‏ عندئذ كيف ـ إذن ـ تكفلون أن العفريت الذي خلقتموه لا يرتد عليكم ويمزقكم؟ إنكم إذ تضعون شروطا للحرية تتحملون ـ أنتم وحدكم ـ عاقبتها الوخيمة‏,‏ إنني لا أبشر بالحرب‏,‏ لكن كل ما أفعله هو أنني أصر علي ذكر الفضائل الأساسية التي تتحلي بها ديمقراطيتنا التي جعلتنا كبارا‏,‏ وسوف تجعلنا أكبر‏,‏ هذه الفضائل هي اليوم في خطر‏,‏ إذ ليس هذا المبدأ إلا دليل اللا مبالاة إزاء الشر والفساد‏,‏ ويسلب جمهوريتنا نفوذها الحق في العالم‏,‏ ويسمح لأعداء المؤسسات الحرة في كل مكان أن يتهمونا بالدجل والمراءاة‏,‏ ويجعل أصدقاء الحرية الحقيقيين أن يشكوا في إخلاصنا‏,‏ ويدفع الأخيار منا إلي الحرب ضد الأسس التي تقوم عليها حريتنا‏.‏
كشف الرجل ـ إذن ـ للعقول والأذهان عن عورة مأزق التناقض بين الراهن المؤسسي المنتج للضلال والشرور‏,‏ وبين مفهوم حق الإنسان المفتوح علي الشمول من دون استعباد أو استثناء لعرف أو دين لأن جميع الناس خلقوا متساوين‏,‏ وليس في وثيقة الاستقلال أي استثناء لهذا المبدأ‏,‏ فإذا ما استثنينا الزنوج اليوم‏,‏ فقد نستثني الأجانب غدا‏,‏ والكاثوليك واليهود‏,‏ ولاشك أن التصدي لهذا الحمق والجنون والغطرسة‏,‏ أمر ضروري لرفع الغشاوات التي تحجب الأذهان عن رؤية أن التمييز في تعريف الحرية بين طبقة وأخري‏,‏ أو عرق وآخر‏,‏ لا يصح البتة‏,‏ وما من دولة يمكن أن تدوم إلي الأبد بحكمها الإقرار بحق أن يمتلك البشر البشر كما تمتلك الأنعام‏.‏

تأسس منطلق الرجل في تصديه للاستعباد أيا كان نوعه‏,‏ علي أن الديمقراطية نجحت في إثبات أن حرية النقاش‏,‏ الذي يوسع إمكانات الفهم تخصب السماح بالاتفاق‏,‏ بل المهم أن الديمقراطية أيضا هي صمام أمان كإجراء للحفاظ علي السلام‏,‏ وتحت وقع هذه الأسباب لم تعد تتجاذب الرجل أو تتنازعه إشكالية طرفاها يتناقضان‏,‏ طرفها الأول إنه ضد الاستعباد والنزعة اللا إنسانية التي تخترق حق الحرية للبشر جميعا‏,‏ وطرفها الثاني أنه أيضا ضد الحرب التي تعود بالخراب والدمار كوسيلة لإقرار حق الحرية‏,‏ وكان خوفه أن الطرف الأول قد يستدعي الطرف الثاني بالاحتمال أو الرجحان‏,‏ لكن إيمانه بالديمقراطية في تداول الآراء بين الاتجاهات المتعارضة عمق لديه إمكانية رفع التناقض‏,‏ وشكل له حلا لصراعه الداخلي المتوتر‏,‏ واستوفي لديه شروط النضال‏,‏ يعضده عقل ضابط‏,‏ قناعته بالعدالة والمساواة والإنصاف والسلام لا تعاني عجزا أو استعصاء‏,‏ ونجح الرجل ـ بجدارته ومصداقيته ـ في أن يلتف حوله المؤيدون‏,‏ وصارت شعبيته محط الأنظار‏.‏ علي الفور تسلل إليه قناصة العمل السياسي وتجار المصائر‏,‏ فتوسلوا بآليات التأثيم لنزعة الاستعباد وبيع البشر‏,‏ ثم بدهاء راحوا يحاولون استمالته إلي مصالحهم بالتواطؤ للإندراج معهم بإطلاق أيديهم في أعمالهم علي حساب حقوق مشروعة للآخرين إذا فاز في الانتخابات‏,‏ أي أنهم يطرحون مشروع اتفاق ومقايضة يتم بين مسوقين‏,‏ حصاده الاكتساب والتحصيل لكلا الجانبين‏,‏ وهو في حقيقته مشروع إقرار بعبودية الأفكار والمواقف والآراء‏,‏ وبمعني أوضح‏,‏ إن إبرام الاتفاق يعني تجريد الرجل من مسئوليته المعلنة‏,‏ وفصم إيمانه بالديمقراطية‏,‏ وامتصاص دوره في لعبة الكذب السياسي بالابتزاز أو الإغراء لاختزال مساحة حريته وخضوعه لعبودية خفية‏,‏ حدها يقوم علي استعباد الرأي والموقف والتوجه‏,‏ وتكريسها لمصلحة فئة مهما تكن شرعية حقوق الآخرين‏,‏ وذاك هو الإجهاض بعينه الذي يصادر في الخفاء‏,‏ ويدمر مشروعه القائم علي حد الحرية التي لا تتجزأ جسدا وعقلا وسلوكا ولأن الرجل كان يدرك آليات الفساد السياسي‏,‏ وألاعيب المفسدين للديمقراطية‏,‏ فقد رفض ببساطة مفتوحة علي النسيان ما عرضوه‏,‏ معلنا أنه ضد كل أنواع الرق والاستعباد‏,‏ مؤمنا بالنظام الديمقراطي‏,‏ كنظام يفسح المجال أمام الجميع‏,‏ ويعطيهم الأمل‏,‏ ويبعث فيهم النشاط والتقدم دون تمييز‏.‏ لكن لم يفقد قراصنة الفساد السياسي الأمل في أن الرجل يمكن تحت وسائل الإغراء والمجاذبة وتشابك الأزمات‏,‏ أن يقع في شباكهم وينصاع‏,‏ فكان رهانهم علي انتخابه لشعبيته‏,‏ انتظارا لتأثير المجاذبة‏,‏ حيث يصبح الصياد فريسة للقناص‏.‏

نجح الرجل عبر صناديق الانتخاب‏,‏ وتعاظم شأنه بعيدا عن كل مسارات امتدادات آليات الاستهواء‏,‏ متخطيا كل طرق الألغام التي تسعي إلي تحويل دفة إدارته للأمور وفقا لقناعاته‏,‏ وأصبح رئيسا للولايات المتحدة عندئذ أدرك أنه علي عتبة العبور إلي معركة الانتكاس التي يقودها المناوئون والمتربصون‏,‏ قراصنة العمل السياسي الذين يفككون الديمقراطية لتفسد وتنهار‏,‏ وتصبح غير قابلة للبقاء‏,‏ وذلك بالتسلل والتسلط عليها‏,‏ ومحاصراتها بآليات الحقن لتوليد عبودية الأفكار والآراء بدلا من عبودية الأجساد‏,‏ وعشية ذهابه إلي مقر الرئاسة‏,‏ وقف في محطة القطار يلقي خطابه للناس‏:‏
لقد كسبنا الديمقراطية‏,‏ وبقي الآن ان نسأل أنفسنا ما إذا كانت صالحة للبقاء‏,‏ لقد أصبح علينا أن نواجه يوم اليقظة المخيف إذ تبددت الأحلام‏,‏ علينا أن نسلم أن مثلنا العليا في الحرية والمساواة بدأت تتحلل‏,‏ وفسدت وآلت إلي الهلاك‏.‏

وتعني هذه الكلمات استكمال رحلة النضال للمحرر العظيم إبراهام لنكولن‏,‏ في صورة علي المجاز الفني صاغها الكاتب الأمريكي روبرت شيروود عام‏1938‏ في مسرحية بعنوان إبراهام لنكولن في ألينوي‏,‏ حيث تشكل خارطة أحداثها أن مفهوم الدفاع عن حقوقا الزنوج في الحرية‏,‏ إنما هو في الأساس دفاع عن مفهوم الديمقراطية‏,‏ ليس فقط كنظام لاختيار الحكام‏,‏ ولكن لأن هدف الحكم الديمقراطي تعزيز الحرية لمجتمع يحمل مواطنوه حقوق متساوية‏,‏ ويؤمن لهم نظامهم الديمقراطي هذه الحقوق من الانتهاك ترسيخا للسلام‏,‏ كما تفصح خارطة الأحداث أن عماد مفهوم الديمقراطية أنها تلتزم بمرجعيات في مواجهة القضايا الخلافية والأزمات بأن تناقش بلغة ديمقراطية نظيفة‏,‏ عن طريق مناظرات ديمقراطية مفتوحة وكاشفة‏,‏ من دون فرض لرأي بالقوة‏,‏ أو تهديد باستخدامها‏,‏ وأن عدم الالتزام بمرجعيات الديمقراطية يسمح بانتهاك الديمقرطية من جانب جماعات تكرس أنفسها بتصميم علي سوء استعمال حقوق الآخرين‏,‏ انقلابا علي الديمقراطية‏,‏ لترسيخ التميزات والتعصبات لحساب مصالح فئة أو مجموعة هدفها الافتئات علي الحقوق المشروعة للآخرين فيخترقون الديمقراطية بعبودية الأفكار والمواقف والآراء‏,‏ فتنطفيء شعلة الديمقراطية والعدالة والمساواة‏.‏

هذه العبودية للأفكار والآراء التي واجهت المحرر العظيم إبراهام لنكولن عام‏1860‏ وأدرك خطورتها علي الشأن السياسي العام‏,‏ كانت أحد محاور انتقاد الوثيقة الألمانية التي وقعها مائة من المثقفين الألمان‏,‏ ونشرت في صحيفة فرانكفورت اليومية في الثاني من مايو عام‏2002,‏ تحت عنوان عالم العدالة والسلام سوف يكون مختلفا‏,‏ كرد علي وثيقة المثقفين الأمريكيين الستين‏,‏ حيث نددت وثيقة المثقفين الألمان بعبودية الافكار والاراء وآليات الحقن التي تمارسها السلطات الأمريكية علي كل المستويات فتخاطب الوثيقة الالمانية الامريكيين‏,‏ ويعلن موقعوها إننا يعترينا الإحساس بالقلق عندما نري شخصيات بارزة في حاشية رئيس دولتكم تطالبنا في عدوانية متزايدة نحن الأوروبيين بالخضوع والطاعة التامة لأمريكا‏,‏ بل ان هذه الشخصيات البارزة تحاول ان تخنق الأصوات الناقدة التي تنبعث من اوروبا عن طريق الابتزاز الرخيص‏,‏ إن كثيرا منا هنا في أوروبا ينظرون الي ذلك علي انه حرمان لنا من حقنا المشروع في ان نقرر بانفسنا ولأنفسنا ما نريد أن نفعله‏,‏ ومن المؤسف أن الطبقة السياسية في اوروبا لم تستوعب ـ حتي الآن ـ بوضوح أن خضوعها المزري والمخجل للقوة العظمي المسيطرة علي العالم يعتبر سياسة لا طائل من ورائها‏,‏ ولا أمل فيها‏,‏ وأن ذلك الخضوع سوف يخلق مناخا صالحا لإثارة الغليان والشغب من قبل قوي اليمين الراديكالي‏,‏ ومن دواعي قلقنا ايضا‏,‏ ذلك النفوذ المتنامي الذي تمارسه القوي الأصولية في الولايات المتحدة علي الصفوة السياسية في بلدكم‏,‏ والذي يمتد وينبسط إلي كل مكان حتي بات من الواضح أنه بلغ البيت الأبيض‏,‏ هذا الأمر خليق بأن يستثير نزعة التطرف والغلو في المشاعر والنزعات القومية‏,‏ والفاشية عليكم ـ أيها السيدات والسادة ـ أن تكونوا علي يقين من ان جماعية الفكر‏,‏ وتراث الحرية الذي تمتلكه بلدكم لن يتقوضا بدعوي الحرب ضد الإرهاب‏,‏ عليكم أن توقفوا زحف العقلية الأصولية وتقدمها في الولايات المتحدة‏,‏ إن تلك القيم الأمريكية التي تشيرون إليها بالبنان في فخر واعتزاز تتعرض للامتحان والابتلاء‏.‏

وكأن كلمات إبراهام لنكولن سواء علي الحقيقة أو بصورتها علي المجاز كما صورها الكاتب الأمريكي روبرت شيروود حاضرة في وثيقة المثقفين الألمان‏,‏ بل كأن المثقفين الألمان أيضا قد أدركوا أن قراصنة الاستبداد السياسي‏,‏ وتجار المصائر‏,‏ دعاة استعباد الأفكار والعقول‏,‏ الذين راهنوا علي إبراهام لنكولن عام‏1860,‏ قد عادوا وكسبوا الرهان لإطفاء شمعة الديمقراطية والعدالة والمساواة‏,‏ حتي لم تعد بعد صالحة للبقاء لم يجد إذن تحذير إبراهام لنكولن المحرر العظيم من عبودية الأفكار افتراه يجدي اليوم تحذير المثقفين الألمان‏!!‏ أم الحقيقة والفن في تحذيرهما لا يجديان؟‏!.‏
أم يا تري هل ينشط احتفال الأمريكيين بيوم الاستقلال ذاكرتهم‏,‏ فيدركوا غياب القيم التي ناضل من اجلها محرروهم‏,‏ ويروها وهي تتراجع علي أرضها بالذات‏,‏ فينتبهوا لتحذيرات دعاة الحرية والاستقلال من الألمان وغيرهم‏!!.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية