|
|
 |
كانت ارادة العماء مسيطرة, ولابد من الانعتاق للخروج من سجن الارادة العمياء, التي تحول البشر الي ارقاء وممتلكات, فطلب الناس الي الرجل ان يشمر عن ساعديه, وينزل الي حلبة النضال ضد اصحاب الارادة العمياء, لكن الرجل مع انه ضد الاستعباد كان ايضا ضد الحرب, وتلك هي إشكاليته, وعليه أن يتبني خيارا فالناس خلقوا متساوين, ووهبوا حقوقا لا انتزاع لها منهم, وإن من هذه الحقوق حق الحياة, والحرية, والسعي إلي السعادة, غير أن تشخيص الواقع يؤكد أن هناك من مواطنيه أرقاء وعبيدا, وفي الوقت نفسه وعلي الجانب الآخر, فإن عشر نجوم من العلم المرتفع للولايات المتحدة, تمثل عشر ولايات مستعدة لهدم كيان الاتحاد إذا حيل بينها وبين حق المتاجرة بدماء ولحوم هؤلاء الأرقاء, وجموح الصراع يشير الي تعرض الاتحاد الفيدرالي للإنهيار والتفتت بل إنه سيصبح مهددا علي الدوام لقيامه علي الشرط المعلق, أي إذا لم يخضع الاتحاد لتنفيذ ما تراه مجموعة من الولايات دون نقاش, وبالمخالفة لحماية الدستور, فسيتم الإكراه علي التنفيذ بالقوة أو التهديد بالانفصال, وهو ما يولد الحرب أيضا, وكان السؤال: ماذا عليه أن يفعل لإنقاذ العلم والاتحاد من السقوط ممزقين الي الحضيض, وبشرط أن يستعيد البشر الأرقاء حقوقهم المغدورة بسلطة العماء, ودون خراب الحرب؟ بهذا المعني كان علي الرجل أن يقيم علاقة خلاقة ومنتجة وفعالة مع الراهن. لا تغيب فيها قيمة وحقوق الإنسان, ولا ينفي من الوجود, أو يسقط الاتحاد, وإن لم يفعل ذلك فإنه ينتهك قناعاته ويطعنها, فاتخذ قراره بمقاومة العماء; بالدخول من بوابة العمل السياسي العام, في محاولة لطرح الفهم كمقاومة لتبديد العماء, فرشح نفسه عضوا عن ولاية ألينوي في مجلس الشيوخ, ووقف قبالة الجماهير في مناظرة مفتوحة لمواجهة خصوم الحرية والديمقراطية يعلن:
ـ إنني أحذركم وأحذركم, فأنتم حين تستعيدون أيا من إخوانكم في البشرية, وتجردونه من إنسانيته, عندئذ كيف ـ إذن ـ تكفلون أن العفريت الذي خلقتموه لا يرتد عليكم ويمزقكم؟ إنكم إذ تضعون شروطا للحرية تتحملون ـ أنتم وحدكم ـ عاقبتها الوخيمة, إنني لا أبشر بالحرب, لكن كل ما أفعله هو أنني أصر علي ذكر الفضائل الأساسية التي تتحلي بها ديمقراطيتنا التي جعلتنا كبارا, وسوف تجعلنا أكبر, هذه الفضائل هي اليوم في خطر, إذ ليس هذا المبدأ إلا دليل اللا مبالاة إزاء الشر والفساد, ويسلب جمهوريتنا نفوذها الحق في العالم, ويسمح لأعداء المؤسسات الحرة في كل مكان أن يتهمونا بالدجل والمراءاة, ويجعل أصدقاء الحرية الحقيقيين أن يشكوا في إخلاصنا, ويدفع الأخيار منا إلي الحرب ضد الأسس التي تقوم عليها حريتنا. كشف الرجل ـ إذن ـ للعقول والأذهان عن عورة مأزق التناقض بين الراهن المؤسسي المنتج للضلال والشرور, وبين مفهوم حق الإنسان المفتوح علي الشمول من دون استعباد أو استثناء لعرف أو دين لأن جميع الناس خلقوا متساوين, وليس في وثيقة الاستقلال أي استثناء لهذا المبدأ, فإذا ما استثنينا الزنوج اليوم, فقد نستثني الأجانب غدا, والكاثوليك واليهود, ولاشك أن التصدي لهذا الحمق والجنون والغطرسة, أمر ضروري لرفع الغشاوات التي تحجب الأذهان عن رؤية أن التمييز في تعريف الحرية بين طبقة وأخري, أو عرق وآخر, لا يصح البتة, وما من دولة يمكن أن تدوم إلي الأبد بحكمها الإقرار بحق أن يمتلك البشر البشر كما تمتلك الأنعام.
تأسس منطلق الرجل في تصديه للاستعباد أيا كان نوعه, علي أن الديمقراطية نجحت في إثبات أن حرية النقاش, الذي يوسع إمكانات الفهم تخصب السماح بالاتفاق, بل المهم أن الديمقراطية أيضا هي صمام أمان كإجراء للحفاظ علي السلام, وتحت وقع هذه الأسباب لم تعد تتجاذب الرجل أو تتنازعه إشكالية طرفاها يتناقضان, طرفها الأول إنه ضد الاستعباد والنزعة اللا إنسانية التي تخترق حق الحرية للبشر جميعا, وطرفها الثاني أنه أيضا ضد الحرب التي تعود بالخراب والدمار كوسيلة لإقرار حق الحرية, وكان خوفه أن الطرف الأول قد يستدعي الطرف الثاني بالاحتمال أو الرجحان, لكن إيمانه بالديمقراطية في تداول الآراء بين الاتجاهات المتعارضة عمق لديه إمكانية رفع التناقض, وشكل له حلا لصراعه الداخلي المتوتر, واستوفي لديه شروط النضال, يعضده عقل ضابط, قناعته بالعدالة والمساواة والإنصاف والسلام لا تعاني عجزا أو استعصاء, ونجح الرجل ـ بجدارته ومصداقيته ـ في أن يلتف حوله المؤيدون, وصارت شعبيته محط الأنظار. علي الفور تسلل إليه قناصة العمل السياسي وتجار المصائر, فتوسلوا بآليات التأثيم لنزعة الاستعباد وبيع البشر, ثم بدهاء راحوا يحاولون استمالته إلي مصالحهم بالتواطؤ للإندراج معهم بإطلاق أيديهم في أعمالهم علي حساب حقوق مشروعة للآخرين إذا فاز في الانتخابات, أي أنهم يطرحون مشروع اتفاق ومقايضة يتم بين مسوقين, حصاده الاكتساب والتحصيل لكلا الجانبين, وهو في حقيقته مشروع إقرار بعبودية الأفكار والمواقف والآراء, وبمعني أوضح, إن إبرام الاتفاق يعني تجريد الرجل من مسئوليته المعلنة, وفصم إيمانه بالديمقراطية, وامتصاص دوره في لعبة الكذب السياسي بالابتزاز أو الإغراء لاختزال مساحة حريته وخضوعه لعبودية خفية, حدها يقوم علي استعباد الرأي والموقف والتوجه, وتكريسها لمصلحة فئة مهما تكن شرعية حقوق الآخرين, وذاك هو الإجهاض بعينه الذي يصادر في الخفاء, ويدمر مشروعه القائم علي حد الحرية التي لا تتجزأ جسدا وعقلا وسلوكا ولأن الرجل كان يدرك آليات الفساد السياسي, وألاعيب المفسدين للديمقراطية, فقد رفض ببساطة مفتوحة علي النسيان ما عرضوه, معلنا أنه ضد كل أنواع الرق والاستعباد, مؤمنا بالنظام الديمقراطي, كنظام يفسح المجال أمام الجميع, ويعطيهم الأمل, ويبعث فيهم النشاط والتقدم دون تمييز. لكن لم يفقد قراصنة الفساد السياسي الأمل في أن الرجل يمكن تحت وسائل الإغراء والمجاذبة وتشابك الأزمات, أن يقع في شباكهم وينصاع, فكان رهانهم علي انتخابه لشعبيته, انتظارا لتأثير المجاذبة, حيث يصبح الصياد فريسة للقناص.
نجح الرجل عبر صناديق الانتخاب, وتعاظم شأنه بعيدا عن كل مسارات امتدادات آليات الاستهواء, متخطيا كل طرق الألغام التي تسعي إلي تحويل دفة إدارته للأمور وفقا لقناعاته, وأصبح رئيسا للولايات المتحدة عندئذ أدرك أنه علي عتبة العبور إلي معركة الانتكاس التي يقودها المناوئون والمتربصون, قراصنة العمل السياسي الذين يفككون الديمقراطية لتفسد وتنهار, وتصبح غير قابلة للبقاء, وذلك بالتسلل والتسلط عليها, ومحاصراتها بآليات الحقن لتوليد عبودية الأفكار والآراء بدلا من عبودية الأجساد, وعشية ذهابه إلي مقر الرئاسة, وقف في محطة القطار يلقي خطابه للناس: لقد كسبنا الديمقراطية, وبقي الآن ان نسأل أنفسنا ما إذا كانت صالحة للبقاء, لقد أصبح علينا أن نواجه يوم اليقظة المخيف إذ تبددت الأحلام, علينا أن نسلم أن مثلنا العليا في الحرية والمساواة بدأت تتحلل, وفسدت وآلت إلي الهلاك.
وتعني هذه الكلمات استكمال رحلة النضال للمحرر العظيم إبراهام لنكولن, في صورة علي المجاز الفني صاغها الكاتب الأمريكي روبرت شيروود عام1938 في مسرحية بعنوان إبراهام لنكولن في ألينوي, حيث تشكل خارطة أحداثها أن مفهوم الدفاع عن حقوقا الزنوج في الحرية, إنما هو في الأساس دفاع عن مفهوم الديمقراطية, ليس فقط كنظام لاختيار الحكام, ولكن لأن هدف الحكم الديمقراطي تعزيز الحرية لمجتمع يحمل مواطنوه حقوق متساوية, ويؤمن لهم نظامهم الديمقراطي هذه الحقوق من الانتهاك ترسيخا للسلام, كما تفصح خارطة الأحداث أن عماد مفهوم الديمقراطية أنها تلتزم بمرجعيات في مواجهة القضايا الخلافية والأزمات بأن تناقش بلغة ديمقراطية نظيفة, عن طريق مناظرات ديمقراطية مفتوحة وكاشفة, من دون فرض لرأي بالقوة, أو تهديد باستخدامها, وأن عدم الالتزام بمرجعيات الديمقراطية يسمح بانتهاك الديمقرطية من جانب جماعات تكرس أنفسها بتصميم علي سوء استعمال حقوق الآخرين, انقلابا علي الديمقراطية, لترسيخ التميزات والتعصبات لحساب مصالح فئة أو مجموعة هدفها الافتئات علي الحقوق المشروعة للآخرين فيخترقون الديمقراطية بعبودية الأفكار والمواقف والآراء, فتنطفيء شعلة الديمقراطية والعدالة والمساواة.
هذه العبودية للأفكار والآراء التي واجهت المحرر العظيم إبراهام لنكولن عام1860 وأدرك خطورتها علي الشأن السياسي العام, كانت أحد محاور انتقاد الوثيقة الألمانية التي وقعها مائة من المثقفين الألمان, ونشرت في صحيفة فرانكفورت اليومية في الثاني من مايو عام2002, تحت عنوان عالم العدالة والسلام سوف يكون مختلفا, كرد علي وثيقة المثقفين الأمريكيين الستين, حيث نددت وثيقة المثقفين الألمان بعبودية الافكار والاراء وآليات الحقن التي تمارسها السلطات الأمريكية علي كل المستويات فتخاطب الوثيقة الالمانية الامريكيين, ويعلن موقعوها إننا يعترينا الإحساس بالقلق عندما نري شخصيات بارزة في حاشية رئيس دولتكم تطالبنا في عدوانية متزايدة نحن الأوروبيين بالخضوع والطاعة التامة لأمريكا, بل ان هذه الشخصيات البارزة تحاول ان تخنق الأصوات الناقدة التي تنبعث من اوروبا عن طريق الابتزاز الرخيص, إن كثيرا منا هنا في أوروبا ينظرون الي ذلك علي انه حرمان لنا من حقنا المشروع في ان نقرر بانفسنا ولأنفسنا ما نريد أن نفعله, ومن المؤسف أن الطبقة السياسية في اوروبا لم تستوعب ـ حتي الآن ـ بوضوح أن خضوعها المزري والمخجل للقوة العظمي المسيطرة علي العالم يعتبر سياسة لا طائل من ورائها, ولا أمل فيها, وأن ذلك الخضوع سوف يخلق مناخا صالحا لإثارة الغليان والشغب من قبل قوي اليمين الراديكالي, ومن دواعي قلقنا ايضا, ذلك النفوذ المتنامي الذي تمارسه القوي الأصولية في الولايات المتحدة علي الصفوة السياسية في بلدكم, والذي يمتد وينبسط إلي كل مكان حتي بات من الواضح أنه بلغ البيت الأبيض, هذا الأمر خليق بأن يستثير نزعة التطرف والغلو في المشاعر والنزعات القومية, والفاشية عليكم ـ أيها السيدات والسادة ـ أن تكونوا علي يقين من ان جماعية الفكر, وتراث الحرية الذي تمتلكه بلدكم لن يتقوضا بدعوي الحرب ضد الإرهاب, عليكم أن توقفوا زحف العقلية الأصولية وتقدمها في الولايات المتحدة, إن تلك القيم الأمريكية التي تشيرون إليها بالبنان في فخر واعتزاز تتعرض للامتحان والابتلاء.
وكأن كلمات إبراهام لنكولن سواء علي الحقيقة أو بصورتها علي المجاز كما صورها الكاتب الأمريكي روبرت شيروود حاضرة في وثيقة المثقفين الألمان, بل كأن المثقفين الألمان أيضا قد أدركوا أن قراصنة الاستبداد السياسي, وتجار المصائر, دعاة استعباد الأفكار والعقول, الذين راهنوا علي إبراهام لنكولن عام1860, قد عادوا وكسبوا الرهان لإطفاء شمعة الديمقراطية والعدالة والمساواة, حتي لم تعد بعد صالحة للبقاء لم يجد إذن تحذير إبراهام لنكولن المحرر العظيم من عبودية الأفكار افتراه يجدي اليوم تحذير المثقفين الألمان!! أم الحقيقة والفن في تحذيرهما لا يجديان؟!. أم يا تري هل ينشط احتفال الأمريكيين بيوم الاستقلال ذاكرتهم, فيدركوا غياب القيم التي ناضل من اجلها محرروهم, ويروها وهي تتراجع علي أرضها بالذات, فينتبهوا لتحذيرات دعاة الحرية والاستقلال من الألمان وغيرهم!!. |
|
|
|
|
|