الكتاب

42217‏السنة 126-العدد2002يوليو8‏27 من ربيع الآخر 1423هــالأثنين

دورة ذهبية
لمهرجان السينما
بقلم‏:‏ محمد سلماوي

لدي اهتمام خاص بمهرجان السينما العربية الذي يقيمه في مثل هذه الأيام كل عامين معهد العالم العربي في باريس‏,‏ فبرغم جميع المهرجانات التي يشهدها العالم العربي من دمشق إلي القاهرة إلي قرطاج‏,‏ فإن مهرجان معهد العالم العربي باستثناء مهرجان صغير في روتردام ـيظل هو المهرجان الوحيد علي مستوي العالم‏,‏ المخصص للسينما العربية‏..‏ ولقد زاد من اهتمامي بالمهرجان هذا العام أنه اختار في ظل الظروف المأسوية‏,‏ التي يمر بها الشعب الفلسطيني في الوقت الحالي‏,‏ أن يكرم السينما الفلسطينية‏,‏ حيث قدم مجموعة هائلة من الأفلام الفلسطينية أو المنتجة في فلسطين‏,‏ خلال فترة السنوات العشر الأخيرة‏,‏ منها‏13‏ فيلما روائيا و‏33‏ فيلما تسجيليا‏,‏ ومعظم هذه الأفلام يعرض في أوروبا لأول مرة‏,‏ بل قد كان الكثير منها جديدا حتي علي الجمهور العربي نفسه‏,‏ لكنها تحولت جميعها إلي أداة فنية فعالة من أدوات الكفاح الوطني‏,‏ لواحد من شعوب الأرض القلائل التي مازالت ترزح تحت نير الاستعمار الأجنبي‏.‏
وإذا كانت تلك هي الدورة السادسة لمهرجان السينما العربية‏,‏ فإنها ليست كسابقاتها من الدورات‏,‏ ذلك أن المهرجان علي مدي عشر سنوات‏,‏ قد وصل هذا العام إلي أبعاد غير مسبوقة من حيث عدد الأفلام التي قدمها‏,‏ سواء داخل المسابقة أو خارجها‏,‏ والتي وصل عددها إلي نحو مائة فيلم روائي وتسجيلي‏,‏ ومن حيث انتشاره حيث لم يعد محصورا داخل قاعة معهد العالم العربي وحدها‏,‏ وإنما خرج إلي بعض دور السينما التجارية في العاصمة الفرنسية وضواحيها‏,‏ وكذلك إلي صالة السينماتيك الفرنسية‏,‏ قبل أن ينتقل إلي العرض بمدينة مارسيليا‏,‏ كما تمت أيضا زيادة عدد الجوائز التي يقدمها المهرجان هذا العام‏,‏ فبالإضافة إلي الجوائز الأربع التي تمنح لأفضل فيلم روائي طويل‏,‏ وأفضل فيلم روائي قصير‏,‏ وجائزة الفيلم التسجيلي وجائزة لجنة التحكيم لأفضل مخرج‏,‏ كان هناك هذا العام جائزة جديدة تمنح لأول مرة هي جائزة أول إخراج لفيلم روائي طويل‏,‏ بالإضافة بالطبع إلي جائزة أفضل ممثل وأفضل ممثلة والجائزة التي تمنح لموزع أفضل فيلم‏.‏

وقد أسهم هذا التوسع في نشاط المهرجان في تسليط الأضواء علي أنشطته بطريقة تفوق السنوات السابقة‏,‏ كما كانت لجنة التحكيم هذا العام علي مستوي راق حيث رأسها الفنان الكبير نور الشريف‏,‏ وشارك فيها روبير سوليه الكاتب ذو الأصول المصرية‏,‏ والذي يشغل منصب رئيس التحرير المناوب لجريدة لوموند‏,‏ كما شارك فيها أيضا ساندرا دين هامر‏,‏ رئيسة مهرجان روتردام السينمائي وريتشارد بنيا‏,‏ رئيس مهرجان نيويورك‏,‏ والمخرج الفرنسي فيليب فوكون والمخرج التونسي ناصر خمير والممثلة الكاتبة اللبنانية ياسمين خلاط‏.‏
ولم يفت المهرجان أن يتوقف عند ذكري فنانة السينما العربية الراحلة سعاد حسني‏,‏ التي توافقت ذكري رحيلها الأولي مع وقت عقد المهرجان‏,‏ حيث تم عرض سبعة من أهم أفلامها التي تمثل مراحل مختلفة من حياتها الفنية هي‏:‏ خللي بالك من زوزو وعلي من نطلق الرصاص والجوع وصغيرة علي الحب والاختبار والقاهرة‏30‏ وأهل القمة‏,‏ وهي أفلام تمثل جوانب مهمة في تاريخ السينما المصرية بمخرجيها الكبار‏:‏ صلاح أبوسيف ويوسف شاهين ونيازي مصطفي وكمال الشيخ وعلي بدرخان‏,‏ كما تعتبر أفضل تقديم لإسهام كاتبنا الأكبر نجيب محفوظ في السينما‏,‏ حيث كتب بنفسه سيناريو فيلم الاختيار عن فكرة ليوسف شاهين‏.‏

أما الإضافة التي قدمها المهرجان لمكتبة السينما العربية هذا العام فكانت فيلم أنشودة الفؤاد وهو أول فيلم مصري ناطق‏,‏ وقد تم عثر عليه عام‏2000‏ في السينماتيك الفرنسية‏,‏ حيث جري ترميمه وإعداده للعرض لأول مرة منذ عرضه الأول منذ‏70‏ عاما‏,‏ وقد تضافرت لهذا الفيلم كل عوامل النجاح‏,‏ حيث قامت ببطولته المطربة ذائعة الصيت في ذلك الوقت نادرة‏,‏ أمام عملاق المسرح المصري جورج أبيض وعبدالرحمن رشدي‏,‏ وقد كان من المتصور أن يحقق الفيلم نجاحا هائلا حيث نطقت فيه السينما المصرية لأول مرة بصوت واحدة من أحب المطربات في عصرها في أغنيات لحنها زكريا أحمد وكتب كلماتها كل من عباس محمود العقاد والشاعر خليل مطران الذي كتب أيضا حوار الفيلم‏,‏ كما أخرجه ماريو فولبي الذي كان يعتبر أحد أكبر مخرجي السينما المصرية‏,‏ لكن للأسف أن عرض الفيلم بسينما ديانا يوم‏14‏ أبريل‏1932‏ لم يحقق النجاح المتوقع لدرجة أن الأخوين بهنا اللذين كانا قد انتجاه قررا عدم المغامرة مرة أخري بالإنتاج السينمائي‏,‏ وركزا نشاطهما منذ ذلك التاريخ علي توزيع الأفلام‏.‏
ويروي الفيلم قصة حب بين شاب مصري وراقصة أجنبية والتعقيدات التي تنشأ عن هذه العلاقة خاصة مع زوجته المصرية‏,‏ التي تقوم بدورها المطربة نادرة‏,‏ وتقضي الزوجة نحبها في أثناء وضعها مولدتها ليلي‏,‏ بينما يهرب الزوج حسني الذي يتهم زورا بإطلاق النار علي شقيق زوجته إبراهيم‏,‏ وتستمر أحداث الفيلم لتظهر لنا ليلي بعد‏16‏ عاما والتي كان الباشا صاحب محلج القطن الذي يعمل به حسني قد تكفل بتربيتها بعد الأحداث المأسوية التي أصابت أسرتها‏,‏ ويعود ابن الباشا بعد أن أكمل دراسته في الخارج فيقع علي الفور في غرام ليلي لينتهي الفيلم نهاية سعيدة رغم المآسي التي لازمت أحداثه طوال‏125‏ دقيقة هي مدة عرضه‏.‏

والحقيقة أنه ما بين أول فيلم مصري ناطق وهو أنشودة الفؤاد وبانوراما السينما الفلسطينية التي قدمها المهرجان‏,‏ مرورا بأفلام سعاد حسني التي تم اختيارها بعناية‏,‏ يكون المهرجان هذا العام قد قدم بشكل ما تاريخ السينما العربية خلال فترة تقترب من قرن كامل من الزمان‏,‏ هي عمر السينما في العالم العربي‏,‏ وهذا يشير إلي التخطيط الجيد الذي سبق المهرجان والذي يعطي له هذا العام أهمية خاصة‏,‏ فمهرجان السينما العربية في دورته السادسة هذا العام لم يكن مجرد مجموعة من الأفلام تتنافس للحصول علي الجوائز‏,‏ وإنما كانت وراءه فكرة ينبغي أن نهنيء عليها القائمة علي هذا المهرجان منذ دورته الأولي ماجدة واصف‏,‏ ولماجدة واصف تصور واضح للسينما العربية وتمثل كامل لأبعادها الفنية والسياسية‏,‏ وهي تقول إن الصورة فرضت نفسها دائما كوسيلة قوية وفعالة في التأثير سواء في الحرب العالمية الأخيرة حيث سخرت بعض الأعمال السينمائية لخدمة الايديولوجيا السياسية في ألمانيا النازية وفي الاتحاد السوفيتي وفي الولايات المتحدة‏,‏ أو أخيرا في أحداث‏11‏ سبتمبر الماضي‏,‏ حيث بدأ عصر جديد لم تعد فيه الصورة حكرا علي الدول الكبري وحدها‏.‏
وقد كان هذا التصور بلا شك وراء تكريم السينما الفلسطينية‏,‏ حيث لعبت الصورة هنا دورا أساسيا في الوعي العام بالقضية الفلسطينية وحقائقها المعاشة كان حكرا قبل ذلك علي الجانب الصهيوني بما قدمه من صور سينمائية وغير سينمائية لقضية الهولوكوست مثلا علي مدي نصف قرن من الزمان‏.‏

فهنا لأول مرة خرج الفلسطينيون من لقطات الدمار والانفجار التي تبثها يوميا قنوات التليفزيون الدولية ليدخلوا عالم الواقع المعاش‏,‏ فيظهروا أمامنا كأشخاص حقيقيين لهم حياتهم وآمالهم وآلامهم‏,‏ وليسوا مجرد أرقام في تعداد الضحايا يتزايد مع كل نشرة أخبار جديدة ولا هم مجرد قنابل آدمية تنفجر في الشوارع‏,‏ إنهم بشر يحبون ويشعرون بالغيرة ويحاولون بناء حياتهم علي أرض الوطن‏,‏ لكن تعترض حياتهم دائما قوي الشر التي يمثلها الاحتلال الإسرائيلي الجاثم علي صدورهم‏.‏
وربما كانت السمة المميزة للأفلام الفلسطينية التي عرضت في المهرجان والتي تمتد فترة إنتاجها من‏1993‏ إلي‏2002,‏ أي من اتفاقية أوسلو إلي مذبحة جنين‏,‏ هي تلك الظروف غير الإنسانية التي تم فيها إنتاج هذه الأفلام‏,‏ ففي كل الأفلام يطل علينا الواقع القبيح للاحتلال الإسرائيلي‏,‏ حتي وسط قصص الحب التي لا تتحدث في السياسة‏,‏ ذلك أن الواقع السياسي في فلسطين قد تخطي الحدود السياسية ليسمم حياة الفلسطينيين في كل تفاصيلها سواء كان ما نحن بصدده هو مشهد زواج أو محاولة يائسة يقوم بها أحد العاملين بالتليفزيون لتقديم نشرة الأخبار للمشاهدين‏,‏ ففي كل ظروف الحياة تتدخل المأساة لتصبح هي في النهاية بطلة جميع الأفلام الفلسطينية التي قدمها المهرجان‏.‏

ولقد قدم المهرجان عددا جيدا من الأفلام الروائية الفلسطينية منها مثلا فيلم موسم الزيتون لحنا إلياس الذي يحكي قصة الحب التي تجمع بين الفتاة الجميلة رائدة‏,‏ وعلي طاهر الصحفي والتي ما أن تعقد خطبتها حتي تضطرب العلاقة بينهما حيث يخرج مازن الأخ الأكبر لعلي من السجن بعد‏15‏ عاما فتنشغل به رائدة متأثرة بكفاحه الوطني الطويل‏,‏ وتستمر العلاقة الثلاثية بين أبطال الفيلم بشكل غير محدد وسط موسم حصاد الزيتون الذي يشارك فيه أهل القرية جميعا‏.‏
أما رنا فهي بطلة فيلم القدس في يوم آخر لهاني أبوأسعد‏,‏ فهي تترك منزلها في القدس الشرقية بحثا عن حبيبها خليل في جميع أنحاء المدينة التي تسيطر عليها قوات الاحتلال‏,‏ وتواجه رنا في الوقت نفسه سيطرة والدها الذي يريد أن يزوجها بشاب آخر وقسوة الاحتلال الجاثم فوق أنفاس سكان القدس وهي تقاوم هذا وذاك لكي تتمكن من تحديد مصيرها بنفسها‏.‏

أما فيلم تذكرة إلي القدس لرشيد مشهراوي فهو يصور محاولة جبر الذي يعمل في مجال السينما في تقديم عروض سينمائية للأطفال في أحد مدارس القدس الشرقية‏,‏ والمخاطر التي يتعرض لها من جراء ذلك‏,‏ والتي تنعكس في النهاية علي علاقته بزوجته سناء التي تعمل متطوعة في فرق الإسعاف الفلسطينية‏.‏
وإذا كان موسم الزيتون هو الفيلم الروائي الأول لحنا إلياس الذي أخرج العديد من الأفلام التسجيلية بالإضافة لبعض أفلام الأطفال‏,‏ فإن هاني أبوسعد الذي ولد في الناصرة أخرج العديد من الأفلام الروائية والتسجيلية‏,‏ كما أنتج أول فيلم روائي لرشيد مشهراوي حتي إشعار آخر عام‏1993.‏ أما مشهراوي الذي نشأ في مخيم الشاطيء بقطاع غزة‏,‏ فقد اتخذ من فلسطين الإطار الدائم لجميع أفلامه منذ أيام طويلة في غزة‏(1991)‏ وحتي موسم الحب‏(2001),‏ وقد أسس عام‏1996‏ في رام الله مركزا للإنتاج والتوزيع السينمائي والذي قدم العديد من المساعدات للسينمائيين الفلسطينيين الشبان‏,‏ وهو من الأسماء الكبيرة الآن في السينما الفلسطينية‏.‏

أما في مجال السينما التسجيلية الفلسطينية فربما كان من أفضل الأفلام الـ‏33‏ التي قدمها المهرجان فيلم أكرم صفدي آخر الصور الذي يقدم صورة حميمية لمدينة القدس المحتلة من خلال ثلاث شخصيات تبحث عن هويتها‏:‏ ريم مغنية الأوبرا وعلي السجين السياسي وفاروق الأرستقراطي‏,‏ وفيلم من فلسطين‏..‏ بث مباشر لرشيد مشهراوي الذي يقدم صورة للعمل داخل إذاعة صوت فلسطين أثناء اندلاع أحداث الانتفاضة‏,‏ وفيلم أحلام المنفي لمي المصري الذي يجمع بين أحداث مخيم شاتيلا ببيروت‏,‏ ومخيم الدهيشة ببيت لحم‏,‏ من خلال أحلام الفتاتين مني ومنار اللتين تصبحان رمزا لجيل بأكمله مضت حياته كلها انتظارا للتحرير‏.‏
كما ضمت الأفلام التسجيلية أيضا بعض الأفلام التي تتحدث بشكل مباشر عن الأوضاع السياسية الآن في فلسطين مثل فيلم هي مش عيشة‏!‏ لعاليا أراسوغلي وفيلم تحدي لنزار حسن‏,‏ وذلك الفيلم القاسي يوميات بائع الهوي لتوفيق أبووائل الذي يقتبس رواية الخبز الحافي للكاتب المغربي محمد شكري ليصور حياة ذلك الشاب الفلسطيني اللاجيء عصام الذي يبيع جسده للرجال في تل أبيب وتطارده وأثناء عمله صور أليمة من طفولته بقريته الفلسطينية‏,‏ وفيلم آخر لرشيد مشهراوي يحمل اسم حيفا يصور مأساة الحياة في هذه المدينة الفلسطينية الجميلة‏.‏

كما ضم المهرجان بعض الأفلام التي تقدم شخصيات بعينها مثل حنان عشراوي وبولس النجار وبلانش وادوارد سعيد وعزمي بشارة‏,‏ بالإضافة إلي فيلم عن الشاعر محمود درويش‏,‏ الذي يلقي أشعاره علي الجمهور‏,‏ ومن الجدير بالذكر أن هذا الفيلم يكتسب أهمية وثائقية مضافة حيث إن قاعة المدينة التي كان يلقي فيها درويش أشعاره قد دمرت بالكامل ولم يعد لها الآن وجود إلا في هذا الفيلم‏.‏
ان تضخم مهرجان السينما العربية الذي يقدمه معهد العالم العربي والذي وصل هذا العام إلي آفاق جديدة‏,‏ إنما يضع علي القائمين عليه مسئولية خاصة في السنوات المقبلة‏,‏ حيث تضاعفت ميزانيته وأصبح يحتاج إلي هيئة إدارية متفرغة له طوال العام‏,‏ حتي يستمر علي المستوي الذي حققه في دورته الذهبية الأخيرة‏..‏ وربما يتخطاه‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية