قضايا و اراء

42217‏السنة 126-العدد2002يوليو8‏27 من ربيع الآخر 1423هــالأثنين

شلالات‏...‏و شلالات‏!!!‏
بقلم: المستشار الدكتور علي فاصل حسن

سمعنا وأطعنا مدرسي الجرافيا في حصصهم غير المحببة لنا خلال دراساتنا الإبتدائية والثانوية حين طلبوا منا استيعاب منابع ومناقع شلالات نياجرا‏..‏ تري ما الحكم الآن‏..‏ وقد ألفينا أنفسنا فجأة‏..‏ وسط شلالات متهاطلة‏..‏ من فياجرا؟؟
حدثتنا الصحف أخيرا عن ضبط أربع حقائب كبيرة في مطار القاهرة بداخلها‏283‏ ألف قرص فياجرا تقدر قيمتها بستة ملايين جنيه‏..‏ ولأن الكوارث لا تأتي فرادي‏..‏ فقد بان أن المضبوطات كانت في صحبة زوجة أحد كبار المسئولين وشقيقها الذي كان يستخدم مقعدا متحركا‏..‏ ودلفا إلي المطار قادمين من دبي عبر صالة كبار الزوار التي فتحت لهما بأمر من مسئول كبير آخر بميناء القاهرة الجوي مشفوعا بتوصية بعدم تفتيش الحقائب المذكورة‏!!..‏ وإثر اكتشاف الواقعة أعرب صاحباها عن رغبتهما في التصالح مع الجمارك إزاء الرسوم المستحقة والغرامة‏..‏ والتي بلغت‏12‏ مليون جنيه‏..‏ لاغير‏!!‏

مشكلتنا الحقيقية‏..‏ اننا إزاء الواقعة الماثلة وسواها مما هو أخطر لانرغب أن نبرأ عن معالجة أمورنا من منطلق رد الفعل‏!!‏ فإثر تلك الحادثة التي صدمت مشاعر الرأي العام أصدر وزير الصحة قرارا بتسجيل الفياجرا‏..‏تمهيدا للبدء في تصنيعها وبيعها بل وتصديرها‏..‏ في مصر‏!!‏
وواقع الأمر أن الدراسة العلمية المتأنية كانت تملي علينا اعتناق هذا القرار منذ أمد بعيد‏..‏ فليست الفياجرا ضرب من المخدرات المحرم قانونا جلبها وزراعتها والاتجار فيها وتعاطيها‏..‏ ليست من حبوب المزاج والهلوسة التي تلتاث المدارك العقلية بالمس والخلل‏..‏ إنها عقار طبي معترف به عالميا‏..‏ صرحت به هيئة الأدوية والأغذية في الولايات المتحدة بتداولها منذ إبريل‏1998‏ بعد تجارب دامت‏12‏ سنة‏..‏ وسرعان ما تلقفته وعممته الدول بدءا بروسيا في أغسطس من نفس العام‏..‏ والاتحاد الأوروبي بعد شهر فالبحرين ثم اليابان والهند في مارس‏1999..‏ وما لبثت أن هرولت خلال‏3‏ سنوات بلدان عديدة نحو غمر أسواق العالم بإنتاجها تحقيقا لأرباحها الطائلة كالصين وباكستان وسوريا والعراق والمغرب واليونان وانتهاء باليمن‏!!..‏ أما في مصر فقد شكلت وزارة الصحة عقب اكتشاف العقار لجنة لدراسة جدواه علي أن تنتهي مهمتها في ميعاد غايته ديسمبر‏1999‏ غير أنها ظلت متأرجحة مترنحة في خطواتها حتي وقعت الواقعة الأخيرة والتي لم تكن بحال الأولي‏..‏ فدفعت وزارة الصحة دفعا إلي اعلان البدء في تسجيله تمهيدا لإنتاجه بعد أربعة أسابيع ــ المدة اللازمة لاستيراد مواده الخام وتصنيعه وتعبئته‏.‏

والآن علينا أن نتحري الأمانة في الاجابة علي هذا السؤال الملح‏..‏ ما الذي يدفع مهربا لسداد‏12‏ مليون جنيه لحفظ الاتهام المسدد إليه خلال أدلة فواحة وشهود بواحة؟ وكم جني من أرباح بعد استنزال هذا المبلغ الخرافي والجعل الذي أهداه إلي المسئول لقاء تسهيل مهمته؟‏..‏ ألا يعني هذا تعطش سوقنا لشلالات الفياجرا المنهمرة من خارج الحدود‏..‏ هناك إحصائيات تشير إلي تفاقم الضعف الجنسي بين الرجال إذ يبدأ بنسبة‏26%‏ من سن‏25‏ سنة ليصل إلي‏75%‏ وفق تدرج مراحل العمر‏..‏ ويقينا أن الواقع أمر بكثير‏..‏ ذلك أن قليلا من الرجال المصريين من يرحب بالكشف عن حقيقة فحولته‏.‏
متي نمسك زمام المبادرة في التصدي لمشاكلنا؟ هناك أكثر من ألف مواطن مصري سقطوا صرعي تعاطي الفياجرا المتسربة إلي بلادنا بعيدا عن الرقابة الطبية‏..‏ سواء لغش في مكوناتها‏..‏ أو لانتهاء فترة صلاحيتها أو لموانع صحية لدي المتعاطي تحول دون تناول العقار‏,‏ سيما مرضي الشريان التاجي المعالجين بمركبات النترات‏...‏ فهل تسبق الدولة نزول الفياجرا إلي الأسواق فلا تكتفي بتقييد صرفها بالتذاكر الطبية ـ فما أسهل من اصطناع شهاداتها في بلادنا ــ بل بنشر حملة مكثفة تكشف عن محاذيرها‏..‏ لتعيد الوعي إلي الجمهور المبهور بسحرها وأساطيرها‏..‏

يعجب المواطن المصري من سياسة رد الفعل‏..‏ التي تنقله في غمضة عين من التقييد والخطر إلي السماحة واليسر‏..‏ ولسان حاله يردد مع أبي العتاهية‏:‏
ألا طالما خان الزمان وبدلا ............. وقصر آمال الأنام وطولا‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية