|
|
تقاس الجودة والكفاءة بشركات الطيران بقدر الوصول إلي أعلي معدلات السلامة الجوية أو تأمين سلامة الطيران والذي يعرف بأنه العمل المثمر والسعي الدائم إلي تفادي وقوع حوادث الطيران, أو التقليل من وقوعها* حيث ينبغي أن تكون السلامة الجوية هي الهدف الأول الذي تسعي إليه شركات الطيران بصفة دائمة, يلي ذلك بترتيب الأوليات, الاهتمام بخدمة الراكب وراحته, ثم يأتي العامل الثالث وهو تحقيق الأرباح في الترتيب الثالث والأخير, ومع ذلك فإن الإحصائيات في هذا المجال تشير إلي أن معظم الشركات التي حققت أعلي معدلات السلامة الجوية أي أقل الحوادث, هي التي تمكنت علي المدي الطويل من تحقيق أعلي معدلات الأرباح, حيث أن القدرة علي جذب أكبر عدد من الركاب تظل دائما مرتبطة في المقام الأول بدرجة الاهتمام بأمن الراكب وسلامته وترجمة ذلك إلي واقع ملموس تجاه حوادث الطيران وتفادي وقوعها. ولذلك فقد وضعت منظمات الطيران الدولية عدة معايير لقياس معدلات السلامة الجوية, نختار أحدها وهو الأكثر دقة وبساطة, وهو مقارنة عدد ساعات شركة الطيران المراد قياس مستوي السلامة الجوية بها خلال عشرين سنة متتالية بعدد الحوادث الكوارث التي وقعت بها خلال هذه الفترة.
وفي هذا المقام كان من الضروري التعرف علي مستوي شركتنا الوطنية خلال العقدين الآخرين1980 ــ2000 تجاه هذا الهدف القومي وهو تأمين سلامة الطيران, أي المحافظة علي أرواح الركاب. وحتي تكون نتيجة هذا التقييم أكثر وضوحا ومنطقا كان من الضروري إجراء مناظرة عادلة بين فترتين متعاقبتين... الأولي بين عامي1960 ــ1980 والذي تعاقب علي رئاسة مصر للطيران خلالها عشرة رؤساء, والثانية1980 ــ2000 والتي تولي رئاستها المهندس محمد فهيم ريان.
ومن واقع الإحصائيات نجد أن عدد الحوادث التي وقعت خلال الفترة الأولي هي عشرون حادثا, أي بمعدل حادث كل عام, أما الفترة الثانية فقد وقع خلالها ثلاثة حوادث, أي بمعدل حادثا كل سبع سنوات* وهذا بالرغم أن عدد ساعات الطيران الكلية التي حققتها مصر للطيران خلال الفترة الثانية1980 ــ2000 بلغت أكثر من ضعف عدد الساعات المحققة خلال الفترة الأولي1960 ــ1980, وبذلك تكون الفترة الثانية متفوقة علي الأولي بمقدار أربع عشرة مرة. وبالرغم أن المقارنات لا تقوم إلا بتسوية الظروف لدي طرفي المناظرة, إلا أن الظروف المحيطة بكل فترة منهما تعتبر متقاربة في الزمان والمكان والعديد من الظروف المحيطة الأخري الأمر الذي يجعل هذه المقارنة أقرب إلي المنطق السليم والنتيجة العادلة.
وتظهر هذه المقارنة أو المناظرة, الفرق الشاسع بين هاتين الفترتين إلا أن الإحساس بوقوع الحوادث الثلاث وآثارها النفسية بالنسبة للشعب المصري خلال الفترة الثانية, يفوق بحكم الظروف المحيطة الإحساس بالحوادث العشرين خلال الفترة الأولي, وذلك لأسباب متعددة أهمها ضعف وسائل الإعلام خلال الفترة الأولي, بجانب التعتيم الإعلامي بالنسبة لسلبيات هذه الفترة بصفة عامة وحوادث النقل بصفة خاصة, كما أن الشعور بالخوف والقلق بالنسبة لحوادث الطيران كان يتضاءل بجانب الإحساس بشبح الحروب والاستعدادات العسكرية لها حيث كان صوت المعركة وأهميتها لا يعلوا عليه أي صوت آخر. أما الفترة الثانية1980 ــ2000 فإن مساحة الديمقراطية خلالها قد أتاحت لوسائل الإعلام المصرية حرية مطلقة في النقد وتسليط الأضواء علي كل السلبيات مهما كان صغر حجمها, وهذا بجانب تعاظم وتقدم وسائل الاتصالات عن طريق الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية, بالإضافة إلي الإحساس النسبي لدي الشعب المصري خلال العقدين الأخيرين بالأمان والاطمئنان والسلام والبعد عن خطر الحروب, هو أمر يضخم الإحساس بالحوادث المدنية وفقد الأرواح.
أما الأسباب التي أدت إلي رفع معدلات السلامة الجوية خلال الفترة الثانية إلي هذه الدرجة المرتفعة بالنسبة إلي الفترة الأولي فهي تتلخص فيما يلي: 1ــ تمكن المهندس فهيم ريان منذ توليه رئاسة مصر للطيران عام1980 من ترسيخ مبدأ السلامة الجوية في المقدمة حتي أصبح شعارا مؤكدا لدي كل العاملين بالشركة الوطنية, بعد أن كان وقوع حادث كل عام خلال الفترة الأولي هو أمر متوقع ومقبول لدي الجميع, ولم يتخل في أي لحظة من اللحظات عن تدعيم هذا الهدف أو هذا الشعار تدعيما ماديا, حيث تحتاج المحافظة علي السلامة الجوية إلي أموال طائلة وبصفة مستمرة خاصة في عمليات التدريب وصيانة الطائرات.
2ــ أدي تمسك الدولة والإدارة العليا لمصر للطيران بتبعيتها إلي القطاع العام إلي إطلاق يدها في وضع تأمين سلامة الطيران في المقام الأول في ميزانيتها طوال هذه الأعوام, حيث يعلو الاهتمام بهذا العامل لدي الشركات الوطنية في جميع أنحاء العالم علي أي عامل آخر, فالمحافظة علي الأرواح هي هدف قومي مثل الدفاع والصحة والتعليم.
3ــ استحداث أسطول مصر لطيران بطائرات حديثة أكثر أمانا واقتصادا والاهتمام بالأساليب الحديثة في التدريب وإرسال ممثلي الشركة من طيارين ومهندسين لحضور جميع المؤتمرات الدولية التي تهتم بتأمين سلامة الطيران.
4ــ تثبيت الحافز الشهري وضمه للمرتب الأساسي عام1981, كان من الأسباب التي أدت إلي استقرار الطيارين ماديا ونفسيا, الأمر الذي انعكس علي آدائهم, وبالتالي علي السلامة الجوية, وقد أدي هذا القرار أيضا إلي قيام الطيارين بإنشاء صندوق للتأمين ضد فقد اللياقة الطبية للطيران ومنح مكافأة مناسبة بعد المعاش.
5ــ تم زيادة أجور الطيارين وبدلات السفر تدريجيا خلال الفترة الثانية حتي وصلت عام2000 إلي عشرين ضعف ما كانت عليه عام1980, كما تم تثبيت بدلات السفر بالعملة الصعبة بداية من عام1995, وأيضا زيدت أجور العاملين بالقطاع الفني حوالي عشر مرات.
6ــ الدقة في اختيار الطيارين الذين تولوا إدارة العمليات والمنوط بهم مهام التدريب والتشغيل واستقرارهم في وظائفهم مددا طويلة.
7ــ شراء أجهزة الطيران الآلي( المحاكيات), والتي أصبح الاعتماد عليها في تدريب الطيارين يشكل المرحلة الأساسية في التدريب بعد أن كانت هذه المرحلة تتم بصفة دورية بالخارج, مما أتاح مرونة فائقة في عمليات التدريب بجرعات عالية وبأقل تكلفة.
8ــ استقرار المهندس فهيم ريان هذه المدة في موقعه كان من الأسباب الرئيسية التي أدت إلي تحقيق هذ المعدل الجيد في تأمين سلامة الطيران, بعكس ما حدث بالنسبة للفترة الأولي, حيث كان معدل البقاء في هذا الموقع لا يزيد علي سنتين, الأمر الذي ساهم كثيرا في انخفاض معدلات السلامة خلال هذه الفترة. إن ما سبق حقائق مبنية علي البحث العلمي والإحصائيات المؤكدة والمقاييس الدولية في تأمين سلامة الطيران الذي لاقي ما يستحق من عناية خلال الفترة السابقة ولا يتصور أحد أنه يمكن أن تكون هناك حركة دائمة دون أن تكون هناك سلبيات ومن الأهمية بمكان السعي الدائم الدءوب لتلافي هذه السلبيات والتقليل من آثارها.
وهذا بغض النظر عن الخلاف في الرأي حول هذه الفترة, وما بها من بعض السلبيات الحتمية. |
|
|
|
|
|